في معنى العدالة وهندسة الاستقرار

Wait 5 sec.

* د. أيمن بشرىملخص:يناقش المقال العدالة كضرورة نفسية وسياسية لبناء الاستقرار، لا مجرد شعار أخلاقي. ينطلق من علم الأعصاب وعلم النفس لشرح كيف يتحول الإقصاء إلى شعور بالإهانة والكرامة المهدورة، مما يغذي الصراعات. ويفرق بين ثلاثة مستويات في نقاش عدم العدالة: حقيقة وقوعها، أسبابها وطرق علاجها. ثم يقرأ التاريخ السوداني من هذا المنظور: ثورة أكتوبر ١٩٦٤ التي أعادت إنتاج إقصاء الجنوب، ورفض قرنق للحكومة الانتقالية بعد النميري، واستبعاد الدارفوريين بعد “المفاصلة”، وإصرار حركات دارفور على حصة محددة في السلطة عام ٢٠٢٠. ويرى المقال أن بناء سودان مستقر يتطلب “هندسة مؤسسية” قائمة على العدالة الإجرائية والشفافية والتمثيل العادل، مستلهماً نموذج ماليزيا مع تحاشي سلبياته.١. مقدمة“يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء”.(البند الأول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)“حرية، سلام، وعدالة”..كان هذا أحد أكثر الشعارات حضورًا في الحراك الثوري السوداني (٢٠١٩م)، وربما أكثرها قدرة على اختزال آمال السودانيين وآلامهم في كلمات قليلة. ولكن ما هي العدالة التي كان يقصدها الناس؟ هل هي العدالة الاقتصادية، العدالة السياسية، العدالة في توزيع السلطة، المساواة أمام القانون؟ أم إزالة التهميش التاريخي؟ أم الاعتراف بالكرامة الإنسانية؟ أم كانت العدالة هي مجرد التخلص من نظام جائر؟الأرجح أن هناك تصورات مختلفة عن العدالة عند الأشخاص المختلفين. ولكن لماذا تصبح كلمة “العدالة” قادرة على تحريك الجماهير وإشعال الثورات والحروب، رغم أن الناس قد يختلفون جذريًا حول معناها؟ربما لأن الإنسان لا يبحث فقط عن الطعام أو الأمن، بل يبحث أيضًا عن الشعور بأنه مرئي، ومحترم، وله مكان داخل الجماعة الوطنية. وقد لخّص جون قرنق هذا المعنى بصورة مكثفة في معرض رده على سؤال عن سبب قتالهم، فقال إنهم “يقاتلون من أجل الكرامة”. فالظلم لا يعني فقط الفقر أو غياب الخدمات، بل يعني أساساً الإحساس بالإهانة، أو الإقصاء، أو أن الدولة لا ترى بعض مواطنيها باعتبارهم شركاء متساوين في ملكيتها. وعليه، فإن العدالة ليست شعارًا أخلاقيًا مجردًا، ولكنها أحد الأسس النفسية والبيولوجية التي تقوم عليها الدول المستقرة.٢. العدالة كحاجة نفسية وعصبيةيميل بعض الناس إلى التعامل مع العدالة باعتبارها فكرة فلسفية مجردة، بينما تشير دراسات علم النفس والسلوك الاجتماعي إلى أنها جزء عميق من التكوين البيولوجي البشري نفسه. في تجارب شهيرة أجراها عالم السلوك فرانز دي ڤول (Frans de Waal)، أظهرت القردة ردود فعل غاضبة عنيفة حين حصل أحدها على مكافأة أقل من غيره مقابل بذل الجهد نفسه. تشير هذه التجارب إلى أن الإحساس بالإنصاف والنفور من غيابه (Inequity Aversion) ليس اختراعًا سياسيًا حديثًا بالكامل، بل له جذور تطورية مرتبطة بالحياة الاجتماعية والتعاون داخل المجموعات؛ فالقدرة على التعايش في مجموعات هي إحدى أهم مميزاتنا كبشر. وتبدو استجابة القردة محل التجربة للظلم أكثر ارتباطًا بالظلم الواقع عليها مباشرة، بخلاف الإنسان القادر أيضًا على التفاعل مع الظلم الواقع على الآخرين، وهذا ما يعرف بالتعاطف (empathy).