مضى على البيان الذي تلاه مولانا أحمد محمد هارون ، إنابةً عن إخوانه من قادة المؤتمر الوطني ، قبيل مغادرتهم سجن كوبر ، بعد أربع سنوات من الاحتجاز غير القانوني ، زمنٌ ليس بالقصير . وقد أوضح البيان أسباب مغادرتهم السجن وفي مقدمتها خشية المحتجزين على حياتهم ، في ظل عدم توفر الأمن والحماية والخدمات الأساسية ، واستعرض فيه مولانا بلغة قانونية وسياسية رفيعة المسوغات التي استندوا إليها في اتخاذ تلك الخطوة .ومنذ خروجه ذاك ظل الرجل متوارياً عن الأنظار لعدة سنوات، لدواعٍ أمنية فرضتها ظروف الحرب ، بينما كان يقود جهود الاستنفار وسط عضوية حزبه للمشاركة جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة في معركة الكرامة . ولم يكن يظهر إعلامياً إلا من خلال بيانات مكتوبة ، أو رسائل صوتية مسجلة يتم بثها في مناسبات مختلفة .أما ظهوره الأخير عبر إحدى منصات البودكاست ، فقد جاء في تقديري خياراً موفقاً ومناسباً لهذه المرحلة ، وربما كان بمثابة بالون اختبار أو «جس نبض» ، تمهيداً لظهور أوسع وأكثر حضوراً . لكنه في الوقت ذاته ، شكّل فرصة مهمة للإجابة عن جملة من الأسئلة التي ظلت معلقة وحائرة منذ سقوط الإنقاذ بانقلاب اللجنة الأمنية في الحادي عشر من أبريل 2019 .وقد اتسمت إجابات مولانا بالوضوح والصراحة والمباشرة ، وهي أمور تتسق مع شخصيته وتحسب له وتستحق التقدير .وأذكر أنني قبل نحو عام ونصف العام أجريت استطلاعاً وسط عينة مختارة من قيادات الحزب وأعضائه ، حول التوقيت المناسب من وجهة نظرهم لعودة المؤتمر الوطني إلى الظهور العلني وممارسة نشاطه السياسي . وقد جاءت الآراء متقاربة ، وانقسمت إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية :الاتجاه الأول يرى أن الظرف أصبح مناسباً للظهور الفوري ، وعدم ترك الساحة السياسية خالية من الحضور والتأثير .والاتجاه الثاني يرى أهمية التريث والانتظار إلى حين انتهاء الحرب ، باعتبار أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تظل لمعركة الكرامة .أما الاتجاه الثالث ، فيرى أن تكون العودة من خلال اسم جديد ، وبرنامج سياسي جديد ، وقيادات جديدة ، بما يعكس مراجعة حقيقية للتجربة واستعداداً لمرحلة مختلفة .وربما أنشر نتائج ذلك الاستطلاع وتفاصيله في وقت لاحق .ولست هنا بصدد الخوض في تفاصيل الحوار الذي استمر لعدة ساعات ، وأصبح متاحاً للجميع عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي ، وإنما أريد الانتقال إلى الشطر الثاني من عنوان هذا المنشور : ثم ماذا بعد ؟وأعتقد أن هذا هو السؤال الأهم ، بل ربما يكون أكثر أهمية من الظهور نفسه فالقضية ليست مجرد العودة إلى المشهد الإعلامي أو السياسي ، وإنما ما الذي ينبغي أن يلي هذه العودة ؟ وما الذي يتعين على قيادة المؤتمر الوطني فعله في هذه المرحلة المفصلية ؟ومن وجهة نظري ، هناك جملة من الأولويات التي ينبغي أن تضعها القيادة الحالية نصب أعينها ، وقد سبق لي تناول بعضها في كتابات سابقة ، ويمكن إجمالها في النقاط التالية :أولاً : وحدة الصف وجمع الكلمة :السعي الجاد إلى توحيد الصف الداخلي ، وجمع الكلمة ، وتجاوز الخلافات والتباينات ، وتصفية الأجواء بين مختلف المكونات والقيادات ، فهذه مرحلة لا تحتمل المزيد من الانقسام ، ولا خيار أمام الجميع سوى تغليب المصلحة العامة .ثانياً : مواصلة دعم معركة الكرامة :الإستمرار في دعم القوات المسلحة والقوات المساندة لها ، حتى تتحقق الأهداف المعلنة لمعركة الكرامة ، وهي أهداف تتلاقى حولها إرادة جميع قطاعات الشعب السوداني وقواه الوطنية .ثالثاً : استكمال المراجعات وتقييم التجربة :إستكمال ما بدأ من مراجعات شاملة للتجربة السابقة ، والإعتراف بالأخطاء ومواطن القصور ، بشجاعة وموضوعية ، واستخلاص الدروس والعبر منها بما يضمن عدم تكرارها ، ويؤسس لمسيرة سياسية أكثر رشداً واستقامة .رابعاً : تجديد الفكر والخطاب السياسي :مراجعة وتجديد الفكر والخطاب السياسي ، وتطوير الوسائل والأدوات ، والانفتاح على الآخر ، والتفاعل الإيجابي مع المتغيرات السياسية والاجتماعية ، وتعزيز قيم التسامح والمصالحة والتعايش ، والعمل على استعادة الثقة وسط المجتمع السوداني .خامساً : تجديد القيادة وإفساح المجال للأجيال الجديدة :الترتيب لانتقال سلس ومنظم للقيادة إلى أجيال جديدة من الشباب ، لا سيما من أبناء الجيلين الخامس والسادس ، ومنحهم الفرصة الحقيقية للمشاركة في صناعة القرار وتحمل المسؤولية ، بما يضمن تجديد الدماء والأفكار والقيادات .سادساً : الانفتاح على العالم الخارجي :مخاطبة المجتمع الدولي ، وخاصة دول الجوار بخطاب سياسي متزن وواقعي ، يبدد المخاوف والهواجس ، ويؤكد حرص الحزب على احترام خصوصيات الدول وسيادتها وخيارات شعوبها الداخلية ، والعمل من أجل إقامة علاقات سوية ومتوازنة تقوم على الإحترام المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة .في تقديري تمثل هذه الأولويات الست إستحقاقات أساسية ينبغي أن تعكف القيادة الحالية للمؤتمر الوطني على دراستها والعمل على إنجازها ، وتحويل الظهور الإعلامي الأخير لمولانا أحمد هارون إلى بداية لمرحلة جديدة ومختلفة .ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه قيادة المؤتمر الوطني بوضوح : هل سيكون ظهور مولانا أحمد هارون مجرد حدث إعلامي عابر ، أم أنه يمثل مقدمة لخطوات عملية تعيد ترتيب البيت الداخلي ، وتؤسس لمرحلة سياسية جديدة ؟