حوار | يوسف النعمةكيف يؤثر تسميم العلاقات الشعبية على مستقبل التعاون بين مصر والسودان؟ وما مسؤولية النخب والمؤسسات في تحصين الوعي العام من حملات التضليل؟ في هذا الجزء، تتناول الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتورة أماني الطويل مع “مداميك”، انعكاسات الحرب السودانية وخطاب الكراهية على فرص التكامل بين البلدين، وتناقش أوجه القصور في أداء المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. يعاني البلدان من أزمات اقتصادية، وكان يُنظر للتكامل الاقتصادي (الزراعي والحيواني والربط الكهربائي) كطوق نجاة.. هل إفساد العلاقات الشعبية هو خطة ممنهجة لتعطيل أي أفق لتكامل اقتصادي حقيقي قد يجعل من الدولتين قوة إقليمية مستقلة بقرارها؟ طبعا هذه خطة ممنهجة، ولها أدواتها الحديثة، وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، وهدفها النهائي هو توتير العلاقات المصرية السودانية، وأحداث شروخ في هذه العلاقات، وخلق مشكلات في الإدراك بين الشعبين.كل هذه المعطيات هي آليات يتم التعامل معها حتى تتم عرقلة أي مشروع للتعاون أيا كان عنوان هذه الشراكة، إن كانت اقتصادية، أو مشروعات ثقافية، أو تعليمية، أو استثمارات مباشرة في كافة المجالات، كل هذا يتم تعطيله عبر تسميم العلاقات المصرية السودانية.يعني مثلاً الحديث عن سودانيين داسوا على العلم المصري، أنا أسأل نفسي هل نحن متأكدون أنهم سودانيون؟ ومثلاً المرأة التي بثت فيديوهات ضد السودانيات ووصفتهم أوصاف سيئة. هل نحن متأكدون أن هذا يمثل اتجاهاً شعبياً، أم محاولة لبناء اتجاه شعبي؟هذه الأشياء كلها أنظر لها على إنها مُعطلة للمشروعات، وقبل ذلك تعطيل للإدراك الإيجابي بين الشعبين. صحيح إن الحرب السودانية ووجود عدد ضخم من السودانيين في مصر، ساهم بشكل كبير في إن تنخفض هذه الحالة في الوزن. لكن أيضا لا ننسى إن تقنين أوضاع اللجوء في مصر، ساهم في أن يتم استثمارها مرة أخرى من جانب أطراف عديدة، خاصة الأطراف الإقليمية في تأجيج أو خلق حساسيات بين الشعبين. يُشكل السودان العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر، وتُشكل مصر السند التاريخي للسودان. كيف يؤثر تسميم العلاقات بين الشعبين على التنسيق المشترك في ملفات مصيرية مثل “سد النهضة” أو أمن البحر الأحمر؟ وهل المستفيد هنا هو نفسه الطرف المستفيد من إضعاف الموقف التفاوضي للبلدين؟ نستطيع القول إن كلا البلدين وموقعهم الجيوسياسي وجيرتهم الحدودية المباشرة الحدودية تشكّل معطيات لفرص. مثل زيادة الوزن الإقليمي لهما معا، مشتركين ومنفصلين. كالفرص في التأثير على معادلات الأمن في البحر الأحمر. وكذلك في منطقة حوض النيل. ومعطيات لفرص في التأثير على الأوزان الإقليمية في إطار الأفريقي، سواء في الإطار الرسمي مثل الاتحاد الأفريقي، أو حتى منظمة السوق الأفريقية المشتركة، و”الإيغاد”، و”الكوميسا”، كل هذا في حالة التعاون سوف يمنح أوزان وفرص للبلدين مجتمعين أو منفصلين.طبعا تقطيع العلاقات بين البلدين، وعدم توافق نظم الحكم بين البلدين على المستوى السياسي والاستراتيجي، هذه مسألة لابد أن ننتبه لها، تحالفات البلدين في حالة تناقضهم – وأعني التحالفات الإقليمية لكل بلد – في حال تناقضها مع مصالح البلد الأخر، كل هذا تمثل تداعياته أولاً في التأثير على العلاقات الثنائية، وثانياً التقزيم للفرص السابق شرحها في كل الملفات والقضايا الإقليمية. وثالثاً تقزيم لقدرات للدولتين، منفصلتين أو مجتمعتين. كيف ترين تقصير “النخب الثقافية والأكاديمية” في البلدين، وتراجع مراكز الأبحاث والمنابر الثقافية التي تركت الساحة الإرشادية لـ “المؤثرين” وصناع المحتوى المُفسد ليوجّهوا بوصلة العلاقات الشعبية؟ في الحقيقة أرى أن المجهودات فردية وغير مؤسسية، وطبقاً لتوجهات الأشخاص، ووزنها أعلى بكتير في مصر من في السودان، لأن النخب السودانية تتحفظ أو تتعامل مع مصر بحذر، وطبعا هناك قطاع من النخب معادي لمصر، عطفا على فقدان الثقة بين قطاعات من المكوّن المدني ومصر. وهناك قطاع حذر جداً نتيجة أن المجال السوداني العام قد يكون أحيانًا مسمّماً، وبالتالي مواجهة هذا المجال يحتاج إلى شجاعة ربما تكون مفقودة.شيء آخر أن المشكلة السودانية في حد ذاتها هي مشكلة معقدة ومتشعبة، وبالتالي هي تحوز على اهتمام النخب الثقافية السودانية أكتر من أي من الملفات الأخرى، وأنا أتفهّم ذلك نسبة لوجود تهديد البلد وكذا. فيكون التركيز على المشكلة نفسها، وليس على الاهتمام بأطراف إقليمية.وطبعا لابد أن نعترف، إن حجم المتابعة من النخب أو حتى من الناس العاديين لمصر عالي في السودان، والعكس بالعكس، نتيجة إن السودان تاريخيا بلد أزمات. وهذا يجعل فهمها يحتاج إلى مجهود، وربما لا يملك الجميع القدرة على بذل هذا المجهود، ولا توجد مساحة للوقت عليه، خاصة في عصر تدفق المعلومات الذي نحن فيه حالياً. فبالتالي يحدث تقصير. وكذلك ربما لا توجد جهات داعمة لتنقية الإدراك بين البلدين.نحن دائماً نتعامل بمنطق (اللقطة) بأخذ (الصورة واللقطة) وتحدث عن العلاقات التاريخية والإزالية، لكن لا توجد خطط ومناهج مؤسسة لاهتمام وتفاعل وإنتاج تفاهمات مشتركة.على المستوى الثقافي والفني هناك محاولات محدودة جداً، وغالبا من جانب مؤسسات محدودة القدرات، وبالتالي تكون محدودة التأثير، أو وقتية.هذه كلها مسائل نواجهها كمشاكل وتحديات حقيقية، ومطلوب أن نتقدم لحلها. لكن أيضا المشكلة السودانية من الأزمات السياسية إلى الحرب الراهنة، يجعل الاهتمام يركّز على فكرة وقف الحرب مثلاً، أو التعايش، أو قضايا مرتبطة بالسودان، أكتر ما هي مرتبطة بالتفاعل المشترك بين البلدين. ختاماً.. إذا كان أصحاب المصلحة في الإفساد يمتلكون أدوات قوية وسريعة (السوشيال ميديا، الشائعات، والعاطفة الشعبوية)، ما هي الاستراتيجية المقابلة التي يجب أن تتبنّاها القاهرة والخرطوم (رسمياً وشعبياً) لتحصين وعي المواطن المصري والسوداني ضد هذه الاختراقات، مع إمكانية استقرار العلاقات السودانية المصرية في ظل غياب مشروع إقليمي مشترك، أم أن العلاقة ستظل رهينة للأزمات؟ حقيقة لا توجد حتى الآن ملامح استراتيجية واضحة بين القاهرة والخرطوم في مجال بناء علاقات محصّنة. وحتى الآن ونتيجة الحرب السودانية ربما تكون معطّلة لبناء مثل هذه الاستراتيجيات.أنا ألاحظ انعقاد المؤتمرات بين رجال الأعمال المصريين والسودانيين، لكن مخرجاتها على الأرض ضعيفة. وألاحظ أن هناك محاولات لبناء إدراكات مشتركة بدعم من السفارة السودانية بالقاهرة أحياناً، لكن تبقى الأدوات قاصرة، وكذلك الفهم، وفي إطار تيارات سياسية معينة.على المستوى المصري تبدو الأدوات غير الرسمية، ليست فعالة، سواء على المستوى الثقافي، الفني، الحزبي، البحثي، والجامعي، ما يعني أن كل هذه الأدوات على الجانب المصري معطّلة.وبالتالي البيئة ما زالت غير دافعة لإنتاج هذا التفاهم الاستراتيجي المنعكس على العلاقات الشعبية، لكن ربما يكون هناك تواصل طبعاً في شأن مشروعات مشتركة، تفاهمات في إطار محدد، لكن لا نستطيع القول إن هذا كلام لا استراتيجي ولا شامل. هذا كلام جزئي ومؤقت ومرتبط بالظروف الراهنة.The post الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات، د. أماني الطويل لـ”مداميك”: لا توجد حتى الآن استراتيجية واضحة بين القاهرة والخرطوم لبناء علاقات محصنة على جزئين – (الجزء 2) appeared first on صحيفة مداميك.