من الناحية العصبية، تُظهر أبحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن تعرض الإنسان للظلم الاجتماعي أو عدم الإنصاف الإجرائي ينشط “القشرة الجزيرية الأمامية” (Anterior Insula) في الدماغ، وهي ذات المنطقة المسؤولة عن معالجة الألم العضوي والاشمئزاز الجسدي. هذا يعني أن الظلم لا يُترجم في الوعي الإنساني كفكرة مجردة، بل كألم حيوي حقيقي واشمئزاز بيولوجي، وهو ما قد يساعد في تفسير لماذا لا تستقر الأنظمة الاجتماعية إذا شعر أفرادها بأنهم يتعرضون للتهميش أو الاستغلال بصورة مزمنة؛ فالشعور بالظلم هو محفز عصبي مباشر للغضب واستعادة التوازن ولو بالقوة.٣. من “اللوح الفارغ” إلى فكرة تكافؤ الفرصساهمت أفكار الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke) حول tabula rasa أو “اللوح الفارغ”، والتي ذهبت إلى أن البشر يولدون دون معرفة مسبقة ويكتسبونها بالخبرة والتعلم، في تقويض التصورات القديمة التي كانت تفترض أن بعض البشر مؤهلين طبيعيًا للحكم أو المعرفة بحكم النسب أو الامتياز الوراثي أو “الحق الإلهي”.ورغم أن هذه النظرية كانت في الأساس نظرية معرفية (إبيستيمولوجية) حول تشكل الخبرة الإنسانية، إلا أن تبعاتها السياسية كانت عميقة. فإذا كان البشر يملكون ذات الأهلية المبدئية للتعلم واكتساب المعرفة، فإن احتكار السلطة والثروة والمعرفة بواسطة مجموعات بعينها يفقد جزءًا كبيرًا من شرعيته الأخلاقية والعلمية. ورغم أن الأبحاث الحديثة في علم النفس والوراثة السلوكية تشير إلى وجود تفاوتات فطرية جزئية بين البشر في بعض القدرات، فإن ذلك لا يعيد الشرعية لفكرة الامتياز السياسي الوراثي أو احتكار الفرص.وفي الفلسفة السياسية الحديثة، تطور هذا المفهوم مع جون رولز (John Rawls) عبر فكرة “حجاب الجهل” (Veil of Ignorance)، والتي تقترح أن تصميم المؤسسات العادلة يتطلب صياغة القواعد دون معرفة مسبقة بموقعنا الطبقي أو الإثني داخل المجتمع. ومن هنا نشأت فكرة أن الدولة العادلة ليست هي التي تضمن تساوي النتائج بصورة مطلقة، بل التي تضمن “بنية إجرائية” تفتح المجال أمام الناس للوصول إلى الفرص بصورة عادلة وشفافة ويمكن التنبؤ بها.٤. الظلم، الكرامة، والإقصاءلا يشعر الإنسان بالألم فقط عندما يُحرم من الموارد، بل أيضًا عندما يشعر أن كرامته قد انتُقصت أو أن وجوده غير معترف به داخل النظام السياسي أو الاجتماعي. فالظلم لا يُختزل في الفقر، بل يظهر بدقة في “الاحتقار الرمزي”، أو الإقصاء من مواقع القرار، أو احتكار الوظائف والفرص، أو التعامل مع جماعات بعينها باعتبارها أقل أهلية أو أقل استحقاقًا.