عيد الأضحى في السودان: كيف يقاوم الناس الحرب بالفرح

Wait 5 sec.

بروف: عاصم التجاني شمعونفي بلاد كثيرة، يأتي العيد بوصفه مناسبة دينية واجتماعية متكررة، تتشابه طقوسها كل عام حتى تكاد تتحول إلى عادة. لكن في السودان، لم يكن العيد يوما مجرد مناسبة عابرة في التقويم، بل كان دائما مرآة لحالة المجتمع، ومقياسًا لنبض الناس، وطريقة جماعية لإعلان أن الحياة – رغم كل شيء – ما تزال ممكنة. العيد في السودان ليس صلاةً فقط، ولا ملابس جديدة، ولا طعاما خاصا، بل هو حالة اجتماعية كاملة، حالة تعلن أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل بالمحبة، والطمأنينة، والأمان، والإحساس بأنه جزء من جماعة تحمله حين يضعف، وتفرح به حين يفرح، وتحزن معه حين يحزن.ولذلك، فإن الحديث عن العيد في السودان اليوم، في ظل الحرب والنزوح والمعسكرات والتشرد والانكسار، ليس حديثًا عن مناسبة دينية فقط، بل عن سؤال أكبر، كيف يحتفظ شعب جريح بقدرته على الفرح؟ وكيف يقاوم الناس الموت عبر تمسكهم بطقوس الحياة؟من يراقب تفاصيل العيد في السودان يدرك سريعًا أن العيد ليس حدثا فرديا، بل فعل جماعي بامتياز. فالفرحة لا تكتمل إذا بقي الجار حزينًا، ولا معنى لثوب جديد إذا كان القريب محتاجا، ولا قيمة لمائدة عامرة إذا جلس أحد أفراد الحي وحيدا. لهذا كان السودانيون، عبر تاريخهم الطويل، يصنعون العيد معًا. النساء يشاركن في إعداد الطعام وكأنهن يؤسسن لمشروع محبة جماعي، والأطفال يتحولون إلى سفراء للبهجة، والرجال يتنقلون بين البيوت وكأنهم يعيدون ترميم العلاقات الإنسانية كل عام. حتى الكلمات البسيطة التي تقال في الأعياد تحمل معنى عميقًا: العيد مبارك، سامحنا، العفو والعافية، إن شاء الله الجايات أحسن، حياك الله وابقاك.هذه ليست مجاملات لغوية فقط، بل فلسفة اجتماعية كاملة تقوم على إعادة تصفير الخصومات، وتجديد الروابط، وإعلان هدنة إنسانية مع الحياة. كان العيد في السودان يشبه احتفالًا جماعيًا بالحياة نفسها. الأسواق تضج بالحركة، والأحياء تمتلئ بالأصوات، والمخابز لا تنام، والبيوت تفتح للضيوف بلا مواعيد، والناس – رغم الفقر أحيانًا – كانوا يملكون قدرة مدهشة على صناعة البهجة من القليل.في السودان، لم يكن خروف العيد مجرد شعيرة دينية تؤدى ثم تنتهي، بل كان دائما يحمل معنى أعمق من اللحم نفسه. كان رمزا لقدرة الأسرة على العطاء، وعلامة على أن البيت – رغم التعب – ما يزال قادرا على إدخال الفرح إلى أطفاله وإكرام ضيوفه ومشاركة الآخرين. ولذلك ظل الناس، حتى في أشد سنوات الضيق الاقتصادي، يحاولون التمسك بالأضحية، لا باعتبارها مظهرا اجتماعيا، بل لأنها جزء من الإحساس بالكرامة والانتماء للعيد.فالخروف في الذاكرة السودانية ليس حيوانا يذبح فقط، بل مناسبة تتشكل حولها الحكايات والضحكات وحركة الأسواق وفرحة الأطفال. الأطفال كانوا يتعاملون معه كضيف مؤقت في البيت، يطعمونه ويلعبون حوله، ثم يتعلمون – في لحظة الذبح – معنى التضحية والتكافل وتقاسم النعمة مع الآخرين.لكن الحرب جاءت لتجعل آلاف الأسر تنظر إلى الأضحية بوصفها حلما بعيدا. هناك من فقد مصدر رزقه، ومن فقد بيته، ومن صار عاجزا حتى عن توفير الطعام الأساسي، فضلًا عن شراء خروف العيد. ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للأضحية لا تكمن في كثرة اللحم، بل في المعنى الذي تحمله. فربما تكون أعظم أضحية يقدمها الزول السوداني اليوم هي صبره نفسه، وتمسكه بأسرته، ومحاولته حماية أطفاله من الانكسار النفسي وسط هذا الخراب الكبير.في سنوات السلم، كان السودانيون يوزعون لحم الأضاحي على الجيران والفقراء. أما اليوم، فإن كثيرين صاروا يوزعون ما هو أثمن من اللحم: الطمأنينة، والمواساة، وراحة البال، والقدرة على إبقاء الأمل حيا في القلوب. في السودان، لم يكن العيد مرتبطًا بحجم المال، بل بحجم الروح.قد تكون الأسرة محدودة الدخل، لكن ريحة البخور، وصينية القهوة، ولمة الأسرة، وزيارات الأرحام، وصناعة الخبائز، وتجديد طلاء المنازل، و (العمل الشعبي المتكامل لصيانة وإعادة تنظيم داخل المنزل)، كانت تصنع إحساسا بالثراء المعنوي لا توفره الثروة أحيانًا. ولهذا كان العيد في السودان مؤسسة اجتماعية غير معلنة لإعادة إنتاج التضامن. فالفقير لا يترك وحده، واليتيم يجد من يربت على قلبه، والمريض يزار، والغائب يذكر بالدعاء، والمسافات الاجتماعية تتراجع لصالح شعور واسع بالانتماء.