الواقعية السياسية وإنهاء الحرب: قراءة في إعلان نيروبي

Wait 5 sec.

بقلم: زكريا محمد أحمدفي ظل الحرب المدمرة التي يعيشها السودان، وما خلّفته من قتلٍ ونزوحٍ وتمزيقٍ للنسيج الوطني، تصبح الأولوية الملحّة بالنسبة للجماهير هي إيقاف الحرب والحفاظ على وحدة الوطن، لا الانشغال بالصراعات الأيديولوجية والتنظيرات المجردة. ومن هذا الواقع تنبع أهمية أي جهد سياسي أو مدني يسعى لبناء أوسع جبهة ممكنة لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي.السؤال الذي يهم الجماهير المهددة بالموت، وفقدان أرواح أعزاءها، وممتلكاتها، ومصادر رزقها، والجماهير التي تعاني اللجوء والنزوح، هو: متى تتوقف الحرب؟ وبأي كيفية؟ حتى تعود إلى مواصلة حياتها. كما يهمها أيضاً الحفاظ على وحدة الوطن المهدد بالتقسيم والتلاشي. هذا واقع يشبه تماماً حريقاً شبّ في البيت؛ والبيت هنا هو الوطن الذي يضم كل السودانيين، بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية والإثنية والجهوية وغيرها من الاختلافات. لذلك فإن الواجب المُقدَّم هو توحيد الجميع لإطفاء الحريق أولاً، حتى لا يقضي عليهم جميعاً.فإثارة الخلافات، والحديث عن التباينات الأيديولوجية والسياسية في هذا الواقع الأليم، لا يعني شيئاً سوى العزلة، ليس فقط عن الحركة السياسية، بل عن الجماهير نفسها ومطالبها العاجلة. فلا يهم الجماهير التنظير المجافي للواقع، والذي لا يقدم حلولاً عملية قابلة للتحقيق لإيقاف الحرب، وبالتالي إنهاء معاناتها، حتى تعود لممارسة حياتها الطبيعية في ظل وطن واحد، يهيئ لها الظروف المناسبة لتنظيم نفسها، ونشر الوعي وسط صفوفها، والنضال من أجل تحقيق مطالبها وطموحاتها، بما في ذلك شعارات الثورة.وأغلب المنتقدين لما تم من تحالف واسع للقوى السياسية والمدنية في نيروبي، لا يتناولون بالنقد الموضوعي ما جاء في إعلانه وبيانه من برنامج وخارطة طريق لإيقاف الحرب، وإنما ينطلقون من إسقاطات ومفاهيم مسبقة عن التحالف ومكوناته، دون الغوص في مخرجات هذا الحراك المدني.والملفت والمقلق حقاً أن كثيرين ممن ينطلقون في نقدهم من الفكر الماركسي، يلومون الواقعية في الطرح، متناسين أن جوهر الماركسية ومرتكزها الأساسي هو دراسة الواقع باعتباره المصدر الأساسي للنظرية وتطويرها. فهل يمكن للماركسية أن تدّعي العلمية إذا جافت الواقع والواقعية في استنتاجاتها الهادفة إلى تغييره؟لقد فرض الواقع السوداني، بكل تعقيداته، على الحزب الشيوعي أن يظل دائماً داعياً ومساهماً وصبوراً في بناء التحالفات الواسعة لإنجاز المهام الوطنية الكبرى، مثل إسقاط الدكتاتوريات العسكرية. حتى أصبح بناء التحالفات والصبر عليها أشبه بـ”ماركة مسجلة” باسم الحزب الشيوعي، انطلاقاً من قناعة أكّدتها تجارب الحركة السياسية السودانية، مفادها أنه لا يوجد حزب أو قوة سياسية، مهما عظم شأنها، تستطيع إنجاز هذه المهام الوطنية الكبرى بمفردها.ولعل واقع الحرب الراهن، بكل تعقيداته، يفرض على كل من يهمه أمر الوطن أن يلقي بسهمه مع القوى الداعية والمناضلة من أجل إنهاء الحرب وإيقافها، لإنهاء معاناة الجماهير. فالحرب لم تعد صراعاً داخلياً فقط، بل أصبحت حرباً تتداخل فيها أطراف إقليمية ودولية وفقاً لمصالحها، مما يستوجب وجود تحالف واسع للقوى السياسية والمدنية في جبهة واحدة، تخاطب طرفي الحرب والقوى الإقليمية والدولية بوصفها ممثلة للجماهير السودانية، عندما تضم كل القوى المدنية والسياسية المناهضة للحرب، حتى تتمكن من فرض إرادتها على الجميع.