الأسبوع الثقافي السوداني في شمال تكساس.. نموذج مشرف للإبداع والتماسك السوداني

Wait 5 sec.

صلاح شعيبحقاً كانت فرصة طيبة لي أن ألبي دعوة الجالية السودانية – الأمريكية في شمال تكساس، للمشاركة في الأسبوع الثقافي المقام في مدينة دالاس، والذي امتد على مدار ثلاثة أيام.وقد تخلل هذا الأسبوع العديد من الفاعليات الثقافية المتنوعة، أبرزها كان الافتتاح بمعرض تشكيلي سوداني شامل، وهو الأول من نوعه بهذا الحجم في الولايات المتحدة، حيث شارك فيه أكثر من عشرين فناناً تشكيلياً بلوحاتهم وإبداعاتهم المميزة، فضلاً عن بعض المنسوجات اليدوية المعبرة عن بيئات السودان.وقد قدمتُ ثلاث ندوات ثقافية هامة. ففي يوم الجمعة 15 مايو عقدنا ندوة بعنوان «تأثير الذكاء الاصطناعي على الأغنية والموسيقى السودانية» والتي تناولت الحديث عن دور موسيقيينا ومغنينا في الاستفادة من هذا الفتح العلمي الجديد الذي افرزته ثورة الاتصالات وإمكانية توظيفه بالقدر الإيجابي في دعم الملحنين والمغنيين بما يساهم في ترقية منتجاتنا الموسيقية والغنائية.أما في يوم السبت 16 مايو فقد تناولت ندوة «الأنماط الموسيقية والغنائية في السودان» نماذج لأعمال الموسيقيين والمغنيين بدءً بتجربة الحقيبة وتطورها إلى الأغنية الحديثة، والغناء الشعبي، وفرق الجاز، والأغنية الكردفانية والدارفورية بمشتركاتها السباعية والخماسية، وأغنية منطقة الشايقية باعتمادها على إيقاع الدليل وكذا إيقاعات المنطقة الأخرى، وأغاني اللغات السودانية مثل البيجاوية والنوبية والنيل الأزرق وجبال النور ودارفور. كما تطرقت الندوة لتجارب الغناء الجماعي والثلاثي والثنائي، وأغاني المديح.وفي يوم الأحد 17 مايو كانت ندوة تكريم الشاعر الكبير عبد المنعم عبد الحي، وذلك بتناولنا سيرته الذاتية والأدبية والعسكرية بشكل مفصل، وسط مشاركات قيمة وثرية بالغناء والحوار من أبناء جالية شمال تكساس، والذين أكدوا على عمق أعماله الفنية. وقدمت فرقة الجالية الموسيقية عدة أعمال غنائية عبر عن تعدد مختلف الأنماط الغنائية السودانية. وكذلك قدمت أعمالا كتبها الشاعر مثل “لوموهو اللاهي” و”بين اليقظة والأحلام” و”ناس لا لا” و”انا أمدرمان”، وأخريات.لقد أكد هذا الأسبوع وجود إمكانيات إبداعية كبيرة جدًا داخل الجالية، حيث يوجد فيها عدد لا بأس به من المبدعين في مختلف المجالات. وقد نجح المشاركون في تأكيد صلتهم الوثيقة بالفن السوداني وتقديم مساهمات مميزة تعكس عمق انتمائهم الثقافي.-٢-شاركت فرقة الجالية بقيادة سكرتيرها النشط الفنان محمد أسامة، إلى جانب العازفين: أمير الذي تفنن في الإيقاع، والدكتور الفنان عبد الحميد، والشاب الموهوب تيم ياسر (عازف الكيبورد) الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، ووالده الفنان ياسر أنور البدوي.