عبدالله محمد عبداللهما حلّ بفن الغناء لدينا من تغيّر ساقهُ إلى وضعه الراهن لم يحدث فجأةً، بل كان تدريجياً، و متسارعاً أحياناً ، فمنذ ظهور الأورغ كآلةٍ مصاحبةٍ لحيدر بورتسودان مطلع الثمانينات كمغن منفرد، و حتى سيطرة تلك الآلة الوافدة على الساحة بإيقاعاتها المبرمجة و مجالها الصوتي الشاسع، و ما صاحبها من أجهزة تضخيم الصوت، شهدنا الإستغناء عن الآلات الناعمة، كالكمنجات و الاكورديون و غيرها، و إفساح المجال لمزيد من الأورغات حتى صارت ثلاثاً او اربعاً في الفرقة الواحدة، يرافقها جيتار و بيز، و قليل من آلات النفخ، مع عدد متزايد من آلات الإيقاع. ما النتيجة؟ تغيّر امزجة الجمهور و تبدّل عادات الاستماع و التذوق، وسط صخب متزايد و أصوات تعلو باضطراد. بينما غصّت الساحة (بمغنين بلا حدود ) يؤدون كل الرصيد المتاح دون تكليف النفس أحيانا باستظهار النصوص التي كثيراً ما نرى بعضهم يلتقطها من شاشة الموبايل!تقف اغنية (زهرة السوسن ) كمثال لذلك التغير، و للقدرة على اجتياز اختبار الزمن بقابليتها لاستيعاب المستجدات. فبعد ان كانت أولَ عهدها أغنية لفنان و كوررس محدود العدد و آلتين للإيقاع، إلا أنها خضعت لتناول المؤدين ذوي الأطياف المتباينة، و عديد من الآلات التي وفدت إلى الساحة عبر عقودِ من الزمن. فصارت أكثر صخباً و أشد دعوة للرقص، تلهث كلماتُها لمجاراة الإيقاع ، ببنما تحولت خاتمتها الحييّة إلى فاصل من التمتم المتصاعد المتسارع كشاحنة تدهس حقلاً من السوسن. والأمثلة تفوق الحصر هنا.على صعيد الأداء نلاحظ أن محمد دفع الله مثلا ، في أغاني و أغاني، قد أدى بعض اجزائها بما يذكرنا بالأسلوب الباكر لصلاح ابن البادية، بينما غنّاها مُهيّد شاكر على نمط السبعينات في الغناء الشعبي مع قفلةٍ هي إلى قفلات أغاني الحقيبة أقرب. أما مأمون سوار الدهب فقد عاد بنا إلى أمر الكلاراتورا السودانية إذ مضى بعيداً في التلوين الصوتي، مع دعمٍ في القرار بصوت يأتي من الخلفية.أما فرفور، (وهل تنجو اغنيةٌ من فرفور؟) فقد استعان في ليالي البروف بكورس نازعه أداء الأغنية و فرقةِ طغت على صوته، ثم حوّل خاتمة الأغنية إلى حفلة زار! لكن عاصم البنّا في أغاني وأغاني، وإن بدا واثقاُ و متمكناً ، إلا أن زهرة السوسن لم تنجُ من نهراتٍِ مباغتةٍ و حماس ٍ لا يحتمله المقام.في الجانب الآخر تقف شذى عبدالله بأداءٍ التزم الأصل إلا قليلاً، و امتازت بالتخلي عن القفلة المطوّلة التي جاءت عند الآخرين كفاصلٍ مستقل من التمتم النشط. لكن شذى، تُدخلنا في باب الأخطاء المُخلّة بالمحتوي بقولها ( يا النسيتينا و انتي ما جيتي) بدلاًٍ من (يا النسيتينا و قلتي ما نسيتي ) فأضاعت نعومة العتاب. و في موضعٍ آخر قالت (ولّا قلبي الطال إنتي جُرتي عليه) عوضاً عن ( و لّا قلبي الطال شوقُه جُرتي عليه) فأفقدت البيت معناه. و مثلما فعلت شذى قال مهاب عثمان وأحمد محمد عوض في أداء ثنائي للأغنية ( الربيع آهو عاد…) عوضا عن (الربيع أهو فات و انتي ما جيتي) فأخلّا بمقصد الشاعر !و بعيداً عن هنّات المغنين و المغنيات و هرج الكورس و ضجيج الفرق المنفلتة و تنافس آلات الإيقاع، انتحى طارق ابوعبيدة بالأغنية جانباً، مصطحباً عوده، ليعود بها الى أصلها الرومانسي، حيث تمتزج المناجاة بالعتاب و الأمل. و ما بين طارق و عوده يلوح شئ ٌ من التمتم المتمهل، مما يعيد إلى الذهن قولة الموسيقار الراحل إسماعيل عبدالرحيم ( هو التمتم شنو؟ التمتم إحساس و مزاج). أما رنّة الحزن التي في صوت طارق فقد نقلت الأغنية من دائرة العتاب الفج إلى تخوم الشجى العميق معيداً لها بعض ما حباها به عبدالله الحاج.______________________طارق ابو عبيدة، تصوير تاج السر الملكThe post زهرة السوسن… خمسون عاما من الإشراق (2) appeared first on صحيفة مداميك.