قصة النقدة التي ازعجت السياسة

Wait 5 sec.

يوسف الغوث ..منذ عقود والغناء السوداني خصوصاً ذاك الضارب في جذور الحماسة والطرب والفرح يحمل في طياته كنوزاً من المفردات الراقية التي تمدح الوجاهة والكرم والجمال لكن المفارقة أن هذه الكنوز صارت عرضة للانتهاب ليس من لصوص التاريخ بل من لغط الأيام وسوء الفهم المتعمد ،،ففي الأفراح حيث تنبض الدلوكة بإيقاعها المثير ترتفع الأصوات بعبارات مثل عريسنا زينة أو الصفقة الصفقة أو النقْدة فوق يا ناس وهي ليست شعارات سياسية قطعاً بل هي أبيات صغيرة من ديوان الفرح السوداني،،تصف حالة الذروة بالبهجة والتفاخر الجميل ولكن ما حدث مؤخراً حين تحولت النقْدة إلى قضية رأي عام ،،يستدعي وقفة أعمق من مجرد تصحيح لفظي فعندما تقف الفنانة الكبيرة إنصاف مدني ملكة الدلوكة بلا منازع على خشبة المسرح فإنها لا تحمل هم السياسة ولا تروم التزكية لأي طرف كل ما في الأمر أنها تؤدي دورها كراوية للفرح تنقل العروس والعريس وجمهور الحفل إلى فضاء من النشوة الفنية حيث الكلمة هناك لها وزن مختلف وزن الحضارة والتاريخ والتراث ..وجاءت الواقعة المشهودة في حفل الإمارات تحب السودان حيث رددت الفنانة كلمة أثارت لغطاً واسعاً فمن قائل إنها تمجد اسماً سياسياً إلى من ينفي ذلك جازماً ..والحق أن التحقيق في الأمر يقودنا بالضرورة إلى الخروج من فخ التشابه الصوتي الضيق والدخول إلى عالم المعاني الأثيرة في الثقافة السودانيةان كلمة النقْدة ليست اسماً لرجل بل هي مفردة تراثية ضاربة في عمق المجتمع أصلها اللغوي من النقد الذي يعني تمييز الجيد من الرديء وارتبطت في الذاكرة السودانية بالذهب الخالص أو بالعملات المعدنية النفيسة التي لا يشوبها زيف و لكن الأدق والأعمق أن النقْدة في سياق الأعراس والأغاني الحماسية إنما تشير إلى ذلك التطريز الفاخر بالخيوط المعدنية الثمينة والذي يزين التوب النسائي أو الثياب الرجالية في المناسبات..لقد كانت النقْدة سيد الموقف في الوجاهة الاجتماعية فالمرأة التي ترتدي الثوب المنقود تعادل بقعة ضوء متحركة في ساحة الحفل ،،تخطف الأبصار وتستوقف الأنفاس ،،وعليه فحين تقول المطربة النقْدة فوق يا ناس فكأنما ترسم لوحة بصرية مفادها انظروا إلى هذا البهاء إلى هذا الجمال إلى هذه الفخامة التي ملأت المكان ،،إنها في القمة إنها صورة مستعارة من أبهى ما في الزينة السودانية لا علاقة لها بالذهب المصاغ للمعصم أو الجيد بل هي أعمق من ذلك فهي وصف للحالة كلها بأنها وصلت إلى ذروة السمو والرفعةهنا بالذات يجب أن نقف طويلاً وتأملاً إن محاولة تحريف كلمة النقْدة إلى اسم سياسي هو بكل أسف اجتثاث للمفردة من جذورها الحضارية ودفعها قسراً إلى مستنقع الصراعات الآنية والفنانة إنصاف مدني التي نفت ذلك بأشد العبارات بقولها (النقْدة بقت دقلو يا ضلالي) لم تكن لتجرؤ على اقحام الفن فيما لا يحسد عليه ,,فهي تعرف تمام المعرفة أن غناءها موجّه لقلوب السودانيين جميعاً لا لطرف على حساب طرف ..لقد آن الأوان لنعي أن الموروث الثقافي السوداني أمانة في أعناقنا لا يجوز تسييسه وتشويهه لمجرد أن السمع خذل صاحبه أو أن النوايا أساءت فهم الكلمة فتحويل عبارة تراثية تمدح الأناقة والوجاهة والجمال إلى شعار سياسي هو تعد صارخ على قدسية الفن والتراث.والفن الذي طالما كان ملتقى للقلوب في السودان رغم كل ما جرى ويجري لا ينبغي أن يُجرد من سلاحه الوحيد ،، فالفرح هو الذي يوحد لا المدفع الذي يفرق وإذا كان ثمة ما نتعلمه من هذه الضجة فهو أن كلمة واحدة إذا انتُزعت من سياقها الثقافي ووضعت على مشرحة التجاذبات السياسية يمكن أن تصبح قنبلة..ولكن الحقيقة الأعمق التي تنتصر في النهاية هي أن النقْدة ستبقى دوماً إحدى أروع مفردات المدح والبهجة في السودان فهي ذلك التطريز البراق على قماش الحياة وليست رمياً للاتهامات والفنانة إنصاف مدني التي أهدتنا سنوات من الطرب الأصيل تستحق منا أن ننصفها وننصف تراثنا ..وأن نترك الفن ليكون كما خلق مرآة للفرح لا صدى لأصوات الحرب فلنحفظ( النقْدة فوق )وليبق الغناء بعيداً عن غبار السياسة شامخاً كأصالة هذا البلد العريق……ودمتمThe post قصة النقدة التي ازعجت السياسة appeared first on صحيفة مداميك.