بقلم: عاطف عبداللهفي الثاني والعشرين من مايو 2026، وخلال الجلسة الافتتاحية لاجتماع “إعلان المبادئ” بالعاصمة الكينية نيروبي، تحدث الدكتور والباحث الأكاديمي صديق الزيلعي بالأصالة عن نفسه ونيابةً عن “مركز آفاق” ومجلة “قضايا فكرية”. وفي ختام كلمته، وجّه رسالة واضحة ومباشرة إلى قيادة وعضوية الحزب الشيوعي السوداني، دعاهم فيها إلى العودة إلى نهج العمل الجبهوي والتحالفات الواسعة مع القوى الساعية إلى وقف الحرب وبناء سودان مدني ديمقراطي، من أجل إنقاذ البلاد من حالة الانهيار الشامل التي باتت تهدد وجودها كدولة.وقد استعرض الزيلعي بإيجاز التجارب التاريخية للحزب في العمل المشترك، سواء في مرحلة ما قبل الاستقلال أو خلال مقاومة الأنظمة العسكرية المتعاقبة في عهود عبود ونميري والبشير، مؤكداً أن الشعب السوداني لم يعد يحتمل استمرار رفض العمل الجبهوي تحت أي ذرائع أيديولوجية أو تنظيمية، في وقت تواجه فيه البلاد أخطر أزماتها الوطنية على الإطلاق.هذا الحديث، الذي لقي ترحيباً واسعاً وسط قطاعات من الشيوعيين والديمقراطيين وأصدقاء الحزب والنشطاء السياسيين المعارضين لسلطتي بورتسودان ونيالا، بالإضافة إلى عدد من القوى السياسية المشاركة في الاجتماع، واجه في المقابل انتقادات حادة وحملات تخوين من بعض التيارات الجذرية والنشطاء الجدد الذين أفرزتهم ثورة التكنولوجيا الحديثة وفضاءات الإعلام الرقمي.غير أن ما طرحه الزيلعي ليس جديداً تماماً، بل هو ذات النداء الذي ظل يردده كثيرون منذ سنوات، ومن بينهم كاتب هذه السطور: ضرورة عودة الحزب إلى سياسة التحالفات الواسعة والعمل المشترك من أجل إنقاذ ما تبقى من الوطن، الذي ينزلق بوتيرة متسارعة نحو التفكك والانهيار، بعد أن تكاثفت عليه أزمات الدولة الوطنية المزمنة، من اختلال توزيع السلطة والثروة، وهيمنة المركز، وتوظيف الدين والقبيلة والمؤسسة العسكرية في الصراع السياسي.لقد بات واضحاً أن الحرب الحالية غيّرت طبيعة الصراع السياسي والاجتماعي في السودان بصورة جذرية، وأنتجت واقعاً جديداً يفرض على جميع القوى السياسية مراجعات فكرية وسياسية عميقة. فلم يعد ممكناً التعامل مع هذه الأزمة الكارثية بالأدوات القديمة أو بالشعارات التقليدية التي لم تعد قادرة على مخاطبة التحولات الاجتماعية الهائلة التي فرضتها الحرب، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، وتفكك مؤسسات الدولة.إن القضية الجوهرية هنا لا تنحصر في شخص الدكتور صديق الزيلعي، ولا في المنبر الثقافي والفكري الذي يمثله، بل تتجاوز ذلك إلى أزمة البنية الفكرية والتنظيمية للحزب الشيوعي السوداني في هذه اللحظة الحرجة. فالأزمة الحقيقية تتمثل في العجز عن المواءمة بين الإرث النضالي التاريخي وضرورات المرونة السياسية، حيث يجد الحزب نفسه محاصراً بين تاريخه الثوري من جهة، وبين قيود الأرثوذكسية الماركسية الجامدة من جهة أخرى، بما يحدّ من قدرته على الاستجابة لتحولات الواقع المتسارعة.وتتجلى هذه الأزمة بصورة أوضح في اتساع الفجوة بين الحزب وقطاعات اجتماعية جديدة نشأت خارج الأطر التنظيمية التقليدية. ففي الوقت الذي تشارك فيه قوى مدنية متعددة، على اختلاف رؤاها، في مبادرات تهدف إلى وقف الحرب وفتح أفق سياسي جديد، ظل الحزب غائباً عن معظم هذه المبادرات، مكتفياً بإصدار بيانات سياسية تندد بالأوضاع دون تقديم مبادرات عملية موازية.