السودان: المجد للبندقية وللطائرة المسيّرة

Wait 5 sec.

حمّور زيادةفي أحد خطاباته، أطلق قائد الجيش السوداني الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان، في أحد خطاباته، عبارةً تلخّص حال ما بقي من الدولة السودانية وتوضّح طريقها: “المجد للبندقية”. لم تكن العبارة معزولةً عن سياق: “لا مجد للإطارات بعد اليوم، إنّما المجد للبندقية”. وهو ردّ (تاخّر) من قائد الجيش على كلمة ألقاها قيادي سياسي مدني عقب إطاحة نظام الرئيس السابق عمر البشير حين قال: “المجد للساتك” (الإطارات بالمحكية السودانية، في إشارة إلى الإطارات التي يشعلها المتظاهرون السلميون لوقف تقدّم عربات الشرطة وتخفيف أثر الغاز المسيّل للدموع). هكذا أعلن رئيس مجلس السيادة، الانتقالي الذي انقضت مدّته وزادت صلاحياته بلا مرجعية دستورية، موت السياسة، وأنّ البندقية هي من تتكلّم، وعلى الوسائل المدنية في الاحتجاج أن تنسى ما فات.منذ أصبح البرهان رئيساً للمجلس العسكري في 12 إبريل/ نيسان 2019، وهو ينتقل من أزمة إلى أزمة، لكنّه يتمسّك بالسلطة ولا يفلتها. بدأ، مع شريكه (وحليفه) وقتها الفريق محمّد حمدان دقلو (حميدتي) مفاوضات مع القوى المدنية السياسية. ثمّ سريعاً تُنصِّل من الاتفاق، وقُتل مئات المدنيين في أماكن الاحتجاجات المختلفة. ولما هدّدت ردّة الفعل الشعبي الغاضبة السلطةَ الجديدةَ، سارعت الأخيرة وانحنت للعاصفة، وعادت إلى الاتفاق مع الأحزاب السياسية لتقاسم السلطة. لكن، تحت سمع وبصر الجميع، دعم المكوّن العسكري تنظيم حلفائه في حركات الكفاح المسلّح اعتصاماً كرنفالياً مصنوعاً تحشد له الحركة الإسلامية، ويصرف عليه قائد “الدعم السريع”. ولخنق الحكومة المدنية المتعثّرة، نُظّم اعتصام أغلق ميناء بورتسودان، الميناء الرئيس للبلاد التي اختنقت، بينما وقف المعتصمون يهتفون للبرهان وحميدتي ليقيلا الحكومة المدنية وينقلبا على الشراكة، وهو ما فعلاه في نهاية أكتوبر/ تشرين الأوّل 2021، حين تشكّل تحالف من المتضرّرين من التغيير، ضمّ المجلس العسكري، ومليشيا الدعم السريع، وحركات الكفاح المسلّح الدارفورية، والحركة الإسلامية السودانية، والحزب الحاكم سابقاً، ومن تربطهم بهم المصالح من قيادات القبائل.انهار حلف انقلاب أكتوبر (2021) في إبريل 2023. ويجعل دخول الحرب عامها الرابع نحو نصف سنوات حكم الفريق أوّل البرهان، منذ 2019، سنوات الحرب، بينما السنوات الأربع الأولى سنوات الاتفاقات والانقلابات، وحشد الحلفاء لحصار القصر الرئاسي، والاعتداء على السياسيين، وإغلاق ميناء البلاد. وقدّرت غرفة المستوردين الخسائر اليومية وقتها من هذا الإغلاق بـ65 مليون دولار يومياً. لذلك، من الغريب أن تنشط حملة ناعمة تريد إعلان الرجل رئيساً للجمهورية “لعشر سنوات”، كما تحدّد الحملة.تتحدّث لجنة تقصّي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان عن استمرار أنماط من جرائم تحمل مؤشّرات الإبادة الجماعية. وتزداد الاشتباكات في كردفان، ويحذّر مراقبون من أن يصيب مدينة الأبيّض مصير مدينة الفاشر. لكن، كما الفاشر، تؤكّد السلطة العسكرية من الخرطوم أنّ المدينة آمنة وحصينة. ويحذّر المجتمع الدولي ويهدّد ويعلن العقوبات. وتنطلق طائرات “الدعم السريع” المسيّرة لتقصف محطّات الكهرباء والمستشفيات. فلماذا يتحدّث بعضهم، وسط هذا كلّه، عن ترفيع الرجل ليكون رئيساً للجمهورية؟ لعلّ سبب ذلك ما يتردّد عن عملية سياسية تعقب هدنة الأيّام الـ90 التي طرحها الوسطاء الأميركيون، وتتزامن مع مفاوضات وقف دائم لإطلاق النار. لعلّ المبادرين بترشيح قائد الجيش يحسَبون أنّهم بذلك يفرضون واقعاً يُنهي الحالة الانتقالية التي تُغري بمنازعة الشرعية. وبإعلان الرجل رئيساً، يصبح أيّ حديث عن عملية سياسية لا بدّ أن يستصحب وضعه الرئاسي، من دون مساءلة لدور الجيش السوداني في السياسة وإدارته للسلطة.بشكل محزن، لا يبدو الخلاف بين الحليفَين القديمَين كبيراً؛ كلاهما بلا مشاريع سياسية، ويؤمنان بالبندقية. وعلاقاتهما الخارجية تبدو أكثر تأثيراً في مواقفهما من المشاورات الداخلية، وكلاهما يرى نفسه بطلاً لقومه ومحرّراً عظيماً، ويجدان من يحمل لهما أكاليل الغار.ما لم تتغيّر الأشياء بشكل درامي، فإنّ السودان يدقّ باب تقسيم إداري بحكومتَين في الخرطوم ونيالا. وهو خيار لا خير فيه، لكن من يملكون أوراق التفاوض خارجياً رأوا أنّه حسن. وكأنّ التقسيم ليس مصاباً كافياً، لكن قادة الحكومتين يعدونا بالمجد للبندقية والطائرة المسيّرة، مع وعد بالقتال مائة عام مقبلة.The post السودان: المجد للبندقية وللطائرة المسيّرة appeared first on صحيفة مداميك.