تقرير: إدريس عبداللهلم تعد نيران الحرب في السودان تقتصر على دويّ المدافع الهادرة وزخات الرصاص المتطاير في شوارع المدن المنهكة؛ بل تسللت في الشهور الأخيرة لتتحول إلى مواجهة صامتة أشد خطورة وضراوة، دارت رحاها داخل “الجيوب النقدية” للمواطنين المثقلين بالنزوح والفقر. إنها مواجهة مالية غير معلنة، باتت مهددة بتمزيق ما تبقى من الهيكل المالي والمؤسسي المشترك للدولة السودانية، وتحويل حياة الناس اليومية إلى ساحة صراع مستمر للحصول على بضع ورقات نقدية تسد الرمق.بدأت فصول هذه المأساة الاقتصادية عندما اتخذت السلطات المقيمة في بورتسودان قراراً حاسماً يقضي بسحب الفئات النقدية القديمة من ورقتي الـ (500) والـ (1000) جنيه، وإطلاق إصدارات مطبوعة جديدة عبر الجهاز المصرفي الرسمي، في خطوة تهدف أساساً إلى كبح السيولة وتجفيف الموارد المالية في المناطق الخارجة عن سيطرتها. هذا القرار لم يمر مرور الكرام؛ إذ سارعت قوات الدعم السريع وذراعها السياسي المتمثل في “تحالف السودان التأسيسي” إلى حظر التعامل تماماً بالإصدارات الجديدة في كافة مناطق نفوذها، لا سيما في إقليم دارفور الشاسع. ونتيجة لهذا العناد السياسي والمالي المتبادل، غرق الإقليم في حالة جفاف مالي غير مسبوق، أدت إلى شلل شبه كامل في الأسواق، وأربكت حياة ملايين المواطنين المعلقين بين نار الغلاء الفاحش ومرارة العيش في مراكز النزوح. وفي ذروة هذا الاختناق التجاري الحاد، فوجئ المتعاملون في بعض أسواق دارفور بظهور أوراق نقدية جديدة لم تألفها ساحات التداول من قبل؛ أوراقٌ تحمل تاريخ طباعة يعود لعام 2022 وممهورة بتوقيع المحافظ الأسبق للبنك المركزي حسين يحيى جنقول، الذي أُعيد تعيينه رئيساً لبنك موازٍ أُسّس تحت مظلة “حكومة التأسيس”. ورغم أن هذه الأوراق بدت في مظهرها مطبوعة حديثاً وذات رونق جديد، إلا أن الغموض الحالك أحاط بمصدرها الفعلي والمسارات التي سلكتها للوصول إلى الإقليم. وفي حين خرج رئيس حكومة التأسيس، محمد حسن التعايشي، ليدافع عن هذه الخطوة واصفاً إياها بأنها تأتي ضمن “ترتيبات فنية مدروسة لحماية الاقتصاد وتلبية احتياجات المواطنين”، متهماً سلطات بورتسودان باستغلال النقد كأداة حرب، كانت المؤشرات على الأرض تؤكد أن الخطوة لم تكن سوى محاولة لكسر طوق الحصار المالي وضخ دماء جديدة في خزائن سلطتهم الفارغة.لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا التقرير لـ “مداميك”: هل نجحت “حكومة التأسيس” عبر عملتها الموازية في حل أزمة الكاش الحادة في دارفور؟الواقع الميداني يروي قصة مغايرة تماماً للبروباغندا السياسية؛ ففي مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور التي تحتضن المقار التنفيذية لـ “التأسيس”، لم يلمس المواطنون أثراً حقيقياً لهذه السيولة الجديدة. وفي حديثه لـ “مداميك”، يروي أحد المواطنين (فضل حجب اسمه) بمرارة قائلاً إن ظهور العملة الجديدة لم يحل الأزمة مطلقاً لأنها لم تتدفق بالكثافة التي تسد حاجة السوق وتنهي المعاناة. ويضيف مستشهداً بواقعه اليومي أن ابنه المغترب يرسل له مليون جنيه شهرياً عبر التطبيقات البنكية، وعندما يذهب لاستلامها “كاش”، يضطر لدفع عمولة باهظة تبلغ 25% (أي 250 ألف جنيه) للوكلاء، وهو مبلغ يضيع هباءً ولا يتبقى له من الحوالة ما يكفي لشراء السلع الأساسية في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار.هذا العجز النقدي امتد شمالاً؛ حيث يؤكد التاجر مدثر محمد من ولاية شمال دارفور لـ “مداميك”، أن الحديث عن ضخ عملة نقدية جديدة يتردد في المجالس والوسائط فقط، لكنه لم يرَ هذه العملة أو تقع في يده بأسواق مدينة الفاشر حتى الآن. ويضيف أن التجار والمواطنين ما زالوا يعتمدون بشكل كلي في تعاملاتهم اليومية على تطبيق “بنكك”، وعند الرغبة في تحويل الرصيد الرقمي إلى ورق نقدي، يتم خصم عمولة لا تقل عن 20%، مما يؤكد فشل العملة الجديدة في إحداث أي خرق حقيقي للأزمة.ولم تكن الأوضاع في الجنينة بغرب دارفور بأحسن حالاً؛ فرغم تسجيل هبوط محدود جداً للأوراق النقدية الجديدة عبر بعض الوكالات المعتمدة وصرافات الرواتب، إلا أن هذه المبالغ الضئيلة تلاشت سريعاً ولم تحدث فارقاً يُذكر في أسواق تآكلت بنيتها التحتية بسبب الحرب، وتهاوت فيها قيمة الجنيه ليتجاوز سعر صرفه حاجز الـ 5000 جنيه مقابل الدولار الواحد.