بقلم عمر البشاريأصبح المسرح السياسي السوداني، من حيث الهشاشة، شبيهاً بأوضاع جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية خلال القرن المنصرم، في بعض وجوهها وملامحها المهمة. ومن المفارقات والصدف العجيبة أن الطريق إلى الوضع الحالي مر بمحطة “انقلاب الموز” في 25 أكتوبر 2021، وهي محطة مهمة ومفصلية قادت إلى تشكّل الصورة العامة الراهنة، التي تصبح أكثر وضوحاً للمراقب إذا “عمل زووم أوت” ونظر إلى المشهد الكلي من بعيد؛ إذ سيلاحظ أهم الخصائص التي تجمعه سياسياً مع بعض خصائص نمط جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية. وهي حالة تفارق الأحوال النمطية التي كانت تميز الساحة السياسية السودانية تاريخياً منذ الاستقلال، وفي عهود الحكم العسكري، حيث ترافق الاستبداد مع القوة النسبية للدولة. وقد مثّلت دكتاتورية البشير، في أوجها، هذا النمط إلى حد ما، كما مثّلته دكتاتورية عبود القصيرة نسبياً، غير أن النموذج المثالي له كان دكتاتورية نميري في ذروة قوتها. ففي ذلك السياق، كان الاستبداد السياسي ناتجاً عن القوة العسكرية، حيث كان الجيش:1. مؤسسة مندمجة ومتماسكة بيروقراطياً.2. خاضعاً لسيطرة القائد العام، وهو رئيس الجمهورية.3. لا توجد إلى جانبه تشكيلات عسكرية ذات وزن معتبر تشكل تهديداً جدياً له، باستثناء تمردات الجنوب المعروفة.4. خالياً من الاختراق السياسي الداخلي الواضح.5. تسيطر السلطة من خلاله على أجزاء واسعة من البلاد، بينما يقتصر وجود التمرد على الأطراف القصية أو ينعدم.6. يتشكل المشهد السياسي بإرادة رئيس الدولة أو دائرته الضيقة من الجنطة العسكرية، وأحياناً بمساعدة فنية من التكنوقراط، ويكون هو القائد العام للجيش.وفي هذه الحالة، كان الاستبداد يقترن بقوة السلطة السياسية، بينما يترافق الفساد معها كمتلازمة متماسكة عضوياً، بسبب غياب الديمقراطية والشفافية المحاسبية بوصفها عوامل جوهرية.أما النمط الحالي، في حقبة حكم الفريق البرهان، فيتميز بالآتي:-1. اندلاع الحرب في الخرطوم وأواسط البلاد، ورغم انزياحها عنها قليلاً، فإنها لا تزال على أبوابها.2. ظهور الجيش مخترقاً سياسياً من تنظيم الإخوان المسلمين، نتيجة سنوات حكمهم الطويلة للبلاد.3. عدم احتكار الجيش للعنف أو السيطرة الجغرافية، حيث يشاركه الدعم السريع وتحالف “تأسيس” السيطرة على دارفور كلها، وأجزاء واسعة من كردفان وبعض مناطق النيل الأزرق.4. مشاركة تشكيلات عسكرية متنوعة، مثل الحركات المشتركة ودرع السودان وكتائب الإسلاميين، وحديثاً المنشقين عن الدعم السريع، في امتلاك أدوات العنف، حتى داخل نطاق سيطرته الجغرافية.5. تأرجح القرار السياسي، سلماً وحرباً، بين تناقض إرادات الفاعلين السياسيين والعسكريين المتباينين.وهذا الواقع هو ما يفسر ظاهرة الاستبداد المصحوب بضعف السلطة السياسية، وتفكك النفوذ، وتآكل المشروعية. وفي كلا الحالين، سواء الاستبداد المصحوب بالضعف حالياً، أو المصحوب بالقوة السياسية سابقاً، تظل ظاهرة الفساد المالي وسوء استخدام النفوذ السياسي سمة مشتركة ومميزة. غير أن النمط الأول كان يقود في النهاية إلى ضعف وهشاشة النظام بصورة تسمح بتغييره سلمياً عبر الانتفاضات الجماهيرية التي تقودها القوى السياسية المدنية المعارضة، كما حدث في ديسمبر 2018 مع البشير، وأبريل 1985 مع نميري، وأكتوبر 1964 مع عبود. لكن اجتماع:-1. الفساد المالي.2. الطغيان السياسي.3. الضعف العسكري والعجز عن احتكار العنف.4. غياب حكم القانون.5. انعدام النزاهة والشفافية والمحاسبة وهي من أبرز السمات السياسية الجوهرية المميزة لنمط جمهوريات الموز ـ مع وجود سمات أخرى تغيب عن الحالة السودانية ـ يجعل الوضع أكثر خطورة. فقد سادت هذه الظواهر في أمريكا اللاتينية خلال أواخر القرن الماضي، حيث يضعف حكم القانون أو يغيب، وتشارك مافيا المخدرات وكارتيلات السلاح والعصابات الإجرامية الدولةَ في السلطة والنفوذ. وهذا ما تظهره بوضوح الحالة الحالية لنظام البرهان، التي باتت تشكل تهديداً لوجود الدولة نفسها، لا لنظام الحكم فقط، إذ يمكن أن يتلاشى النظام وينتج دولة فاشلة ومنهارة، تفتقر إلى أهم سمات الدولة الحديثة، بحسب تعبيرات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber، وهي السيطرة واحتكار العنف. إن أجهزة المخابرات الأجنبية ومراكز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية المتخصصة، التي