المُسافـرون مَـعَ عَــلَـمِ السُّــودان .. عن مذكرات السَّـفير صدِّيق ابوعاقلة

Wait 5 sec.

جمال محمد إبراهيم(1)ما أصـدق أبي فراس الحمداني ، في تأسيّهِ لغـياب البدر في اللـيلة الظـلمـاء ، وإنِّي ما انتويتُ ان أبدأ بما يُحزن في أوَّل حديثي عن كتاب السَّـفـير الصَّديق صـدِّيق أبوعاقـلـة، بل هيَ من الضرورة بمكان. قناعتي هنا هي أن الظــلام المطبق الــذي يحيط بالدبلوماسية السودانية المغيبة، يستدعي بالضرورة والآن، مصباحاً كمصباح ديوجين، حتى ينزاح ذلك الظلام الدّامس . إنَّ الإضـاءة مطلوبة لدحر الظــلام، بتعـدّد تجلياته، ليس في مجال واحد، بل في مجالات مهمة مثل التعلـيم والاجتماع والاقتصاد والصحة وأيضاً مجال الدبلوماسية، الصوت الخارجي للبلاد. إنِّي لأحـسّ إحساساً عميقاً، أنّ الحال الماثل الساعة في وطن السّـودانيين ، لهـو حال المشرف على جُرفٍ هـار، وأنهُ من دون التقليل لكلِّ وجـوه الخــراب ، فإنَّ الانهيـار في السـَّــاحة الدبلوماســية السُّـودانية، لأشـــدّ وضــوحاً مـن كلِّ أشــكال الانهيارات . لك أن ترى حـولك في الأشــهر السابقات ، كـم من الدبلوماســـيين والسفراء ممن جرَّبتْ الحكومات -الأصيلة أو حكومات الأمر الواقع-_ تكلـيفـهــم بحقـيـبـة الدبلوماســية السُّــودانيــة، ومنهم مـن في الخدمة أو ممّن تقاعـد عنها. إنَّ أعدادهم من كثرتها ، لا تقارن بعــدد من كلفوا بتولي وزارات أخرى، وهو أمر يدعو للأسف بلا شك..تلك مقدمة لازمة لأحدثك يا قاريء الحصيف عن الحاجة للتدبر في التجارب السابقة والإرث الدبلوماسي الذي مثلته فئات من السفراء والدبلوماسيين ، صنعوا بعقولٍ وبأيدٍ سودانية الوزارة الوحيدة التي لم يكن للكولونيالية التي أدارت البلاد لأكثر من نصف قرن يداً في تأسيسها.(2)أصدر السَّــفير صِـدَِيق أبوعاقـلة سِـفراً عن تجــربته الدبلوماســـية، تلـك التي حَـوَتْ جولاته المهنية، منذ عهده دبلوماسـياً ناشـئاً، ثمَّ تدرَّج خبيراً دبلوماسـياً مُتمكِّناً حتى بلـغ مرتبة السَّـفير، وفي كلِّ خطاه في مسيرته الدبلوماســية ممثلاً لبلاده، لا يحـيـد نظره عن عَـلَمٍ افتراضي لهُ رمزية شــموخٍ واعـتدادٍ وهـيـبة، هو علـم السُّــودان الوطن. إنَّ المهــام المعـتادة لكلِّ دبلـوماسـي يلتحــق بوزارة الخارجية السودانية، تتوزع بين عمل داخل السودان ونســبته حــوالي الثــلـث ، وعمل خارج السودان بما يشكّل الثلـثين من كامل فترة عمله بالوزارة، حتى عــام تقاعده عن الخدمة في ديوان الوزارة.للسفير ابوعاقلة خبرات اكتسبها في العمل داخـل ديوان وزارة الخارجيــة، وفي إداراتها الفنية، كما في إداراتها السياسـية. غــير أنَّ أكثر الإدارات التي ارتبــط بهـا ارتباطـاً عضوياً، هي إدارة المكتب الوزاري التنفيذي. ذلك المكتب هو ما يشكل سـكرتارية قيادة الوزارة: وزيرها ووكيلها ثمّ مديري إداراتها العامين. هذا وإلى جانب عمله في ديوان وزارة الخارجية، فقد أتيحت للسفير صديق فرصة لتنويع خبراته الدبلوماسية حين انتدب للعمل بمفوضية اللاجئين ، وهي إدارة وطنية داخلية، لكن لها امتــدادتها الخارجية وذلك من بطبيعة ظاهرة اللجوء نفسها.