هذا الإحساس بالمهانة الرمزية يتحول مع الزمن إلى غضب جماعي وفقدان كامل للثقة، وربما يصير عداءً مستدامًا تجاه بنيان الدولة نفسها. إن كثيرًا من الصراعات التاريخية لا تنشأ بسبب الجوع وحده، ولكن بسبب شعور مجموعات بشرية كاملة بأنها غير مرئية، أو غير محترمة، أو مستبعدة بنيوياً من “ملكية الدولة”. قد تُستثمر مشاعر الاقصاء الحقيقية أحياناً بواسطة نخب سياسية وعسكرية لتحقيق مكاسب سلطوية تتجاوز المظالم الأصلية.لا يجب أن يُفهم أن البعد النفسي المطروح هنا يلغي العوامل الاقتصادية والسياسية الأخرى، فهذه قد تم تناولها بإسهاب في كثير من الكتابات السياسية السودانية. هذا البعد يتفاعل، يؤثر ويتأثر بتلك العوامل بصورة شديدة التعقيد.٥. كيف يُنتج الظلم الاستعلاء؟ (ديناميكية الانحياز)لا يقتصر تأثير البنى غير العادلة في الدول على الطرف المهمَّش وحده، بل يكون تأثيرها شاملاً لمكونات المجتمع ككل، إذ تعيد تشكيل الوعي الإدراكي والاجتماعي للطرف المهيمن أيضاً. فالمجموعة التي تحتكر السلطة، أو الوظائف، أو التعليم، أو التمثيل الرمزي، تبدأ تدريجيًا وعبر آليات “انحياز المصلحة الذاتية/محاباة الذات” (Self-Serving Bias)\bm ($)، و”تبرير النظام” (System Justification)\bm (+)، في تفسير هذا الوضع الاحتكاري باعتباره وضعًا طبيعيًا أو مستحقًا أو دليلًا على تفوق ذاتي، وهو ما أسميته في مقال سابق بـ”الإحساس بالاستحقاق”.كثير من أشكال الاستعلاء لا تبدأ من كراهية مباشرة للآخر، بل من اعتياد الامتياز وتطبيع وجوده. وحين تعيش مجموعة ما لعقود وهي الأكثر حضورًا في مؤسسات الدولة، يتحول ذلك في وعيها الجمعي إلى تصور ضمني بأن هذا الوضع “منطقي” وله مبرراته الموضوعية. لكن الطرف الآخر (المهمش) لا يقرأ هذه الرسائل بصورة محايدة، بل يفسرها باعتبارها احتقارًا أو استعلاءً أو نفياً لأهليته وكرامته. وعندها يدخل المجتمع في حلقة نفسية واجتماعية مفرغة:{الظلم المتراكم} —> {الإحساس بالاستحقاق والاستعلاء} —> {زيادة الإحساس بالإهانة والتهميش} —> {الغضب والعداء} —> {مزيد من الانغلاق والاستعلاء}.في السياق السوداني، كانت هذه الدينامية من أهم المرتكزات النفسية والاجتماعية التي غذّت صراع المركز والهامش، وهو الصراع الذي غذى كثيرًا من الحروب الأهلية السودانية.ويجب التنبيه لأن فهم الأليات النفسية لا يعني تبرير نتائجها السياسية والأخلاقية.٦. تفكيك “انعدام العدالة” في السياق السودانيعند مناقشة قضية العدالة واختلال توزيع السلطة والفرص داخل الدولة السودانية، من المهم منهجياً التمييز بين ثلاث قضايا مستقلة:1 هل يوجد أصلًا تفاوت أو اختلال يمكن إثباته بصورة موضوعية؟2 ما الأسباب البنيوية التي أدت إلى نشوء هذا الاختلال واستمراره؟3 كيف يمكن معالجة هذه الاختلالات بصورة تمنع إعادة إنتاجها في المستقبل؟الخلط بين هذه المستويات الثلاثة كثيرًا ما يؤدي إلى قلة الانضباط في النقاش السياسي، إذ ينتقل الناس مباشرة إلى تبادل الاتهامات الأخلاقية أو طرح الحلول الفطيرة قبل الاتفاق على توصيف المشكلة علمياً.أولاً: هل التفاوت حقيقة أم مجرد تصور؟