كما حظي الأسبوع باهتمام كبير من النساء في منطقة دلاس اللائي شاركن في معرض التشكيل، وكذلك كانت مشاركاتهن في الحوار غنية ومؤثرة. ومن أجمل اللحظات كان حضور الحاجة نعمات، والدة الأستاذ لطفي علي لطفي (الذي استضافني مع أسرته بكرم فياض في منزلهما العامر)، ورغم أنها قاربت التسعين عامًا، إلا أنها حرصت على حضور ومتابعة نشاط الجالية بكل اهتمام. وقد اكرمت وفادتنا زوجة لطفي الكريمة الأساتذة وفاء همد. وكذا حفتنا رعاية باشمهندس الطيب لطفي الذي يعمل في شركة البوينغ، وابنته دكتورة دعاء لطفي التي تعمل في عيادة ايرفنق، والأستاذة آمنة لطفي التي تعمل في بيل هيليكوبتر.وشاركت أيضًا مجموعة من التشكيليين والتشكيليات من المنطقة، منهم نضال عفيفي، محجوب حسين، عبد الرحمن شنقل، نعمان جعفر، أحمد حبشي، غادة كروم، شهد بشير الهادي، الهميم بدوي لطفي، أمل خالد، ويقين عز الدين كوستي.وساهم كذلك تشكيليو منطقة واشنطن: الأستاذ تاج السر الملك، والأستاذة محاسن أحمد محمد، والأستاذة تيسير أحمد محمد شبرين، وابنتاها الفنانتان التشكيليتان تمارا صلاح عمر الإمام وسارة عمر صلاح عمر الإمام (حفيدتا الرائد التشكيلي أحمد شبرين) والأستاذ عادل أمير.نجاح المعرض التشكيليلقد أعاد هذا الأسبوع الاعتبار للفن التشكيلي، خاصة في ظل ضعف حضوره في مناشط السودانيين والإعلام الحديث. وقد أصبح المعرض حديث كل الزوار، وأشاد به عمدة المدينة زبانتا. ووقف وراء هذا النجاح الكبير الفنان التشكيلي الكبير نعمان جعفر، الذي سهر الليالي والأيام لإخراج المعرض بهذا المستوى الرفيع، وذكّرنا بمعارض الزمن الجميل في «جوتا» والمركز البريطاني، وكلية الفنون.اهتمام جالية شمال تكساس (دالاس) بالأعمال الثقافية السودانية أبرز مقدرات الفنانين السودانيين على الإبداع، حتى في ظل الحرب والظروف الصعبة التي يواجهونها في المهجر، وذلك بخلق مساحات للاعتزاز بالوطن وتذكير الأجيال بالسودان الإبداعي في جوانبه الثقافية، والإبداعية. فجاءت ليالي دالاس الثلاث مليئة بالشجن والغناء والحوارات المثمرة، بالإضافة إلى أنها اعادت الثقة في الفن بحسب أنه مصدر تلاقي كل السودانيين حول عروضه الغنائية والتشكيلية. وكان للمشاركات الحوارية عبر الندوات الثلاث لمعظم أعضاء الجالية من المثقفين والأكاديميين فرصة لبحث المشتركات المجتمعية والجمالية وسط التعايش السلمي السودانيين من جهة. وكذلك تناول النقاش عوائق والتحديات التي يواجهها الفنان في الداخل والخارج، والتي تحجم أدوار رائدة في نشر الثقافة السودانية وأشكالها الإبداعية في مختلف مناطق السودان والتعريف بها على المستويين الإقليمي والدولي. وبخلاف اهتمام الجالية الثقافي فقد سبق لها استضافة العديد من رموز الفكر والاجتماع والقادة السياسيين الزائرين، وايضاً تناول قضايا للسودانيين في جوانبها الاجتماعية والصحية والتربويّة والاقتصادية، فضلا عن تضامن أعضائها ودعمهم المادي لكثير من الأعمال الخيرية في السودان.