مهدي داود الخليفةفي لحظةٍ كان يُفترض فيها أن تنشغل وزارة التعليم العالي في السودان بإنقاذ الجامعات المنهارة، وحماية الطلاب من الضياع، وإيجاد حلول لأزمة التعليم التي عصفت بالبلاد بسبب الحرب، خرج وزير التعليم العالي السوداني، البروفيسور أحمد مضوي موسى، ليتباهى بأن وزارته “قدّمت أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل دفاعًا عن الوطن”، بينهم قتلى وجرحى وأسرى.هذا التصريح لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد خطاب تعبوي عابر، بل يمثل مؤشرًا خطيرًا على طبيعة التحوّل الذي أصاب مفهوم الدولة والتعليم ودور المؤسسات الأكاديمية في السودان. فحين يصبح “تقديم المقاتلين” إنجازًا تتفاخر به وزارة التعليم العالي، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي والإنساني يصبح مشروعًا: من الذي سيبقى ليبني السودان إذا تحوّل طلابه إلى وقود للحرب؟إن وظيفة الجامعات في كل دول العالم هي إنتاج المعرفة، وتخريج الكفاءات، وصناعة المستقبل، لا رفد جبهات القتال بالشباب. والوزير الذي كان ينبغي أن يشعر بالألم لفقدان طالب واحد، ظهر وكأنه يحتفل بتحويل آلاف الطلاب إلى مشروع موت جماعي تحت لافتة “معركة الكرامة”.أيّ كرامة هذه التي تُبنى على أشلاء الطلاب؟وأيّ وطن يُحمى بتدمير مستقبله العلمي والإنساني؟السودان اليوم ليس دولة فائضة في التعليم أو التنمية حتى يمكنها أن تتعامل بخفة مع فقدان ثلاثة آلاف طالب جامعي. بلد تتجاوز فيه نسبة الأمية نصف السكان، ويعاني من انهيار المدارس والجامعات ونزيف العقول والهجرة الجماعية للكفاءات، لا يحتمل خسارة هذا العدد من شبابه المتعلم.إن هؤلاء الثلاثة آلاف لم يكونوا مجرد أرقام في بيانات التعبئة العسكرية؛ بل كانوا مشاريع أطباء ومهندسين ومعلمين وصحفيين وباحثين وخبراء اقتصاد وقادة مجتمع. كانوا يمثلون رأس المال الحقيقي لبلدٍ أنهكته الحروب والانقسامات والفشل السياسي.في الدول التي تحترم الإنسان، يُنظر إلى الطالب الجامعي باعتباره استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى، لأن بناء الإنسان المتعلم أصعب بكثير من شراء السلاح. أما في السودان، فقد أصبح بعض المسؤولين يتعاملون مع الطلاب باعتبارهم “احتياطيًا بشريًا للحرب”، وهي رؤية تختزل الشباب في دور عسكري مؤقت، وتُهدر قيمتهم الحضارية والتنموية.والأخطر من ذلك أن هذه التصريحات تكشف عن محاولة متزايدة لعسكرة المجتمع السوداني، وتحويل المؤسسات المدنية إلى أدوات تعبئة سياسية وعسكرية. فالجامعات تاريخيًا كانت فضاءات للنقد والمعرفة والحوار الحر، لكنها اليوم تُدفع تدريجيًا إلى لعب أدوار تتناقض مع رسالتها الأساسية.بدل أن تتفاخر وزارة التعليم العالي بأنها أرسلت آلاف الطلاب إلى جبهات القتال، كان الأولى بها أن تعلن أنها:أطلقت مشروعًا قوميًّا لمحو الأمية؛جنّدت الطلاب لتدريس الأطفال الذين توقفت مدارسهم بسبب الحرب؛أنشأت مبادرات للدعم النفسي والاجتماعي للنازحين؛دفعت بالطلاب للمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب؛حوّلت الجامعات إلى مراكز للبحث العلمي والإغاثة والتنمية المجتمعية.كان يمكن للطلاب أن يكونوا جيشًا للحياة لا جيشًا للموت.لقد أثبتت تجارب الأمم أن الحروب لا تُربح فقط بالبندقية، بل بالعقل والمعرفة والتنمية. والدول التي نهضت بعد الكوارث الكبرى لم تفعل ذلك عبر عسكرة الجامعات، بل عبر حماية التعليم والاستثمار في الإنسان. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم تحتفل أوروبا بعدد طلابها الذين قُتلوا، بل انشغلت بإعادة بناء الجامعات والمختبرات ومراكز البحث، لأنها أدركت أن مستقبل الأمم يُصنع في قاعات الدراسة لا في الخنادق.إن الخطاب الذي يربط الوطنية بحمل السلاح فقط هو خطاب خطير، لأنه يختزل مفهوم الوطن في الحرب، ويُقصي أدوارًا أخرى أكثر أهمية واستدامة. فالمعلم الذي يحارب الجهل لا يقل وطنية عن الجندي، والطبيب الذي ينقذ الأرواح لا يقل شرفًا عن المقاتل، والمهندس الذي يعيد بناء المدن المدمرة يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن أي دور عسكري.ثم إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو:هل تم إشراك هؤلاء الطلاب بإرادتهم الحرة الكاملة؟أم أن المناخ التعبوي والضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية دفعتهم دفعًا نحو الحرب؟في ظروف الانهيار الوطني، يصبح الشباب أكثر عرضة للاستغلال باسم الوطنية والشعارات الكبرى، خصوصًا حين تغيب البدائل التعليمية والاقتصادية والحياتية. وهنا تتحول الدولة من مؤسسة لحماية الشباب إلى جهة تدفعهم نحو الموت.إن ما قاله وزير التعليم العالي لا يعكس فقط أزمة خطاب، بل أزمة رؤية كاملة لمستقبل السودان. فالدول لا تُقاس بعدد المقاتلين الذين ترسلهم الجامعات إلى الجبهات، بل بعدد العلماء الذين تخرّجهم، وعدد المدارس التي تبنيها، وعدد الأطفال الذين تنقذهم من الجهل والفقر والحرب.إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني لإعادة الاعتبار للإنسان، لا إلى مزيد من تمجيد الحرب. إن السودان بحاجة إلى إعادة تعريف البطولة، بحيث يصبح بناء المدرسة بطولة، ومعالجة المرضى بطولة، وحماية الطلاب من الموت بطولة.فإذا تحوّلت الجامعات إلى ممرات نحو ساحات القتال، فمن الذي سيبقى ليكتب مستقبل هذا الوطن المنهك؟The post حين تتحوّل الجامعات إلى ساحات تعبئة للحرب: من يحمي عقول السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.