يتحول النقاش السوداني هنا إلى ثنائية حادة: اتهام بالمبالغة وتوهم مظالم غير موجودة، في مقابل اتهام بإنكار اختلالات بنيوية واضحة. الخروج من هذا المأزق لا يكون إلا عبر أدوات الإحصاء والتحليل الكمي للبيانات التاريخية لدراسة التوزيع الإقليمي والإثني للوظائف العليا، وفرص الابتعاث، والتمثيل المؤسسي منذ فجر الاستقلال.على سبيل المثال، تمثل “عملية السودنة” (تأميم حوالي 800 وظيفة عليا كانت بيد البريطانيين) واقعة إحصائية صارخة؛ حيث نال جنوب السودان منها 6 وظائف فقط، ونال الشرق وكردفان ودارفور مجتمعة أقل من 6 وظائف أخرى، بينما ذهبت بقية الوظائف للشمال والوسط. لاحقاً، صدر “الكتاب الأسود” (١) في عام ٢٠٠٠م، قبيل حرب دارفور، كوثيقة رصدت رقمياً هذا الاختلال، ورغم أن قيمته الإحصائية الخالصة شابتها عواصف الاستقطاب السياسي المتبادل، إلا أنه يظل دليلاً على أن الأرقام هي المساحة الوحيدة لنقل النقاش من “الانطباعات” إلى “الوقائع”. وهذا ما أوضحته دراسة أكاديمية نرويجية (Fostvedt, 2010) (٢). كما حاولت بعض الدراسات الأكاديمية اختبار فرضية “الكتاب الأسود” باستخدام مؤشرات التنمية والإنفاق الحكومي والتمثيل السياسي. ومن أبرزها دراسة أليكس كوبهام (Alex Cobham) (٣) التي نُشرت في عام ٢٠٠٦م والتي خلصت إلى أن البيانات المتاحة تدعم بدرجة معتبرة وجود اختلالات إقليمية مزمنة في توزيع السلطة والتنمية داخل السودان، خاصة على حساب دارفور والجنوب والأقاليم الطرفية الأخرى.ثانياً: في تفسير أسباب الاختلال:حتى إذا ثبت التفاوت بالأرقام، فإن تفسير أسبابه يظل قضية منفصلة. جرى التبرير تاريخياً بعوامل الإرث الاستعماري والتفاوت التعليمي المبكر. لكن بعد سبعة عقود من الاستقلال، يصبح هذا التبرير أداة لإعادة إنتاج الامتياز؛ فاستمرار الاختلالات دون مراجعة جادة أو إصلاح مؤسسي يعود في جوهره إلى تشكل شبكات نفوذ مغلقة وضغوط سيكولوجية غير واعية لحماية المكتسبات، وليس بالضرورة نتيجة مؤامرة شريرة واعية.ثالثاً: كيف يمكن بناء عدالة قابلة للاستمرار؟القضية الأهم ليست سرد إخفاقات الماضي أو إيجاد تفسيرات لها، وإنما هي التفكير “الهندسي” في بناء مؤسسات تجعل الأجيال القادمة أكثر حساسية تجاه الإقصاء والمحسوبية. الغاية النهائية ليست إدارة الانقسام والمحاصصة، ولكن تأسيس ثقافة مؤسسية تجعل العدالة جزءاً من الضمير الجمعي. ولا يعني التركيز على اختلال توزيع السلطة والتمثيل التقليل من أثر العوامل الثقافية والرمزية في الأزمة السودانية، فالثقافة والسلطة يعيد كل منهما إنتاج الآخر بصورة مستمرة. غير أن تغيير البنية المؤسسية للسلطة يظل، في تقديري، المدخل العملي الأول لتخفيف الهيمنة الثقافية وبناء الثقة داخل المجتمعات المنقسمة، إذ يصعب تعديل التأثيرات الثقافية بصورة مستدامة دون إعادة توازن القوى داخل مؤسسات الدولة نفسها.وما ينطبق على الثقافة ينطبق على الاقتصاد أيضاً. فالبنى الاقتصادية في الدول تتأثر وتؤثر في السياسة من خلال علاقات متشعبة. غير أن إصلاح البنى الاقتصادية المختلة لا يتأتى بدون إصلاح اختلالات بنية السلطة. يدعم هذه الحجة أسيموغلو وروبنسون في كتابهما الشهير “لماذا تفشل الأمم” (٢٠١٠) (٤). والجوانب الاقتصادية تشمل صراع مصالح داخل المجتمع، كما تشمل صراعات إقليمية وعالمية شديدة التعقيد.