من أهداف “الطاقة المتوازنة”: الحفاظ على البيئة… لابد من حماية الغابات ووقف نزيف إحراقها – الصمغ العربي كنزٌ لا يجب أن يُهدر.

Wait 5 sec.

م. خيري عبدالرحمن أحمد15 يوليو 2026.أطلقت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) مبادرة تاريخية في مايو عام 2024 لمعالجة أزمة الطهي النظيف التي يفتقر إليها أكثر من 2 مليار شخص غالبيتهم من الفقراء والمعدمين، أكثر من نصفهم في إفريقيا وحدها، حيث يطبخون عادةً على نار مكشوفة ومواقد تقليدية. ولأنهم يستخدمون الفحم، والخشب، والنفايات الزراعية، وروث الحيوانات كوقود، فإنهم يستنشقون أبخرة ودخاناً ساماً وضاراً يؤدي إلى عواقب وخيمة على الصحة. وبالفعل سجلت أمراض الجهاز التنفسي الأسفل النسبة الأعلى لأسباب الوفاة في أفريقيا بعد الأيدز.ولذلك كان من ضمن اهداف المبادرة الحد من الوفيات الكثيرة وخاصة المبكرة للأطفال. أيضا هدفت الى خفض مستويات التدهور الذي يحدثه هذا الإستخدام لوسائل الطهي في البيئة. كما أن هذا الوضع البائس يكاد يضرب بعرض الحائط كل الجهود التي تبذل في التطور الطاقي البيئي بالتوسع الكبير في الطاقات المتجددة وتخفيض الإنبعاثات الكربونية.ونجحت المبادرة في حشد 2.2 مليار دولار أمريكي مع إنطلاقها كالتزامات مالية أولية خلال القمة، لتساعد في دعم الحقوق الأساسية مثل الصحة، والمساواة بين الجنسين، والتعليم، مع تقليل الانبعاثات واستعادة خضرة الغابات وتوسعها.كما وضعت المبادرة خطة لتأمين استثمارات رأسمالية سنوية تبلغ 4 مليارات دولار حتى عام 2030 لضمان الوصول الشامل للطهي النظيف وتطبيق نظام رقابة مزدوج لضمان الاستدامة.https://www.iea.org/news/landmark-summit-mobilises-22-billion-to-make-2024-a-turning-point-for-clean-cooking-access-in-africa?utm_campaign=IEA+newsletters&utm_medium=Email&utm_source=SendGridوتتواصل المبادرة عالمياً وإقليمياً، ليشهد عام 2026 تحولاً مهماً مع انتقال مبادرة Clean Cooking Alliance إلى إطار حكومي دولي داخل الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، وهو ما يفتح نافذة تمويل غير مسبوقة للعديد من الدول وخاصة تلك الخارجة من النزاعات، من الممكن أن يكون السودان من ضمنها. وتثبت قصص النجاح من مناطق أخرى أن التقدم السريع والتحويلي في مجال الطهي النظيف أمر ممكن التحقيق. وهناك حاجة الآن إلى مناهج مبتكرة مماثلة في جميع البلدان الإفريقية. وسلط جميع القادة في القمة الضوء على أن الوقت قد حان الآن لإظهار المساعي الجادة من خلال حل هذه المشكلة مرة واحدة وإلى الأبد. وفي القمة، أيدت أكثر من 100 دولة ومؤسسة دولية وشركة ومنظمة مجتمع مدني “إعلان الطهي النظيف”، متعهدة بجعل هذه القضية أولوية للوصول الشامل لجميع المحتاجين.ومن هنا ينطلق هذا المقال ليقترح أن يكون البرنامج القومي للطهي النظيف من ضمن أوائل البرامج الوطنية في قطاع الطاقة في السودان، ويبدأ مباشرة مع وقف إطلاق النار، باعتباره استثماراً في الإنسان قبل كل شيء، ثم الاقتصاد والبيئة في آن واحد، وليس مجرد مشروع اجتماعي محدود.تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أقل من خمس السكان (حوالي 19% فقط) في السودان يتمتعون بإمكانية الوصول إلى وسائل طهي نظيفة، بينما يعتمد معظم السكان، خاصة في الأطراف، على الحطب والفحم النباتي والكتلة الحيوية. ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم الأمراض الناتجة عن تلوث الهواء، فضلاً عن زيادة الأعباء الاقتصادية على الأسر الفقيرة بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والتوقف عن العمل. كما يؤدي الى استنزاف الغابات ومنتجاتها ومن أهمها إنتاج الصمغ العربي.فبينما ينشغل العالم عادةً بإعادة بناء محطات الكهرباء وشبكات النقل عقب انتهاء الحروب، فإن السودان سيواجه تحدياً أكثر إلحاحاً يتمثل في إعادة بناء حياة ملايين الأسر التي ستعود إلى قراها ومدنها بعد وقف إطلاق النار. وستكون أولى احتياجات هذه الأسر هي القدرة على إعداد الطعام بصورة آمنة، واقتصادية، وصحية.فليشمل برنامج إصلاح قطاع الطاقة الطهي النظيفقد يبدو للكثيرين أنه من غير المألوف أن يشمل إصلاح قطاع الطاقة الطهي النظيف، غير أن هذا هو الخيار الأكثر واقعية بعد الحرب. فقبل بناء المحطات الكهربائية العملاقة، يحتاج المواطن إلى وسيلة آمنة لطهي غذائه، كما تحتاج الدولة إلى وقف التدهور السريع في غاباتها التي أصبحت المصدر الرئيسي للطاقة المنزلية.وهنالك الكثير مما يمكن إنجازه تحت مظلة الطهي النظيف مثل توفير تقنيات للطهي بالمواقد الشمسية وإدراج ذلك من ضمن برامج أرصدة الكربون التي بدورها يمكن أن تساعد في توفير التمويل اللازم للمزيد من البرامج الاقتصادية. كما يمكن تنفيذ مشاريع لنقل وتخزين الغاز الطبيعي لينتشر في مراكز الأطراف التي بها كثافة سكانية، مع بناء شبكات مصغرة لتوزيع الغاز من الخزانات الجديدة لتصل الى المطابخ بأنواعها الخاصة أو التجارية.أيضا يمكن تضمين برامج للتدريب والتأهيل وكذلك للتوعية وخلق مناخ صحي يهدف الى مكافحة الوسائل الضارة صحياً وفي نفس الوقت خلق فرص عمل جديدة.الغابات السودانية ليست مخزوناً للحطبلقد اعتاد كثيرون النظر إلى الغابات السودانية باعتبارها مصدراً للحطب والفحم النباتي، بينما الحقيقة أنها تمثل أحد أهم الأصول البيئية والاقتصادية للبلاد. فأشجار الهشاب والطلح ليست مجرد أشجار، وإنما مصدر رزق كبير للآلاف وهي مصانع طبيعية لإنتاج الصمغ العربي، وحواجز أمام التصحر، ومستودعات للكربون، وركائز لاستقرار المجتمعات الريفية.إن استمرار قطع هذه الأشجار لإنتاج الفحم يعني استهلاك أصل اقتصادي متجدد وتحويله الى أصل فانٍ من أجل منفعة قصيرة الأجل، في حين أن المحافظة عليها تتيح إنتاج الصمغ العربي لعقود طويلة، مع ما يصاحب ذلك من فوائد بيئية واقتصادية واجتماعية.لا يزال السودان من أهم المنتجين للصمغ العربي في العالم، ويتميز بجودة إنتاج أشجار الهشاب والطلح التي تدخل في صناعات الغذاء والدواء والمشروبات ومستحضرات التجميل حول العالم.ومن المفارقة أن بعض الأشجار المنتجة لهذه المادة الإستراتيجية تتحول اليوم إلى فحم نباتي بسبب الفقر وغياب البدائل المناسبة للطهي. إن القيمة الاقتصادية للشجرة وهي حية، وما تنتجه سنوياً من صمغ، تفوق بكثير قيمتها بعد تحويلها إلى فحم. ولذلك فإن حماية الغابات ليست سياسة بيئية فحسب، بل سياسة اقتصادية واستثمارية لحماية أحد أهم موارد السودان التصديرية.برنامج وطني لعشر سنواتأستطيع بعد هذا السرد أن أقترح إطلاق البرنامج القومي للطهي النظيف (أتمنى أن يبدأ في 2027) بهدف رفع نسبة الوصول إلى وسائل الطهي النظيف إلى 80% بحلول عام 2037.