فاتورة الحرب غير المرئية.. استنزاف عقول السودان وتحديات التعافي

Wait 5 sec.

تقرير رندا عليمنذ اليوم الأول للحرب في السودان، وجد آلاف السودانيين أنفسهم أمام واقع جديد، توقفت فيه الأعمال الحكومية والخاصة، لتبدأ رحلة البحث عن خيارات بديلة لكسب العيش.ولم يقتصر هذا الواقع على الموظفين والعمال، بل امتد أيضا إلى الكوادر المهنية عالية التأهيل في مختلف التخصصات، فتحول قسم منهم الى أعمال اخرى بعيدة عن وظائفهم الأصلية، فيما ضرب القسم الآخر في أرض الله الواسعة مهاجرا بحثا عن الامن والرزق.وبينما كانت الاولوية تنصب في الاشهر الاولى للحرب على العمليات العسكرية، برزت لاحقا اسئلة ملحة حول كيفية استعادة هذه الكفاءات وتعويض الفاقد منها، وقبل ذلك تحديد حجم هذا الفقد ونسبته وتأثيره في خطط اعادة اعمار البلاد.■ البحث عن مصدر رزقلم تكن المهندسة المعمارية منال إدريس تتخيل أن يأتي يوم تجلس فيه لتعمل معلمة خصوصية، بعيدا عن مواقع التشييد ومخططات المباني التي أمضت سنوات تعمل بينها، و لكن النزوح القسري الذي فرضته الحرب و أجبرها على مغادرة السودان، غير مسار حياتها بالكامل، قصة منال ليست استثناء، فالحرب أعادت تشكيل المسارات المهنية لآلاف السودانيين في الداخل والخارج، موظفة بوزارة التربية والتعليم تحولت إلى بيع أدوات التجميل، وأستاذ جامعي سابق يعمل اليوم في مواقع البناء، فيما اضطر أطباء ومهندسون ومعلمون وموظفون إلى هجر مهنهم بحثا عن مصدر رزق يضمن البقاء لهم ولأسرهم .■ فقدان الوظائفومنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل أكثر من ثلاث سنوات، نزح ولجأ ملايين السودانيين، ليواجه كثير منهم فقدان الوظائف وانقطاع الدخل وقيود العمل في بلدان اللجوء، فأصبحت أي فرصة لكسب الرزق تتقدم على التخصص والمهنة السابقة.● النجاة بتعدد المهاراتوتتشابه تجربة المهندسة المعمارية “منى” مع قصة من” منال” في اضطرارها للبحث عن مسالك عمل جديدة بعيدة عن تخصصها، فبعد سنوات من العمل في الهندسة المعمارية، وجدت منى نفسها تتجه إلى تصميم الجرافيك، إلى جانب تدريس الطلاب، في محاولة لتأمين مصدر دخل وسط الواقع الذي فرضته الحرب.وتقول لمداميك إن التجربة أعادت تشكيل نظرتها إلى سوق العمل، إذ أدركت أن امتلاك أكثر من مهارة لم يعد خيارا، بل ضرورة تفرضها الأزمات وتقلبات الحياة، وتؤكد أن الانتقال إلى أي مجال جديد يحتاج إلى التعلم والتدريب المستمر، مشيرة إلى أنها ستعود إلى الهندسة متى ما أتيحت لها فرصة مناسبة، لكنها لن تتخلى عن تصميم الجرافيك الذي تحول مع الوقت، من بديل فرضته الظروف إلى مساحة جديدة للإبداع. رحلة إعادة بناء المساروشكل خروج الشاب “ع.ع.أ” إلى دولة الإمارات بعد اندلاع الحرب، بداية رحلة لاختبار جديد، بعد أن قضى ثمانية أشهر في البحث عن وظيفة تتناسب مع تخصصه في القطاع المصرفي، لكن غياب الخبرة المحلية ومحدودية إجادته للغة الإنجليزية آنذاك حالا دون ذلك.ومع تضاؤل الخيارات في ايجاد فرصة عمل في الامارات ، اضطر الشاب الذي فضل حجب اسمه إلى العمل في أحد المصانع، رغم تدني الأجر، باعتبار أن تأمين مصدر دخل كان أولوية لا تحتمل الانتظار، غير أنه لم يتوقف عند تلك المحطة، فاتجه إلى دراسة الصحة والسلامة المهنية، وحصل على شهادة متخصصة، مكنته من الانتقال إلى وظيفة مساعد للصحة والسلامة، قبل أن يعمل لاحقاً مشرفاً في إحدى محطات الوقود.وقال الشاب في حديثه لمداميك أن تجربة الحرب علمته أن تطوير المهارات والتمسك بالطموح أصبحا السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات وإعادة بناء المستقبل. خسارة تتجاوز الأرقامالخبير الاقتصادي كمال كرار يضع هذه التحولات في إطارها الأوسع، إذ يرى أن الحرب لم تستنزف البنية التحتية وحدها، بل استنزفت أيضاً رأس المال البشري، مع مغادرة أعداد كبيرة من الكفاءات السودانية أو اضطرارها إلى العمل في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتها.ويشير إلى أن خسارة هذه الكفاءات تعني ضياع استثمارات تراكمت عبر سنوات في التعليم والتدريب، إلى جانب تراجع الإنتاجية وجودة الخدمات وارتفاع كلفة إعادة الإعمار. ويؤكد أن استعادة الكفاءات الوطنية تمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام، لأن إعادة بناء المنشآت وحدها لا تكفي ما لم تتوافر العقول القادرة على إدارتها وتشغيلها.■ إقرار حكوميواقر وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بسلطة الامر  الواقع، معتصم احمد صالح، بفقدان البلاد عدد كبير من الكفاءات في مجالات الصحة والتعليم والهندسة والادارة وغيره، مشيرا لعدم توفر احصاءات دقيقة تحدد نسبة وعدد فقدان الكفاءات، فيما كشفت مصادر بالوزارة عن وجود أعداد كبيرة من الأساتذة والأطباء والمهندسين في مناطق النزوح وموظفي خدمة مدنية بدور الايواء.ووفق المصادر لم تستوعب كل الولايات النازحين لان الامر لم يكن بالسهل.وقال الوزير في افادة لمداميك ان المؤشرات تؤكد فقدان السودان جزء مهم من طاقاته البشرية في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والهندسة والتقانات والإدارة والصناعة والخدمات، معتبرا الامر يمثل أحد أكبر التحديات أمام التعافي وإعادة الإعمار.ولفت الوزير لعدم تتوفر إحصاءات قومية مكتملة ودقيقة تحدد حجم الكفاءات التي خرجت من سوق العمل أو انتقلت لمهن أخرى بسبب الحرب، عازيا الامر لجهة أن النزوح والهجرة في حالة تغير مستمر، كما أن كثيرا من العاملين انتقلوا إلى القطاع غير المنظم أو أعمال مؤقتة داخل السودان وخارجه.واوضح الوزير ان الدراسات الدولية تشير إلى أن الحرب ألحقت أضرارا عميقة بالاقتصاد وسوق العمل، ما يجعل الاستثمار في رأس المال البشري أولوية لا تقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية.وشدد صالح علي ان إعادة بناء الإنسان السوداني واستعادة الكفاءات الوطنية ستكون العامل الحاسم في نجاح إعادة الإعمار، لأن المشروعات لا تنفذ بالمباني وحدها بل بالعقول.The post فاتورة الحرب غير المرئية.. استنزاف عقول السودان وتحديات التعافي appeared first on صحيفة مداميك.