الكرامة كمفتاح لقراءة التاريخ السودانيولعل في التاريخ السوداني ما يُجسّد هذا النمط النفسي لانعدام العدالة والاعتراف بصورة لافتة. فثورة أكتوبر ١٩٦٤م التي قامت جزئياً احتجاجاً على ما يجري في الجنوب، لم تضم في جبهة هيئاتها جنوبياً واحداً، ولم يتضمن ميثاقها الوطني بنداً واحداً عن قضية الجنوب، وهو ما يكشف كيف يمكن لحركة مناهضة للظلم أن تُعيد إنتاج الإقصاء دون وعي. وحين سقط النميري عام ١٩٨٥، رفض قرنق الاعتراف بالحكومة الانتقالية لا رفضاً للتسوية، بل لأنها تشكّلت دون استشارة القوى الجنوبية ومنحت الوزراء الجنوبيين حقائب هامشية.وكان لبعض النخب الدارفورية دورٌ بارزٌ في تثبيت حكم عمر البشير (١٩٨٩-٢٠٢٠)، ولكن ما حدث بعد ما يُعرف بـ”المفاصلة” (١٩٩٩) من استبعاد الدارفوريين من مراكز القرار أدى – من ضمن عوامل أخرى – إلى تنامي إحساس عدم الاعتراف، فصدر “الكتاب الأسود” وما تبعه من صراع مسلح في دارفور.وتكرر النمط ذاته حين أصرّت حركات دارفور عام ٢٠٢٠م على نسبة محددة في السلطة، إصرار لا يُفهم إلا في ضوء هذا الإرث المتراكم من انعدام الاعتراف. كما لا يمكن عزل الصراع بين جناحي قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية والمجلس المركزي – عن تلك الدوافع النفسية العميقة.(++).٧. هل كانت المشكلة عنصرية فقط؟يميل الخطاب السياسي السائد إلى اختزال معضلات السودان في “العنصرية المباشرة” أو سوء النية المطلق. ورغم وجود ممارسات تمييزية واستعلاء واضح في محطات كثيرة، إلا أن هذا التفسير غير المتعمق يعجز عن تفكيك تعقيد الأزمة.كثير من الممارسات الإقصائية نتجت عن جهل النخب الحاكمة بديناميكيات علم النفس الاجتماعي، وعدم استيعابهم لكيفية تشكل إدراك الكرامة أو الإقصاء لدى المجموعات المتعددة، وكيف أن إعادة إنتاج الامتياز التاريخي تحت لافتة “المجرى الطبيعي للأمور” يُقرأ من الطرف الآخر كإعلان اضطهاد. هذه الحرب الحالية التي شملت العاصمة وعصفت بالمركز، هي الدليل المادي الصادم على فشل النخب في توقع ردود الأفعال السيكولوجية والاجتماعية لخياراتهم السياسية التراكمية.٨. الهندسة المؤسسية ودولة ما بعد الصراعالدولة الحديثة ليست كائناً ينبت تلقائياً بحسن النوايا أو الخطب الوطنية العامة، وإنما هي مشروع هندسي معقد يقوم على القوانين، وتقييد السلطة, والشفافية، وقابلية التنبؤ الإجرائي. وحين تغيب هذه العناصر، تخرج الدولة من سياق الإجماع الوطني لتتحول في نظر مواطنيها إلى “غنيمة” تخضع لاحتكار جماعة معينة ومنافسة جماعات أخرى لانتزاعها.في مجتمعات ما بعد الحروب كالسودان، يخرج الناس من أتون الصراعات وهم مثقلون بـ”ذاكرة الخوف” والتوجس المتراكم. هنا تصبح “هندسة الاستقرار” ضرورة عبر آليات انتقالية مؤقتة لطمأنة المجموعات: كالتمثيل الإقليمي، الفيدرالية الحقيقية، والتمييز الإيجابي. هذه الآليات، رغم عيوبها وخطر تحولها إلى محاصصات جامدة، تمثل “مكابح سيكولوجية” ضرورية في المراحل الانتقالية لمنع الارتداد الفوري للعنف، وخلق بيئة مستقرة تسمح بولادة هوية وطنية أرحب.