وفي زالنجي بوسط دارفور، يكشف التاجر محمد آدم (اسم مستعار) في حديثه لـ “مداميك” عن جانب آخر من الأزمة، حيث يوضح أن العملة الجديدة وصلت بالفعل إلى الأسواق، لكنها باتت حكراً على كبار تجار الجملة الذين يتمتعون بعلاقات مباشرة ونائفة مع قوات الدعم السريع أو القوات المتحالفة معها. هذا الاحتكار المنظم جعل شح العملة في السوق مستمراً، ليبقى المواطن العادي مجبراً على دفع عمولة تصل إلى 22% للحصول على الكاش من تطبيقات البنوك، ليقتطع من المليون جنيه حوالي 220 ألف جنيه، ما يمثل عبئاً معيشياً هائلاً يفوق قدرة الاحتمال.ذات الاحتكار والاستغلال يتردد صداه في غرب كردفان؛ إذ يشير تاجر آخر (فضل حجب اسمه) في حديثه لـ “مداميك” إلى أن العملة الجديدة متوفرة بالفعل وبكثافة، لكنها لم تُصرف كمرتبات للموظفين الحكوميين أو لعناصر قوات تحالف التأسيس، بل وُجّهت مباشرة إلى صرافات يسيطر عليها عناصر يتبعون لقوات الدعم السريع وحلفائهم، والذين يقومون بـ “بيع” الكاش للمواطنين مقابل تحويل رقمي عبر تطبيق “بنكك” بنسب خصم تتراوح بين 20% وتصل إلى 25%، في عملية استغلال واضحة لحاجة الناس للسيولة.وهكذا، وجد المواطنون أنفسهم معلقين في فضاء اقتصادي مشوه ومحاصرين بين نظامين ماليين متناحرين: عملة قديمة ترفضها بورتسودان، وعملة جديدة يحظرها الدعم السريع. هذا الانسداد التام دفع بالبلاد نحو عصر مالي جديد يمكن تسميته بعصر “التطبيقات والعمولات الجائرة”، حيث بات الشارع الدارفوري يعتمد كلياً على تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم لإتمام أبسط المعاملات اليومية، وتحول “الكاش” إلى سلعة نادرة يتاجر بها المتنفذون وتُباع بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بربع القيمة.وفي هذا السياق، يصف الناشط الاجتماعي عمر بابكر الحديث عن انتشار العملة الجديدة وضخها لحل أزمة المواطنين بأنه لا يتعدى كونه “دعاية سياسية” جوفاء لتجميل صورة السلطة الجديدة؛ مؤكداً لـ “مداميك” أن رواتب الموظفين والقوات التابعة للتحالف في دارفور صُرِفت بالدولار الأمريكي لخلو الخزائن تماماً من النقد المحلي. ويتطابق هذا المشهد مع ما تشهده مدن شرق دارفور وبقية الحواضر، حيث أجمع السكان والتجار على أن الأوراق الجديدة لم تتجاوز حد الشائعات والصور المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، بينما تظل المأساة الحقيقية في تحصيل النقد فصلاً يومياً يتجدد كل صباح مع كل مواطن يبحث عن لقمة عيشه.وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي عثمان علي محمد أن خطوة ضخ هذه الأوراق النقدية مثّلت تشخيصاً خاطئاً من الأساس لجوهر الأزمة؛ إذ إن المشكلة في مناطق سيطرة الدعم السريع لم تكن تكمن في غياب “الأوراق النقدية” كأداة شكلية، بل في فقدان الاقتصاد المحلي للغطاء الإنتاجي وتراجع القوة الشرائية للجنيه للحد الذي جعل حمل الفئات الصغيرة مكلفاً وغير عملي تجارياً.ويوضح عثمان علي محمد أن طباعة أوراق نقدية دون الحصول على اعتراف المؤسسات الدولية أو وجود احتياطي حقيقي من النقد الأجنبي، يحوّل هذه الإصدارات إلى مجرد “قطع ورقية بلا قيمة ذاتية”، مما أدى سريعاً إلى رفض التجار الكبار التعامل بها في التبادلات العابرة للحدود والتجارة الضخمة، لتبقى محصورة في نطاق ضيق للغاية. ويضيف المحلل الاقتصادي أن هذه الخطوة تسببت في عكس المراد منها؛ إذ أدت إلى تعميق مضاربات السوق الموازية وزيادة ندرة السيولة الفعلية، مما أجبر المواطنين على تحمل تكلفة إضافية تمثلت في “عمولات الكاش” الباهظة. ويخلص عثمان علي محمد إلى أن أي محاولة لفرض سيادة مالية من طرف واحد دون التعافي الاقتصادي الكلي، ستنتهي دوماً بالتسبب في مزيد من التضخم المالي وإثقال كاهل الشارع بالمزيد من الأزمات المعيشية.ويبقى السؤال الصادح اليوم في أسواق دارفور وكردفان لا يبحث عن نوع الورقة النقدية الجديدة أو توقيع المحافظ الممهور عليها، بل عن اليوم الذي تضع فيه “حرب الجيوب” هذه أوزارها، ليعود للجنيه السوداني وقاره واستقراره، وتعود للمواطن البسيط قدرته الطبيعية على شراء قوت يومه بكرامة، دون أن يدفع ربع ماله ثمناً لانقسام سياسي وعسكري لم يكن له فيه ناقة ولا جمل.The post “حرب الجيوب النقدية”: كيف غرق الجنيه السوداني في صراع السيطرة ولم يحل كاش “التأسيس” أزمة دارفور؟ appeared first on صحيفة مداميك.