كما أن الخطاب السياسي للحزب ما يزال يعتمد، إلى حد بعيد، على مفردات تاريخية مثل “الثورة الديمقراطية” و”الصراع الطبقي”، وهي مفاهيم، وإن كانت سليمة، إلا فقدت كثيراً من قدرتها التعبوية لدى الأجيال الجديدة، خصوصاً وسط الشباب الذين نظموا ثورة ديسمبر عبر شبكات أفقية ومنصات رقمية، أو وسط النازحين ولجان الإغاثة المحلية التي نشأت خارج البنى الحزبية التقليدية. والنتيجة الطبيعية لذلك كانت اتساع حالة العزلة السياسية، التي لم تعد مجرد خيار تنظيمي، بل أصبحت انعكاساً لعجز أعمق عن قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية.وقد قاد ذلك كله إلى حالة من العزلة السياسية، تجلت في الابتعاد عن القوى المدنية الأخرى، ورفض التسويات، والتمسك بخطاب أيديولوجي جامد لم يعد يمتلك القدرة العملية على التأثير في موازين القوى أو قيادة الشارع كما كان يفعل الحزب في مراحل سابقة من تاريخه.لا أحد يطالب الحزب بالدخول في تحالفات جديدة بقدر ما تفرض الضرورة الوطنية الحد الأدنى من التنسيق والتعاون مع القوى المدنية الساعية إلى وقف الحرب والمؤمنة بالتحول المدني الديمقراطي، من أجل إنقاذ ما تبقى من الوطن ومنع انهياره الكامل.إن التحدي الأكبر الذي يواجه الحزب لا يتعلق بكيفية الحفاظ على نقائه الأيديولوجي، بل بقدرته على إعادة تعريف دوره التاريخي في ظل واقع مختلف جذرياً عن ذلك الذي تشكلت فيه تجربته السياسية الأولى. فالسودان اليوم يواجه خطر التفكك الوطني والانهيار الكامل، وهو خطر يتجاوز الخلافات الحزبية والصراعات الفكرية التقليدية.ومن هنا تنبع أهمية دعوة الزيلعي للمساهمة في بناء جبهة ديمقراطية عريضة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية، وتضع أولوية وقف الحرب، واستعادة الدولة، وحماية المجتمع فوق الحسابات التنظيمية الضيقة. وهي دعوة تعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة اللحظة التاريخية، حيث لم يعد بمقدور أي حزب، مهما كان تاريخه الباذخ أو حضوره الرمزي، أن يواجه الكارثة الوطنية منفرداً.لقد ظل الحزب الشيوعي السوداني أحد أبرز الفاعلين في التاريخ السياسي السوداني الحديث، بما راكمه من نضالات وتضحيات، وإسهامات فكرية، ونقابية، وثقافية. غير أن التاريخ وحده لا يكفي لضمان الفاعلية والتأثير في الحاضر؛ فالأحزاب التي لا تجدد أدواتها ورؤاها، ولا تنفتح على المتغيرات الاجتماعية والسياسية، تتحول تدريجياً إلى كيانات معزولة تعيش على أمجاد الماضي أكثر مما تؤثر في صناعة المستقبل.إن ما طرحه الدكتور صديق الزيلعي لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجرد موقف سياسي عابر، بل باعتباره جرس إنذار ودعوة صريحة إلى مراجعة شاملة تعيد للحزب دوره الوطني في أخطر لحظات السودان المعاصر. فإما أن ينتصر منطق الانفتاح والعمل المشترك لإنقاذ الوطن، أو تستمر حالة الجمود الأيديولوجي التي لن تقود إلا إلى مزيد من العزلة، بينما يتآكل الوطن وينهار تحت أقدام الجميع.The post لماذا أصبح الحزب الشيوعي السوداني أقل تأثيراً رغم عمق حضوره التاريخي؟ appeared first on صحيفة مداميك.