مناشدة البروفيسور قاسم بدري لإيقاف الحرب: صوت الضمير الوطني في زمن المأساة

Wait 5 sec.

عبد المجيد قرشيفي خضم الحرب السودانية التي دخلت عامها الرابع، وبينما تتزايد أعداد الضحايا وتتسع دائرة الدمار والنزوح، تبرز أصوات وطنية تدعو إلى إعلاء قيمة الإنسان فوق الحسابات السياسية والعسكرية. ومن بين هذه الأصوات تأتي مناشدة البروفيسور قاسم بدري لإيقاف الحرب، وهي مناشدة تحمل وزناً خاصاً لما يتمتع به الرجل من مكانة أكاديمية واجتماعية ووطنية جعلته محل احترام واسع داخل السودان وخارجه.لا يُعرف البروفيسور قاسم بدري كزعيم حزبي أو ناشط سياسي يسعى إلى مكاسب أو مواقع في السلطة، بل كرجل تعليم ومؤسسة وطنية كرّس حياته لبناء الإنسان السوداني من خلال التعليم والمعرفة. ولذلك فإن دعوته لإيقاف الحرب لا يمكن قراءتها في إطار الاصطفافات السياسية المعتادة، وإنما باعتبارها صرخة ضمير وإنذاراً أخلاقياً من شخصية ترى بأم عينها حجم الكارثة التي يعيشها السودان.لقد تجاوزت الحرب حدود الصراع العسكري التقليدي، وأصبحت أزمة وجود تهدد الدولة والمجتمع معاً. فعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات، لم يتمكن أي طرف من تحقيق انتصار حاسم، بينما كان الخاسر الأكبر هو المواطن السوداني. فقد فقد الملايين منازلهم ومصادر رزقهم، وتعطلت المدارس والجامعات، وانهارت الخدمات الصحية في مناطق واسعة من البلاد، وتحولت حياة الناس إلى معركة يومية من أجل البقاء.إن المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب لا تقتصر على القتلى والجرحى والنازحين، بل تمتد إلى تدمير مستقبل جيل كامل من الأطفال والشباب الذين حُرموا من التعليم والاستقرار وفرص الحياة الكريمة. فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من الفقر والجهل والتشرد، ومزيداً من التراجع في مؤشرات التنمية التي كانت البلاد تعاني منها أصلاً قبل اندلاع الصراع.ومن المؤسف أن الحرب، بعد هذه السنوات الطويلة، فقدت ما تبقى لها من مبررات سياسية أو أخلاقية. فحين يبدأ أي صراع قد تكون هناك أهداف معلنة أو مطالب محددة، لكن استمرار الحرب رغم كل هذا الدمار يجعل التساؤل مشروعاً حول جدوى استمرارها ومن المستفيد الحقيقي منها. فالنتائج على الأرض تشير إلى أن المواطنين يدفعون الثمن كاملاً، بينما تتعزز مواقع القوى المتحاربة وتزداد شبكات المصالح المرتبطة بالحرب نفوذاً وتأثيراً.لقد أصبح من الواضح أن اقتصاد الحرب بدأ يخلق مستفيدين من استمرار القتال، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي كثير من النزاعات حول العالم، تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى غاية في حد ذاتها بالنسبة لبعض الأطراف التي تجد في الفوضى مصدراً للنفوذ والثروة. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يواجه فقط العقبات العسكرية، وإنما أيضاً المصالح التي تشكلت حول استمرارها.وفي المقابل، فإن المواطن السوداني العادي لا يملك ترف الانتظار. فهو يواجه يومياً ارتفاع الأسعار، وانعدام الخدمات، وصعوبة التنقل، وغياب الأمن، وانهيار المؤسسات التي كانت توفر الحد الأدنى من الاستقرار. ولهذا فإن دعوة البروفيسور قاسم بدري تعبّر عن وجدان قطاع واسع من الشعب السوداني الذي لم يعد يعنيه من سينتصر عسكرياً بقدر ما يعنيه أن تتوقف المأساة وأن يعود الوطن إلى مسار الحياة الطبيعية.كما تكشف هذه المناشدة عن أزمة حقيقية تتمثل في غياب الصوت المدني القادر على التأثير في مجريات الأحداث. فمنذ اندلاع الحرب، طغت لغة السلاح على لغة السياسة، وأصبح صوت البندقية أعلى من صوت العقل والحوار. ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة لظهور حركة مدنية واسعة تضم الأكاديميين والمثقفين والمهنيين ورجال الدين والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء، بهدف تشكيل رأي عام ضاغط يطالب بوقف الحرب دون شروط.إن مسؤولية إيقاف الحرب لا تقع على عاتق الأطراف المتحاربة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية تشمل جميع مكونات المجتمع. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الأهلية الطويلة لا تنتهي غالباً بانتصار عسكري كامل، وإنما بتسويات سياسية تفرضها إرادة الشعوب وإدراك الجميع لاستحالة الحسم بالقوة. وكلما تأخر الوصول إلى هذه القناعة ارتفعت تكلفة الحرب على الوطن والمواطن.كما أن المجتمع الإقليمي والدولي مطالب بدور أكثر فعالية في دعم جهود السلام، بعيداً عن الحسابات الضيقة والتنافس على النفوذ. فالسودان ليس مجرد ساحة صراع محلي، بل دولة محورية في محيطها الإفريقي والعربي، وأي استمرار للفوضى ستكون له تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية لتؤثر على الأمن والاستقرار الإقليميين.إن أهمية مناشدة البروفيسور قاسم بدري تكمن في أنها تعيد التركيز على القضية الأساسية التي قد تضيع وسط ضجيج المعارك والتجاذبات السياسية، وهي أن الإنسان السوداني يجب أن يكون محور أي حل وأولوية أي مشروع وطني. فلا قيمة لأي انتصار سياسي أو عسكري إذا كان ثمنه تدمير الوطن وتمزيق المجتمع وإهدار مستقبل الأجيال القادمة.لقد آن الأوان لأن تستعيد القوى المدنية دورها التاريخي في قيادة الرأي العام والدفاع عن حق السودانيين في الحياة والسلام. وآن الأوان كذلك لأن يدرك الجميع أن استمرار الحرب لن ينتج إلا المزيد من الخراب، وأن السلام لم يعد خياراً سياسياً بين عدة خيارات، بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية لا تحتمل التأجيل.إن صوت البروفيسور قاسم بدري هو في جوهره صوت كل أم فقدت ابنها، وكل طفل حُرم من مدرسته، وكل أسرة شردتها الحرب، وكل مواطن يحلم بوطن آمن ومستقر. وهي دعوة تستحق أن تجد صدى واسعاً بين السودانيين، لأن إنقاذ السودان لن يتحقق عبر ساحات القتال، وإنما عبر إرادة وطنية جامعة تضع مصلحة الشعب فوق مصالح الأطراف، وتعيد للوطن حقه في السلام والاستقرار والتنمية.فليكن شعار المرحلة: لا غالب ولا مغلوب، بل وطن يُنقذ، وشعب يستحق الحياة، ومستقبل يجب أن يُبنى على أسس السلام والعدالة والمصالحة الوطنية الشاملةThe post مناشدة البروفيسور قاسم بدري لإيقاف الحرب: صوت الضمير الوطني في زمن المأساة appeared first on صحيفة مداميك.