القوى الحداثية في السودان: الانقلاب مهنتي

Wait 5 sec.

د, عبد الله علي إبراهيممرت قبل أيام الذكرى الـ57 لانقلاب البكباشي جعفر محمد نميري في الـ25 من مايو (أيار) عام 1969 ليحكم البلاد إلى أبريل (نيسان) 1985 حتى اقتلعته ثورة شعبية. وهو الانقلاب الثاني على نظام ديمقراطي ليبرالي. وكان سبقه إلى الانقلاب على حكومة ديمقراطية الفريق إبراهيم عبود في الـ17 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1958 ولتذهب به أيضاً ثورة شعبية سلمية عام 1964. وأعقبه في الإطاحة بنظام ديمقراطي انقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير الذي دام فينا لثلاثة عقود من يونيو (حزيران) 1989 إلى أبريل 2019 قبل أن تسقطه ثورة الحراك الجماهيري في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018. وبالجرد انحكم السودانيون، إذا عددنا انقلاب الفريق عبدالفتاح البرهان والفريق محمد حمدان دقلو على الحكومة الانتقالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 إلى يومنا، بحكومات انقلابية لـ58 عاماً من أعوام استقلاله الـ70 منذ الاستقلال في 1956.أخطأنا تشخيص الانقلابلم يخرج خطابنا السياسي مع ذلك لتحليل الجذور السياسة والاجتماعية والاقتصادية لظاهرة الانقلاب. خلافاً لذلك تجد علمنا السياسي إما نصّب الانقلاب حكماً على الديمقراطية البرلمانية، أو صار مادة أخرى لـ”المغايظة” بين الأحزاب على وتيرة من لم يقُم بانقلاب فينا فليرمها بحجر، أو من استحسنه حتى دعا إلى شرعية القيام به بحسبان الجيش هو الطليعة التي ستأخذ الأمة في مثل عالمنا الثالث في مدارج الحداثة والتقدم.وهكذا تفرق فهم الانقلاب بين هذه وتلك، فجعله بعضهم سلطة نقض سياسية يستنقذ الأمة، متى اصطرعت الأحزاب وهرجت، ويأخذها إلى بر الأمان، وأعفى بعضهم الآخر الجيش من وزر الانقلاب بالكلية وحمله الأحزاب التي تستنفر الجيش من وراء ظهر الديمقراطية البرلمانية لفرض مشروعها على الناس بالقوة. ولم يحتج آخرون لفهم الانقلاب كسوءة حتى لأنهم دعوا إلى قيامه في مثل عالمنا الثالث الذي لم يُخلق للديمقراطية الليبرالية، أو ليس بعد.وسادت نظرية عن الانقلاب تقول إنه، على قيام الجيش به، إلا أنه مما يوعز به له الحزبيون المدنيون، وعززت هذه النظرية مصادفة أمر عبدالله خليل، رئيس الوزراء ووزير الدفاع، للجيش في نوفمبر 1958 بأخذ ناصية الدولة بيده شفقة عليها من نخر الأحزاب لها. ثم رأى الناس أحزاب اليسار تكتنف انقلاب البكباشي جعفر نميري عام 1969، كما اكتنف الإسلاميون انقلاب العميد عمر حسن البشير في 1989، فصحت عندهم حزبية الانقلاب. وعلى صحة الحقائق الحزبية أو المدنية من وراء هذه الانقلابات، إلا أن نظرية المدني من وراء الانقلاب أخلت وفاض الجيش من السياسة. وهذا إبعاد في النجعة من جيش لم تتوقف حربه في جنوب السودان وغير جنوبه، مما جعله لاعباً سياسياً بجدارة له نظر في إحسان عدته وعتاده مما ساقه للعناية بموازنة الدولة واتجاهات الرأي العام والسياسة الخارجية التي تؤمن استيراد أكثر سلاحه.ومن جهة زيغ بصرنا السياسي عن مفهوم سوي للانقلاب من جعله لجاماً مستحقاً للأحزاب متى هرجت في الديمقراطية البرلمانية. فسوغ منصور خالد في طور باكر، وفي ما اتصل بانقلاب الـ17 من نوفمبر 1958، للجيش بالانقلاب على الديمقراطية الليبرالية متى ما هرجت. فخرج ذلك الانقلاب، في قوله، عن حال اكتنفت البلاد لم تلعب فيها لا الحكومة ولا المعارضة بقوانين الممارسة الديمقراطية. فأمر رئيس الوزراء عن حزب الأمة عبدالله خليل ذو الخلفية العسكرية كما مر، الجيش بإنهاء تلك الممارسة وتولي ناصية الحكم. فخليل، في قول منصور، نشأ على تربية عسكرية لا يكره شيئاً مثل الهرج لأن السياسة عنده “رسالة لا مهنة”. ورأى في خلاف الحكومة والمعارضة الذي هو جوهر الديمقراطية، تجويفاً للديمقراطية باللعب غير النظيف الذي من شأنه أن يخلق فراغاً، والسياسة تمج الفراغ، فالانقلاب عليه إسعاف مشروع للبلد.