-٣-إن من أبرز مميزات جالية دالاس أنها استطاعت بجهود أبنائها تجاوز كل الخلافات السياسية والجهوية والقبلية التي تسم معظم الجاليات السودانية في الخارج. وهذا التعاضد الاجتماعي مكنها من امتلاك دار كبيرة تضم صالة مميزة للمناسبات وفصول للدرس، وبوفيه، ومكاتب، بالإضافة إلى فناء واسع داخل أرض الجالية. وبهذه النجاحات أصبحت جالية شمال تكساس نموذجًا يُحتذى وسط الجاليات السودانية في الولايات المتحدة وسائر مناطق وجود السودانيين حول العالم.تعكس الجالية التنوع السوداني الحقيقي، وتضم ناجحين في مجالات الأعمال والدكتوراه والعمل العام، وقد بنت علاقات متينة مع المسؤولين الأميركيين المحليين وساهمت في الاندماج الإيجابي مع المجتمع الأمريكي مع الحفاظ على هوية المجتمع السوداني.كما اهتمت الجالية من خلال هذا الأسبوع الثقافي بإبراز التراث السوداني القديم وذلك من خلال عرض مميز عن كوش وبقية الممالك النوبية، حظي بإعجاب كبير من الحضور وعمدة المدينة. وقد قدم العرض صورة مشرفة عن دور الحضارة النوبية في التاريخ الإنساني، وساهم في تعريف الأجيال الجديدة بتراثهم العظيم الذي يجب أن يفتخروا به.نأمل أن تحافظ جالية شمال تكساس على هذا التماسك الفريد والعطاء الوطني المحترم حتى تكون قادرة على تحقيق إنجازات أكبر، وأن تكون نبراسًا يُحتذى به وسط الجاليات السودانية في الولايات المتحدة.التحية لرئيس الجالية – ربان السفينة – المهندس عماد أحمد عمر – وزملائه وزميلاته في عضوية المكتب التنفيذي، ولكل أعضاء الجالية – للدور الكبير الذي ظلوا يبذلونه لتقديم الوجه المشرف للوجود السوداني في المنطقة. ولا أنسى هنا مجهودات منتدى عازة في شمال تكساس بقيادة الصديقين فضلي إسماعيل البكري ومكي إسماعيل البكري، وهما قد ساهما بقدر وافر في رعاية التخطيط لفكرة وتنفيذ الأسبوع الثقافي. لقد كان المهرجان فرصة عظيمة لي للتواصل مع الأستاذ السر جعفر، وهو أحد رموز الجالية حيث ساهم بشكل كبير من خلال رئاسته السابقة للجالية، وله مع آخرين القدح المعلى في حيازة دار الجالية الحالي. كذلك التقيت بأصدقائي القدامى الحبيب المناضل الهمام هشام هباني الذي صحبني في جولة داخل المدينة ليعرفني بها زهاء الساعتين، حيث زرنا موقع اغتيال الرئيس كيندي. وكذلك كانت اللقيا أجمل بالأصدقاء والصديقات منهم الأستاذين علي الكنين ومرتضى الباشا، والمسرحية القديرة نجوى خيري، والباشمهندس رفيق حواري بانت الصديق سيف، والأديب علاء الدين، وزميل التقابة الرجل الذواق الأستاذ مجدي البصير، وطارق، وأبناء رفقة حي العباسية وبانت مصطفى عقارب، والرشيد مرجان، وسيف، وكيف أنسى كرم الاستاذ أنور ومن خلفه الأستاذ راشد مكين، حيث كانت للملوحة أصولها، وطعمها اللذيذ.الأمل أن تتقفى الجاليات السودانية في الولايات المتحدة كافة آثار هذا النجاح الكبير لخدمة مجتمعاتها في المجالات كافة، وأن تتجاوز خلافاتها المصنوعة التي تقعدها دون تطوير قدرات المنتمين إليها.The post الأسبوع الثقافي السوداني في شمال تكساس.. نموذج مشرف للإبداع والتماسك السوداني appeared first on صحيفة مداميك.