لكن الحرب لا تقتل البشر فقط، الحرب تهاجم المعاني أيضا. وحين اندلعت الحرب، لم تدخل إلى المدن وحدها، بل دخلت إلى تفاصيل الحياة الصغيرة: إلى الأعياد، والأفراح، والبيوت، وذاكرة الأطفال، وإلى الإحساس البسيط بالأمان. صار هناك سودانيون يستقبلون العيد في المعسكرات، وآخرون تحت أصوات الرصاص، وآخرون في مدن غريبة، أو على حدود بعيدة، أو في مدارس تحولت إلى مراكز نزوح، أو في بيوت فقدت أحباءها.هناك أطفال يلبسون العيد هذا العام لكنهم لا يعرفون أين آباؤهم. وهناك أمهات يخبزن الحلوى وقلوبهن معلقة بأبناء مفقودين. وهناك آباء يقفون عاجزين أمام رغبة صغيرة لطفل يسأل، العيد الجاي حنرجع بيتنا؟ ذلك السؤال وحده يختصر مأساة وطن كامل.كثيرون يظنون أن النزوح مجرد خروج من مكان إلى مكان، لكنه في الحقيقة اقتلاع نفسي واجتماعي وثقافي. فالإنسان لا يفقد منزله فقط، بل يفقد جزءًا من ذاكرته. يفقد الجيران الذين اعتاد زيارتهم صباح العيد، والطريق الذي كان يسلكه إلى المسجد، والحي الذي كان يعرف أسماء أطفاله، والمكان الذي يشعره بأنه ينتمي إلى العالم. لهذا يبدو العيد في معسكرات النزوح مختلفا، فالناس يحاولون تقليد الفرح، لكنهم يعرفون في داخلهم أن شيئًا عميقًا قد انكسر. ومع ذلك، فإن أكثر ما يدهش في السودانيين أنهم – حتى في أقسى الظروف – يحاولون حماية ما تبقى من إنسانيتهم. في المعسكرات، قد تتقاسم عدد من الأسر وجبة واحدة يوم العيد، لكنهم يصرون على تسميتها (لمة عيد). وقد لا يملك الطفل لعبة، لكن هناك من يحاول أن يرسم الابتسامة على وجهه بأي طريقة. وقد تبكي الأمهات ليلًا، ثم يخفين دموعهن صباحا حتى لا ينكسر الأطفال. وهنا تظهر العبقرية الأخلاقية للشعب السوداني، قدرته على إنتاج الرحمة حتى في زمن القسوة.كما إن في لحظات الحروب الطويلة، يصبح التمسك بالطقوس الإنسانية نوعا من المقاومة. حين يرتدي طفل نازح ملابس العيد، فهو لا يرتدي قماشًا فقط، بل يعلن – دون أن يدري – أن الحرب لم تنتصر بالكامل. وحين تصنع أسرة مهجرة بعض الحلوى البسيطة، فهي تقول إن الخراب لم يستطع إلغاء معنى البيت. وحين يتبادل الناس التهاني رغم الفقد، فهم يدافعون عن حقهم في البقاء بشرًا. ولهذا فإن أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل المباشر، بل تحويل الإنسان إلى كائن فاقد للمعنى. لكن السودانيين، رغم الجراح، ما يزالون يقاومون هذا السقوط الروحي عبر العيد، وعبر التماسك الاجتماعي، وعبر الإصرار على أن للحياة وجهًا آخر غير الحرب.قد يظن البعض أن السودان اليوم مجرد جغرافيا ممزقة، أو صراع سياسي وعسكري معقد، لكن الحقيقة الأعمق أن السودان ما يزال حيًا ما دام أهله يحتفظون بهذه القدرة النادرة على التراحم. فالدول لا تقاس فقط بما تملك من مباني، بل بقدرة ناسها على حماية المعنى الإنساني داخلها. وحين يقتسم النازحون الطعام في يوم العيد، وحين يزور السوداني أخاه السوداني رغم الخوف والفقر، وحين تصر الأمهات على إعداد شيء يشبه الفرح للأطفال، فإن ذلك يعني أن السودان – رغم كل الخراب – لم يفقد روحه بعد.ربما يكون أصعب ما في العيد هذا العام أن كثيرين لا يطلبون فرحا كبيرا، بل يطلبون أشياء بسيطة جدا: بيتا امنا،خبزا بلا خوف، مدينة بلا رصاص، وطريقا يعود بهم إلى حياتهم القديمة. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تحافظ على إنسانيتها وسط الكارثة، تكون أقدر من غيرها على النهوض بعدها. ولعل أعظم ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط وقف الحرب، بل استعادة المعنى، معنى الوطن، ومعنى العيش المشترك، ومعنى أن يشعر السوداني أن الآخر ليس تهديدا له، بل امتدادا لروحه.العيد الحقيقي لن يكون يوما تحدده التقويمات وحدها، بل اليوم الذي يعود فيه الناس إلى بيوتهم، وتعود المدن إلى أهلها، ويكبر الأطفال وهم يعرفون أصوات الألعاب لا أصوات الرصاص. ذلك سيكون العيد الأكبر.وكل عام والسودان بخيررغم الحرب، ورغم الفقد، ورغم المسافات التي فرقت بين الناس.نسأل الله أن يحمل هذا العيد معه سلاما يليق بالسودانيين، وفرجا لكل نازح، وأملا يعود به الوطن أكثر أمنا ومحبة وطمأنينة.عيد أضحى مبارك، والسودان سيبقى حيا بأهله وقلوبهم التي لا تعرف إلا الخيرThe post عيد الأضحى في السودان: كيف يقاوم الناس الحرب بالفرح appeared first on صحيفة مداميك.