وجاء منصور في طور آخر بحفاوة نظرية استثنائية للانقلاب، فدعا إلى شرعية الانقلاب السياسية بالفم الملآن ضمن مقالات له خلال منتصف الستينيات نشرها لاحقاً في “حوار مع الصفوة” (1979)، فحملت المقالات زهادته في الديمقراطية البرلمانية التي اقتصرت عندنا على حق الاقتراع ليصمها بأنها، بهذا الاقتصار، “سِفر تضليل”، فهي مستحيلة التطبيق في السودان “في بلاد ثلاثة أرباعها أميون يعيشون في مستوى معيشي دون المستوى الإنساني ويرسفون في أغلال سيطرة عاطفية تقليدية”. فلا تقع الديمقراطية بحسبه بالاقتراع إذا لم تكفل للناس حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية حتى “رعاية الأمومة والطفولة”، أي الديمقراطية التي سار عليها اسم “الديمقراطية الاجتماعية”. وهنا دعوة صريحة إلى دور سياسي تقدمي للجيش للتغيير الجذري للنظام القديم خلافاً للعقيدة الغربية.القوى الحداثية والحسد الانتخابيلو وقفت القوى الحداثية المدينية حيال النفس بشفافية لظاهرة الانقلاب لوجدت أنها، لا غيرها، هي حاضنة التكتيك الانقلابي. نعم، اتهم الناس حزب الأمة التقليدي بأنه من كان وراء الانقلاب الأول عام 1958. وللحزب دفع للتهمة لا يخلو من وجاهة وإن لم يسلم لأن رئيس الوزراء عنه عبدالله خليل كان من أمر بالانقلاب لا جدال. ولكن لذلك لانقلاب الذي قام به الجيش مؤسسياً عن طريق قيادته العامة، تفسير يعود به لحاضنته في القوى الحداثية لا يزال. فكانت حركة كبار الضباط، كما عرف انقلابهم، استباقاً لصغار الضباط الملهمين بالناصرية يحول دونهم والانقلاب، بل قام بعض هؤلاء الضباط الشباب عام 1957 بانقلاب عرف بـ”انقلاب كبيدة” لم ينجح. ودليلنا على أن انقلاب نوفمبر كان تداركاً من دون أن يقوم صغار الضباط بانقلابهم، استحسان الفريق إبراهيم عبود أن يتولى كبار الضباط الأمر لا صغارهم، فكبارهم عرفوا السودان بما لم يتوافر لصغارهم، فهم على إحسان الحكم فيه أقرب. وأصلح تحليل لانقلاب الفريق البرهان ومحمد حمدان دقلو على الحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021 الذي قامت به مؤسسة القوات المسلحة الرسمية كمثل انقلاب عبود، في سياق تدابير الثورة المضادة من يومها الأول ضد ثورة ديسمبر 2018. فحاضنة الانقلاب عليه هي هذه القوى الحداثية المدينية بغض النظر عن عنوانها السياسي. فكان انقلاب الـ25 من مايو يسارياً في منشئه، بينما كان انقلاب عام 1989 يمينياً لو صح وصف الإسلاميين بذلك. فالقوى الحديثة بغض النظر جماعة ذات وجهين حيال الديمقراطية. فالديمقراطية هي النظام المثالي لها كطبقة مدينية حديثة، غير أنها في الوقت نفسه النظام الذي تجد حظها في التمثيل البرلماني والحكومي فيه مبخوساً.فلم تكف هذه القوى عن النضال غير المهادن لاسترداد النظام الديمقراطي من فك نظام ديكتاتوري كانت جاءت به فئة منها. ولكن ما جاءت الديمقراطية الليبرالية حتى سقمت منها وسارعت بانقلاب، أو بالخروج في عمل مسلح ضدها. ورد كاتب هذا الارتجال إلى ما سماه “الحسد الانتخابي” حيال أحزاب القوى المحافظة أو الوصائية. فهذه القوى المدينية الحديثة قليلة النفر في محيط سياسي يصوّت أهله لأحزاب طبقة الإرث الإسلامية التقليدية متى نالوا حق الاقتراع العام. واستنكرت هذه الطبقة التي ملكت أدوات الدولة وانحرمت من سدتها، دائماً حظها البخيس من الحكم في النظام البرلماني على رغم أنها، بزعمها، من جرى تأهيله للمهمة.