أما في عمله خارج السودان، فقد تنوّعتْ تجارب السفير صديق ، قسمة غــير ضيــزى بين سفارات سـودانية خارجيـة في مناطق شِدّة، وأخرى في مناطق ناعمة نسبياً. وأقول لك إنهــا نعومــة نسبية، إذ الخدمة الدبلوماســية خارج البلاد في عمــومـها ، تنطـوي على جمـلـة تضحيات جمّة فيها عـناء ورَهَِق، لكن جـاء نفََـرٌ على عهـد ”الإنقـاذيون“،حسبوها جــائزة تمنح لاكتناز العمـلات الصعبة وللتبعّل الإضــافي ولامتــلاك البنـايات الشاهقة..!(3)لعلّ ما يعزّز قولي ما أفرَدَ صديقنا السَّــفير أبوعاقلة من صفحات طـوال في كتاب تجاربه، عن فـترة عمـله في لبنان والتي وقـفــت عندها ملـيّاً، فأنا قـد شــغـلت منصب السفير في لبــنان عام 2006، بعد فترة عمله فيها بسـنوات. غير أنَّ حـظي كان أفضل نسبياً من حظ صديقي السَّــفير أبوعاقلة ، فلم أعاني بمثل معاناة صـديقي وإن لم تبـرأ لبنان تماماً من عللـها السياســـية، لا في أينم صديقنا السَّـفير أبوعاقـلة، أو على عهـدي عام 2006، أو في العهد الماثل ، وإسرائيل تفعل أفاعيلها بلبنان.. .بعد مهمته الصعــبة في أفــريقـيـا الوسـطى، فإنّ وزارته منحتـه فرصــة مسـتحقة ليعمل في محطــة دبلوماسـية ناعــمة، فإبتعـثـته إلى بيروت عام 1975. إنْ هيَ أشهر، ثمَّ اندلعتْ الحرب الأهلية في لبنان. لم يكن للدبلوماسي صِـدِّيق ابوعـاقــلة أن يكتفـي بمهام دبلوماسية وقنصلية عــادية، كمثل معظم رصفـائه الدبلوماســيين، لكن زاد عليها مهمّـة لم تكن في حسبانه. قَدِمتْ كتيبةٌ من السُّــودان لتشـارك في قـوات الرَّدع العربيــة بموجب قرارات الجامعة العربية، للمساهمة في فكِّ الاشــتباكات بين المتقاتلين في تلك الحرب العنيفة الشعواء التي زعزعتْ لبنان . أنجز الدبلوماسي صديق أبوعاقلة مهامه الدبلوماســية – بتشـعّبِ تعقيداتها- هو ورفاقـه في السَّــفارة السُّــودانـية بقـيادة رئيســها السّـــفير، فأبلوا جميعهم البلاء المتوقّـع، والذي قــدّرته السّــلطـات اللـبـنانـيــة في تلـك الظروف القاهرة ، فكرَّمتهـم وأوســمتهم أوســمةً مستحقة. ذلك فصل هــام في تجــربة الدبلوماسي أبوعاقلة، لما انطـوتْ حكاياته عنها، من دروس بليغــة، لكلِّ دبلـوماســـي مبتدئ، عليه أن يدرك تمام الإدراك، أنَّ للمهنة الدبلوماسية مخاطــرها وتضحيـاتهـا ومعـاناتها، وأنها ليستْ كما ظنّ بعض البعيـدين عـن المهـنة، أنَّها جـائزة لحــياة رغـدة وأناقة وياقـات منشاة ، وســيارات سـوداء فارهة ترفرف عليها بيارق..!(4)تلك عبرة واحـدة من عبر كُثر، حَوَتها حكايات وذكريات السَّـفير أبوعـاقلة ، فقــد بسَطَ تجاربه الدِّبلوماسـية في فصول عديدة، ولعلِّي أحمد له، جـزالة ما كتب، لكونه كان من الفـئة القليلة من الدبلوماسيين الذين عكفوا على الاحتفاظ بدفـاتـر يدوِّنون فيهـا ما يَّعنَّ لهم من ملاحظات، وتلــك خصلة يفوت على الكثيرين الالتفات لها . إنَّ ما يـدوّنه الدبلوماسـي من ملاحظات خلال ممارسة عمله ومهامه الدبلوماسية، قد لا تبين أهميته في لحظة التدوين تلك، غير أن الأيام تدور وتليها السنوات، لتأتي لحظةٌ تكتسب فيهــا تلك المدونات أهميتها التاريخية.