٩. الشفافية كآلية لتبديد الشكوك الإدراكيةفي بيئات انعدام الثقة المزمن، لا يكفي أن تكون مؤسسات الدولة عادلة، بل يجب أن تكون العدالة نفسها قابلة للرؤية والقياس والتحقق. غياب البيانات العلنية، ومعايير التوظيف الواضحة، والإحصاءات المتاحة للعامة، يترك فراغاً معرفياً هائلاً. في علم النفس، عندما يواجه العقل غياباً للمعلومات اليقينية، فإنه يعمد فوراً إلى ملء الفراغات عبر استدعاء الشائعات والانطباعات والتصورات التاريخية السلبية. الشفافية هنا ليست ترفاً إدارياً، بل هي أداة لتطهير الفضاء العام من الأوهام الإدراكية والشكوك المتبادلة. وفي عصر صارت فيه الإنترنت متاحة لعدد كبير من السودانيين، لا يوجد عائق لنشر المعلومات سوى عدم رغبة المسؤولين في ذلك. ولكن ذلك يستدعي استصدار قوانين واضحة تجبر كل الفاعلين على الالتزام بالشفافية وتحمل تبعات مخالفة هذه القوانين.١٠. في فلسفة الكفاءةتُطرح كلمة “الكفاءة” في سوق النقاش السياسي السوداني كشعار بديهي، بينما هي مفهوم متحول يرتبط بطبيعة الوظيفة. الكفاءة لا تعني حيازة الشهادات الأكاديمية العليا أو التخصص الضيق؛ فالوظيفة السياسية (كالوزارة) تتطلب مهارات التنسيق، والإدارة، والتفاوض السياسي، وصناعة القرار، وهي تختلف جذرياً عن الكفاءة التكنوقراطية (الفنية).إن الإصرار على شعار “حكومة كفاءات” دون تفكيك للمصطلح، يتحول عملياً إلى آلية إقصاء مبطنة لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية للمجموعات التي حظيت تاريخياً بفرص تعليم وتدريب أفضل في مؤسسات الدولة. وفي المقابل، فإن الإلغاء الكامل لشرط الكفاءة تحت لافتة الترضيات والعدالة التوزيعية يقود مباشرة إلى تدمير الكيان المؤسسي للدولة. التحدي الهندسي الحقيقي ليس المفاضلة الصفرية بين العدالة أو الكفاءة، بل تصميم نظام مرن يستوعب معايير الاثنين معاً.هنا، ليس الحديث عن مساواة مطلقة أو ميكانيكية، ولكن عن عدالة إجرائية تتضمن عدالة في الوصول إلى النخبة، وفي الإحساس بالمشاركة، وفي شفافية النظام. ولا يعني ذلك بالضرورة تساويًا حسابيًا صارمًا في كل شيء. ورغم ذلك، قد يساعد تصور نسبة محددة لعدالة التمثيل في الوصول إلى مكامن الخلل في النظم الموضوعة عند ظهور اختلال بائن في هذه النسب. عندها يمكن وضع استراتيجيات تصحيحية تحول دون بلوغ الأمر لمرحلة الأزمة.١١. مدخل للحليتطلب الحل فهماً صحيحاً لمخاوف الناس ودوافع سلوكها. ويمكن استلهام تجارب الشعوب الأخرى الشبيهة في بنيتها بالمجتمع السوداني وبناء نموذج خاص بالسودان.النموذج الماليزي جدير بالتأمل. يتكون الشعب الماليزي من قومية الملايو الأكثر عدداً والتي كانت أقل حظوة عند الاستقلال، وأقليات هندية وصينية تمتلك الثروة والتعليم والمناصب التنفيذية في الدولة. كما توجد شعوب أصيلة أخرى. بعد الاضطرابات العرقية عام ١٩٦٩، تم الاعتراف رسمياً بوجود هويات عرقية ووضعت لها أنصبة معلومة في مؤسسات الدولة كافة. ساعد ذلك في الوصول إلى الاستقرار الذي أدى إلى نهضة ماليزيا المشهودة. تتجه ماليزيا الآن للتخلي عن تلك السياسات.