وحالت وخامة حكم هذه الأحزاب عليها دونها وتنمية ذوق لليبرالية، أي الاقتراع العام، بوصفها لها بـ”الديمقراطية الطائفية”. ويعنون أن للسيد في الطائفة والعشيرة سلطان على أصوات تابعيه. وهنا الأصل في سقم هذه الطبقة من الديمقراطية الكافلة حق الاقتراع للكافة، وتربصها بها بانقلابات هدّت بها حيل الطبقة الإرثية التي حبست دربها لجاه الحكم. واستبدلت هذه الطبقة في حكوماتها الانقلابية الديمقراطية البرلمانية كحق للاقتراع العام المعزز بالحرية بأنواع مسيخة من “مجالس شعب” أو “مجالس وطنية” على عهدي الرئيس نميري (1969-1985) والرئيس عمر البشير (1989-2019). وهي مجالس تواطأت بها على هذا الحق العام بطرق شتى احتالت بها لتنفيذ مشروعها الاشتراكي أو القومي العربي أو الإسلامي من علِ.التفاف القوى الحداثية حول حق الاقتراع للجميعوما قامت ثورة كانت مقاليدها فترتها الانتقالية بيد هذه القوى الحداثية حتى تحسبت للانتخابات العاقبة التي تعلم علم اليقين أنها ستكون للقوى الإرثية التقليدية. فتوافرت لتدارك خسارتها المنتظرة بالالتفاف على مبدأ الاقتراع العام في الديمقراطية البرلمانية.فتبنت هذه القوى، ناظرة إلى مأزقها السياسي المشاهد، ثلاثة إصلاحات تؤمن بها لنفسها تمثيلاً معتبراً في البرلمان يعوضها قلة نفرها الاقتراعية. وكانت الفترات الانتقالية الثلاث بعد عودة الديمقراطية في 1964 و1985 و2019 معرضاً لهذه الإصلاحات. فطالبت مرتين في ما بعد أكتوبر وأبريل بتطويل المرحلة الانتقالية شراء للوقت قبل الانتخابات التي عرفوا أنها، متى عُقدت، كانت عليهم لا لهم. فطمعوا بعد انتفاضة 1985 أن تطول الفترة الانتقالية لخمسة أعوام لحاجة البلد إلى إزالة آثار نظام نميري الغائرة. ولم يقبل منهم المجلس العسكري السليط ولا الأحزاب التقليدية سوى عام واحد.وكانت حيلة الحداثيين الثانية الدعوة إلى نوع ديمقراطية توافقية تعطي للمدينة وقواها الحديثة دوائر نوعية خاصة لتحجيم غلبة الريف ما قامت الانتخابات على الدوائر الجغرافية وحدها. ولهم في ذلك تنويعات لمعاظمة تمثيلهم في البرلمان الذي لن يقع بالمبدأ الليبرالي، صوت واحد للمواطن بالغ النصاب. فأذاع الحزب الشيوعي في ديسمبر عام 1985 مشروعاً لإصلاح الانتخابات جعل للقوى الحديثة 110 مقاعد في برلمان منتظر من 360 مقعداً. وجعل للعمال 35 مقعداً، وللمثقفين المهنيين 15 مقعداً. واقترح حليفه التحالف النقابي الوطني الذي قاد الانتفاضة في 1985 برلماناً من 225 مقعداً جعل للعمال منها 19 مقعداً. ولم يقبل المجلس العسكري السليط والأحزاب التقليدية بأي من المشروعين، فأرادوها ليبرالية لآخر حد.هز الشجرة والثمر لغيرهللحداثيين في مثل “صمود” عبارة ذائعة هي “مخاطبة الأزمة السودانية من جذورها”، فلو صدقوا وامتثلوا لنفس سياسية لوامة لما أخطأوا صورتهم في الأزمة، بل في الانقلاب الذي كدنا لا نعرف حكماً لم يتأسس عليه منذ الاستقلال. ولا يخلو ميثاق من القوى الحداثية في “صمود” وغير “صمود” من التزام بالديمقراطية التي، متى كانت ليبرالية، استغلقت عليهم مع ذلك وفاز بلذاتها خصومهم سادة الريف. وصاروا في كساد بعد كل ديمقراطية استردوها بالظفر والناب ليظفر بها غيرهم مثل من قيل فيه “هز الشجرة والتقط غيره الثمر”، فدمدم عليه بانقلاب.The post القوى الحداثية في السودان: الانقلاب مهنتي appeared first on صحيفة مداميك.