فالتحالف على المستوى القيادي، كما تؤكد تجارب الحزب الشيوعي نفسه، ليس بديلاً أو نقيضاً للعمل القاعدي وسط الجماهير، بل إن العمل الجماهيري القاعدي هو الضامن الحقيقي لوحدة التحالف، ولإجبار القيادات المترددة على الالتزام بمواثيقه. كما أن مخاطبة طرفي الحرب والقوى الإقليمية والدولية تتطلب وجود قيادة سياسية مدنية موحدة، تقدم المقترحات والحلول لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي.وعلى منتقدي إعلان نيروبي أن يقدموا بديلاً عملياً يوقف الحرب، ويُنهي وجود المليشيات لصالح قيام جيش وطني واحد، ويؤسس لبديل مدني ديمقراطي، بعيداً عن التنظير الطوباوي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، بل يصب عملياً في مصلحة الداعين لاستمرار الحرب، ويلتقي موضوعياً مع ما تسعى إليه الحركة الإسلاموية من تفتيت وحدة القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب، والداعية إلى إقصائها من المشهد.ولا تعدو أي دعوة لمقاطعة ما تم في نيروبي أن تكون، في المحصلة النهائية، خدمة للكيزان ونظامهم، مهما تدثرت بلغة ثورية، أو نُثرت عليها “بهارات” من قبيل المنطلقات الثورية أو الماركسية. فالعبرة في النهاية بالنتائج والمحصلة العملية لأي موقف سياسي، لا بالأرضية الفكرية التي يستند إليها، لأن الجماهير يهمها قبل كل شيء الحصول على إجابات عملية تنهي معاناتها.وأعتقد أنه من الضروري أن تأخذ قيادة الحزب الشيوعي مناشدة الدكتور والباحث الأكاديمي صديق الزيلعي مأخذ الجد، لأنها تنطلق من حرصه على أن يكون الحزب الشيوعي السوداني جزءاً أصيلاً مما تم في نيروبي، باعتباره حراكاً جمع طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمدنية السودانية، وهي قوى موجودة بالفعل في الواقع السوداني، ولها نفوذها وجماهيرها. وليس في مقدور الحزب الشيوعي أن يوجد غيرها، أو أن ينكر تأثيرها في المشهد السياسي السوداني. لذلك فإن الواقع يفرض عليه التفاهم والحوار معها، وتقديم نقده لمواقفها من داخل هذا التحالف الواسع، لا من خارجه.فكما ذُكر سابقاً، لا يستطيع أي حزب سياسي، بمفرده، أن يوقف الحرب أو ينجز شعارات الثورة وحده.وفي الختام، أود الإشارة إلى أن مشاركة الدكتور صديق الزيلعي بصفته ممثلاً لمجلة “قضايا فكرية” و”مركز آفاق جديدة للدراسات”، حق تكفله لائحة الحزب الشيوعي السوداني ودستوره فيما يتعلق بنشاط عضو الحزب داخل المنظمات الجماهيرية، والتزامه ببرامجها ومواقفها. فهو لم يذكر أنه حضر ممثلاً للحزب الشيوعي، وإنما جاءت مشاركته تعبيراً عن رؤية الجهة التي انتدبته، وتأتي مناشدته في هذا الإطار، الأمر الذي يستوجب الاهتمام بها، خاصة أنها صادرة عن كادر حزبي قضى أكثر من نصف قرن في صفوف الحزب الشيوعي السوداني.إن تعقيدات الواقع السوداني تفرض على القوى السياسية والمدنية تجاوز خلافاتها الثانوية، والعمل معاً من أجل إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان. فالجماهير لا تنتظر المزيد من السجالات النظرية، بل تبحث عن حلول عملية توقف معاناتها وتعيد إليها حقها في الحياة والأمان والاستقرار. ولذلك فإن نجاح أي مشروع وطني مرهون بقدرته على توحيد القوى المناهضة للحرب حول برنامج واقعي يضع مصلحة الوطن والجماهير فوق كل اعتبار.The post الواقعية السياسية وإنهاء الحرب: قراءة في إعلان نيروبي appeared first on صحيفة مداميك.