لأضرب لك مثلا هنا. لقد عُرفتْ برقـيةٌ ســريَّة صــدرت من ســـفـارة للســُّودان فـي الخارج، وصل فحـواها لقيادي في الحكومة القائمة في الخرطوم، فكانت ســبباً في تحديد موعد لانقلاب عسكري أطاح بتلك الحكومة. تفاصيل مثل هذه الحكاية- وللغرابة- لم ترصد في كُتُب تاريخ تلك الحقبة، ببساطة لأنَّ من مرّتْ عليه تلك البرقية لم يقف عـند أهميتها.(5)حَوَتْ تجارب السَّــفير أبوعـاقـلة دروساً عديدة ، وفي تقديري هيَ ممّا يفيد منها بالتأكيد ناشئة السلك الدبلوماسي، خاصَّة وقد تلاحظ عن وزارة الدبلوماسية في العقود المتأخــرة، تجـاوز الاهتمـام بصقل المقدرات المطلوبة، وتوفير فرص التدريب الممنهج للدبلوماســـيين، خاصّة في جــانب اللغات الأجنبية، واللســان هو أهم مـلكـة يحتاجــها الدبلوماسي. وإني لأجزع حين أرى تدنِّـي مستوى أداء الكثير من الدبلوماســيين ، ولا أجد تفسـيراً لذلـك، إلّا في ركون الدبلوماســية خلال حـقـبـة حُـكـم ”الإنقــاذ “ للـولاء المطلق للحزب الأوحـد الـذي ظلّ مسيطراً على إدارة البـــلاد لأكثر من ثلاثيــن عاما، متعمداً ارتهان الدبلوماسية السودانية لإرادته، وبالتالي على قرارات البلاد السياسيةخلال تلك الفترة. وما أكثر ما نصح كبارُ ســفرائنا ودبلوماسيينا بضــرورة التقصّـي والسعي للاطلاع على تجارب الآخرين ممن سبقونا، ليسَ في الكتب الأكاديمية فحسب ، بل أيضاً في القصص والروايات، ففـيهـا عـبر ودروس يفـيـد منها الدبلوماســـي أيَّمـا فـائـدة. وذكرنا بذلـك كبير الدبلوماســـية السودانية وأحد كبار مؤسسيها الرّاحل جمــال محمد أحمد في كتابٍ صغير الحجم حوى حكمـاً دبلوماســية عـنوانه: ”في الدبلوماسـية السودانية“.(6)كتاب تجارب السَّفير أبوعاقلة : ”رحلـتي معَ العَـلَـم“ ، وما حَـوَى من تجــارب وجولات دبلوماسية من بانقــي في أفريقـيا الوســـطى ، ومن الامــارات إلى لبــنــان ، والجـزائر والمغرب، هو مرجع جامع لكلِّ دبلوماســي مهــني، بل ولكـلِّ راغــب فــي التعرّف على عالم صار في عصر المعلوماتية والخــوارزميات والذكــاء الاصطناعي، إلى تغـيّر وتحـوّل بوتيرات عالية. إنّي لأرفع في خاتمــة حــديثي، تهنــئةً مُسـتحقة ومضاعفة لصديقنا السَّـفير أبوعاقلة، ولكنِّي أهمس إليه أني افتقــدت تجربة أعـرفـهـا عنه، وهي تجربته في عمل دبلوماسي من نوع خاص بمنظمة التعاون الإسلامي فهـي دون تجاربه التي حكى عنها في سفره الذي عرضنا طـرفاً منه هـنا ، لكنه لم يقــف بنا على تفاصيلـها ، وكان قد خاضهـا في طهـران لقـرابــة عــقـد كامل، أراهــا جــديـرة بالرَّصـــد، ولربَّما يفاجـؤنا أبوعاقلة بكتابٍ آخر مستقلٍ عـنها. .يبقى الأمل أن يعود السودان وطنا من جديد ، وتعود الدبلوماسية معافاة من جديد.The post المُسافـرون مَـعَ عَــلَـمِ السُّــودان .. عن مذكرات السَّـفير صدِّيق ابوعاقلة appeared first on صحيفة مداميك.