ويبدأ هذا البرنامج من الأيام الأولى لوقف إطلاق النار، مع إعطاء الأولوية للأسر في مراكز النزوح والعائدة من النزوح، والمستشفيات، والمدارس، ومناطق إنتاج الصمغ العربي، ويركز على الأطراف على أن يتوسع تدريجياً ليشمل جميع الولايات، مع تشجيع التصنيع المحلي للمواقد الشمسية، واستخدام الغاز البترولي المسال، والغاز الحيوي، والحلول الكهربائية المعتمدة على الطاقة الشمسية في المناطق الريفية. إنه برنامج وطني ينطلق من الميثاق الوطني للطاقة ويحقق أهداف الطاقة المتوازنة وهو يركز على الأطراف ويحقق النماء للشرائح المجتمعية الضعيفة.التمويل متاح إذا أحسن السودان الاستعدادلم يعد تمويل الطهي النظيف فكرة نظرية، فقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة عن مرحلة جديدة للتعاون الدولي في هذا القطاع، مدعومة بالتزامات مالية تجاوزت عدة مليارات من الدولارات. كما يملك البنك الدولي، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة، والبنك الأفريقي للتنمية، وصناديق المناخ، أدوات تمويل يمكن توظيفها لدعم هذا البرنامج إذا أُعد وفق معايير فنية واقتصادية واضحة.ويمثل السودان أحد أكثر البلدان استحقاقاً لهذا النوع من الدعم، لما يجمعه من احتياجات إنسانية عاجلة، وفرص كبيرة لحماية الغابات، واستعادة الإنتاج الزراعي، وزيادة صادرات الصمغ العربي.لذلك توصيتي هي أن يتم إعتماد البرنامج القومي للطهي النظيف من ضمن برنامج الطوارئ الوطني منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، وأن يكون تمويله جزءً أصيلاً في برامج المجتمع الدولي الذي يساعد السودان في فرض السلام مثله مثل البرامج الخاصة بالعون الإنساني، وفي نفس الوقت أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً اقتصادياً لحماية الثروة الغابية وتعظيم عائدات الصمغ العربي، وليس مجرد مشروع لتوزيع المواقد الشمسية والنظيفة.كما أوصي بإنشاء شراكة وطنية تضم كافة أطراف المصلحة من وزارات الطاقة والزراعة والمالية والصحة والبيئة، إلى جانب القطاع الخاص والجهات الدولية، لإعداد خطة تنفيذية لذلك البرنامج الوطني تمتد لعشر سنوات، تستهدف الوصول إلى 80% من الأسر بحلول عام 2037، مع وضع نظام لقياس الأثر الإيجابي متمثلاً في انخفاض استهلاك الحطب، وحماية الغابات، وزيادة إنتاج الصمغ العربي، وتحسين المؤشرات الصحية، وخفض انبعاثات الكربون.وأختم بأن إعادة إعمار السودان لا تبدأ من الخرسانة والحديد وحدهما، بل تبدأ من حماية الموارد التي منحها الله لهذا البلد. والغابات السودانية ليست وقوداً للفقر، وإنما رأس مال وطني متجدد. وكل شجرة هشاب تُترك لتنمو وتنتج الصمغ العربي تمثل استثماراً للأجيال القادمة، بينما كل شجرة تُحرق تتحول إلى خسارة اقتصادية وبيئية يصعب تعويضها.ولهذا، فإن البرنامج القومي للطهي النظيف ليس مشروعاً إضافياً للطاقة فقط، بل مشروع لإعادة بناء الاقتصاد، وحماية البيئة، وتعزيز الأمن الغذائي، وصيانة أحد أهم الكنوز الطبيعية التي يمتلكها السودان.المهندس: خيري عبدالرحمن أحمدThe post من أهداف “الطاقة المتوازنة”: الحفاظ على البيئة… لابد من حماية الغابات ووقف نزيف إحراقها – الصمغ العربي كنزٌ لا يجب أن يُهدر. appeared first on صحيفة مداميك.