تجربة ماليزيا توضح لنا أن التعامل مع الإثنيات المختلفة والمتحاربة داخل المجتمع قد يفيد الاعتراف بها ووضع أسس واضحة تحفظ للجميع حقوقهم بنسب متفق عليها، ومتى ما جاء جيل تجاوز مشاعر الماضي السلبية، يمكن التخلص من تلك السياسات. ويجب الانتباه إلى أن تجربة ماليزيا نفسها واجهت انتقادات موضوعية لا يجب إغفالها.أما رواندا فقد اتخذت سياسات مختلفة تماماً عن السياسات الماليزية. بعد الحرب الأهلية التي أدت إلى أكبر إبادة جماعية ضد التوتسي في العصر الحديث (١٩٩٤م)، اتخذت رواندا سياسة تجريم الانتماء القبلي. يعني ذلك حرفياً إزالة أي إشارة للقبيلة في السجلات الرسمية والأوراق الثبوتية. ويُعد تصريح أحد المواطنين بانتمائه لقبيلة ما جريمة لها عقوبة صارمة. وقامت حملات قومية كبيرة تنادي بالانتماء لرواندا وليس للقبيلة. وقد نجحت هذه السياسة في استقرار المجتمع ظاهرياً على الأقل، إذ يرى بعض النقاد أن استقرار رواندا ما زال مرتبطاً بمركزية السلطة وقوة الدولة الأمنية، مما يجعل تقييم استدامة النموذج على المدى الطويل قضية مفتوحة. وهذا خلافاً لماليزيا التي تحكم ديمقراطياً ولا يُتوقع أن يؤدي تغيير القيادة فيها إلى اضطرابات كبيرة.ربما كان النموذج الماليزي – مع وضع أسس تمنع تكريس الهويات- هو الأقرب للسودان، لعدة أسباب، أهمها أن هوية المواطنين في السودان ليست فقط في أوراقهم الثبوتية، ولكنها في سحناتهم وألسنتهم، مما يجعل الأساس الذي يُبنى عليه التمييز حاضراً دائماً. كما أن النموذج الرواندي فيه تحدٍ أخلاقي، لأنه يقمع حق الناس في التعبير عن ثقافاتهم وهو شيء يعتبر من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.ومهما كانت الاستراتيجية التي يتوافق الناس على اتخاذها، فإن السعي إلى تصحيح الاختلالات التاريخية يجب ألا يتحول بدوره إلى إنتاج اختلالات جديدة أو إلى سياسات انتقامية معاكسة، وإلا دخل المجتمع في دورة لا تنتهي من إعادة توزيع المظلومية بين مكوناته.١٢. الخاتمةإن طريق بناء الدولة السودانية طويل ومليء بالمطبات، لا سيما وقد شُيّد الكثير من أجزائه التاريخية على أسس غير سليمة. يتطلب السير في ذلك الطريق الإلمام الكافي بالتعقيدات التاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية، ومن ثم بناء تصميم هندسي متين لمستقبلٍ أفضل.حتى لو نجحنا في تصميم أحدث المؤسسات والقوانين، فإن المجتمع السوداني سيبقى محكوماً لفترة طويلة بالموروث النفسي الثقيل للحرب: ذاكرة الدم، الخوف، والحساسيات التاريخية. بناء الدولة لا ينتهي عند صياغة الدساتير، بل يبدأ منها لعقد ترتيبات ثقافية موازية.إن بناء الاستقرار في سودان ما بعد الحرب لن يتحقق عبر المقاربات الأمنية البحتة، ولا عبر التوسل بالشعارات الوطنية المجردة، وإنما عبر تصميم مؤسسات يشعر الإنسان السوداني من خلالها، ولأول مرة، بأنه مرئي ومحترم وشريك أصيل في ملكية هذه الدولة. فالإنسان لا يكتفي فقط باحتياجاته الأولية مثل الأكل والأمن، ولكنه يحتاج أيضًا للاعتراف بكرامته؛ ولهذا لم تكن العدالة يوماً ترفاً أخلاقياً، بل هي الأساس الأول لاستقرار الدول.