تراقب المشهد وتحلله بناءً على معطيات الواقع، تنقل هذه الصورة الواضحة للنمط السياسي والأمني السوداني إلى مراكز القرار السياسي والإداري في دولها، لكي تتعامل معه بواقعية تحقق مصالحها الاستراتيجية، وتتجنب المخاطر والمحاذير التي يمكن أن تنتج عنه؛ مع ملاحظة أن حالة الضعف السياسي الحالية تجعل الدور الخارجي أكثر حسماً وأهمية في تشكيل مستقبل السودان السياسي. وإذا استمر هذا الوضع على حاله، فستتآكل مشروعيته السياسية، وسيفقد، بوتيرة متسارعة، سنده الجماهيري حتى داخل مناطق سيطرته، بسبب الفساد المالي والإداري، والجبايات غير المدروسة التي تثقل كاهل المواطن وتطرد المستثمر، مع تدني القدرة على توفير الخدمات الضرورية، وإعادة الإعمار، وتجاوز آثار الحرب، وضغوط العودة المتزايدة للنازحين واللاجئين، التي قدرتها الوكالات الأممية العاملة في المجال الإنساني بأكثر من أربعة ملايين شخص. ويضاف إلى ذلك تعارض المصالح والرغبات بين القوى المسلحة ذات التحالف الهش، التي لا يجمع بينها سوى الخوف من الدعم السريع وتحالف “تأسيس”، إلى جانب القوى السياسية المدنية.وربما ينتهي الأمر إلى صدامات بين مراكز النفوذ العسكري المتنازعة حول السلطة والمال داخل مناطق سيطرة حكومة الفريق البرهان، وهي السلطة الشرعية الممثلة لسيادة السودان وفق العرف السائد والقانون الدولي. وسيخلق ذلك واقعاً فوضوياً قد يجعل السودان مرتعاً خصباً لكارتيلات تجارة المخدرات العابرة للحدود، وعصابات تجارة السلاح وتهريب البشر، مستغلةً الضعف السياسي والفراغ الإداري والأمني.والأخطر من ذلك جماعات الإسلام السياسي المتطرف ذات العلاقة الوثيقة بالأنظمة الأيديولوجية الراديكالية، لا سيما إيران، التي يدور الصراع معها سجالاً في الخليج ومضيق هرمز. ولن تتسامح القوى العظمى والإقليمية مع وجود وكلاء لها يعبثون بأمن البحر الأحمر، وربما مضيق باب المندب، بما يهدد الرئة الثانية التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي في هذه المنطقة الحيوية جيوسياسياً، فيدخل ـ بمصطلحات الطب ـ في حالة إنعاش تعاني من قصور تنفسي حاد. ولذلك، من الممكن أن تبذل هذه الجهات الإقليمية والدولية جهوداً أكبر، وأن تتجاوز تعارض مواقفها ومصالحها ، لتجنب هذا المصير، عبر التوافق على دعم القوى السياسية المدنية. ومن ذلك اللقاء الأخير في نيروبي بين “صمود” وحزب البعث، مع حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد أحمد النور، والحركة الشعبية ـ التيار الثوري الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان، ودفعهم للتعاون مع تحالف “تأسيس” وقوات الحركة الشعبية والحركات المسلحة وقوات الدعم السريع، ومساعدتها على تأهيل نفسها كقوى عسكرية منضبطة. كما قد تسعى هذه الأطراف إلى تسوية سياسية مع ما تبقى من الجيش السوداني وتحالفه المهلهل والمتناقض، بما يخدم الداخل السوداني، ويستجيب لمخاوف ومصالح الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الشأن السوداني، لتحقيق عدة أهداف أهمها:-1. هدنة إنسانية.2. السماح بوصول إنساني آمن وسريع للمحتاجين.3. وقف إطلاق نار دائم4. إطلاق عملية سياسية تقود، بمساعدة خارجية فنية ضرورية، إلى نتيجة أولية جوهرية للحفاظ على كيان الدولة من الضياع، تتمثل في تشكيل قوات مسلحة سودانية جديدة من التشكيلات العسكرية المتنافسة المنتشرة في الساحة العامة، تكون محتكرة للعنف، ومعتزلة للسياسة والتدخلات التعسفية في الاقتصاد، وقادرة على ملء الفراغ الأمني الذي ترتسم ملامحه بصورة متزايدة في “جمهورية الموز الأفريقية” داخل مناطق سيطرة حكومة البرهان. وهذا هو المسار العام الذي تقترحه الرباعية، ويمكن ـ بل ينبغي ـ أن تمضي عليه الأحداث في الساحة السودانية، كما تعكسه هذه القراءة التحليلية، التي سعت إلى الاعتماد على ملاحظة الوقائع كما هي، بلا أمانٍ ولا إسقاطات ذاتية، ما وسعها ذلك. غير أن هذا ليس الاحتمال الوحيد؛ إذ إن تعارض المصالح الإقليمية والدولية في النظر إلى مستقبل السودان السياسي بعد الحرب قد يقود إلى احتمالات مغايرة لما ذهب إليه الاستنتاج المتفائل بالتوافق السياسي، أو المتشائم حدّ انهيار الدولة، ومن هذه الاحتمالات تقسيم السودان إلى دولتين، أو تجميد النزاع على نحو يشبه النموذج الليبي.The post نمط جمهورية الموز السودانية: الأسباب والمآلات والاحتمالات appeared first on صحيفة مداميك.