لا يهدف هذا المقال إلى تقديم معالجة شاملة لكل أبعاد الأزمة السودانية، وإنما يركز على البعد النفسي والمؤسسي للعدالة بوصفه أحد المفاتيح التفسيرية المركزية.————————————————المراجع والهوامش:١. الكتاب الأسود. المؤلف مجهول، ولكن له ارتباط قوي بحركة العدل والمساواة. archive.org٢. Fostvedt, Audun (2010). Unequal Struggles: Regional Inequalities and the Sudanese Civil Conflicts – Master’s thesis, University of Oslo, Norway. (صراعات غير متكافئة: اختلال العدالة الإقليمية والصراعات الأهلية في السودان).٣. Cobham, A. (2005). Causes of Conflict in Sudan: Testing The Black Book. European Journal of Development Research, 17(3), 462–480.٤. Acemoglu, Daron, and James A. Robinson (2012). Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty. New York: Crown Business. (أسيموغلو، دارون؛ روبنسون، جيمس أ. لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر. نيويورك: كراون بزنس).$ انحياز المصلحة الذاتية/محاباة الذات (Self-Serving Bias): هو الميل النفسي لإرجاع أسباب النجاح والإنجازات إلى عوامل شخصية داخلية (مثل القدرة والجهد)، بينما تُنسب الإخفاقات والأخطاء إلى عوامل خارجية (مثل الحظ السيء أو تصرفات الآخرين) لحماية الصورة الذاتية.+ تبرير النظام (System Justification): هو ميل نفسي يدفع الأفراد إلى الدفاع عن الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشون في ظلها وتبريرها، وغالباً ما يكون ذلك كحافز لا شعوري للحفاظ على صورة إيجابية عن الذات والشعور بالأمان والاستقرار، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع مصالحهم الشخصية.++ الصراع بين جناحي قوى الحرية والتغيير (المركزي والكتلة الديمقراطية): صراع نفسي-سياسي تمحور حول ما فُسّر بأنه احتكار قوى المركز لحق التوقيع وصناعة القرار وتحديد معايير “الأهلية السياسية” لإدارة الفترة الانتقالية بعد ديسمبر ٢٠١٩. وقد أدّى هذا الإقصاء الإجرائي المتبادل إلى جرح كرامة قوى الهامش وحركات جوبا، مما دفعهم لتكوين كيان موازٍ (الكتلة الديمقراطية) بحثاً عن اعتراف رمزي وضمانات خشنة لوجودهم، وهو ما عمّق الاستقطاب الذي عصف بالبلاد لاحقاً (للمزيد، انظر مقال الكاتب: “الصور والحيرة في السياسة السودانية”، مداميك، ٢٠٢٣).————————————————* د. أيمن بشرى: طبيب استشاري في الباطنية وأمراض الدم، حاصل على درجة الدكتوراه في الطب (PhD)، وله عدد من الأوراق العلمية المحكّمة. عمل رئيساً لقسم أمراض الدم في مستشفى جامعي في النرويج. مهتم بعلم النفس والفلسفة والتاريخ. يكتب في قضايا السياسة ونظم الحكم من منظور تحليلي يستند إلى خبرته الطبية والبحثية والإدارية.The post في معنى العدالة وهندسة الاستقرار appeared first on صحيفة مداميك.