هل تحولت الحرب في السودان من صراع عسكري إلى صراع قبلي؟

Wait 5 sec.

عبد المجيد قرشيمنذ الأيام الأولى للحرب، كان كثير من السودانيين يحذرون من أن استمرار القتال لن يقتصر أثره على تدمير البنية التحتية، أو تعطيل الاقتصاد، أو تشريد الملايين، بل سيمتد إلى ما هو أخطر من ذلك كله: تفكك العقد الاجتماعي الذي ظل، رغم كل الأزمات السياسية، يحافظ على الحد الأدنى من التعايش بين مكونات المجتمع السوداني.في ذلك الوقت، رأى البعض أن هذه التحذيرات مبالغ فيها، وأن الصراع سيظل محصورًا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. لكن مع مرور الوقت، بدأت الحرب تتغير في طبيعتها، واتسعت رقعتها، وتداخلت فيها الحسابات السياسية والجهوية والقبلية، حتى أصبح من المشروع أن نتساءل: هل ما زال السودان يعيش حربًا بين جيش ودعم سريع، أم أننا دخلنا مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة؟لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بنعم أو لا بصورة مطلقة، لأن طبيعة الصراع تختلف من منطقة إلى أخرى. لكن من الواضح أن هناك مؤشرات مقلقة تدل على أن الانقسامات القبلية أصبحت أكثر حضورًا في بعض المناطق، وأن استمرار الحرب يغذي هذه الانقسامات بصورة متزايدة.لقد بدأنا نشاهد على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض الخطابات العامة، دعوات تستهدف مجموعات سكانية بسبب انتمائها القبلي، وليس بسبب أفعال أفراد بعينهم. وظهرت دعوات لإبعاد بعض أبناء قبيلة الزغاوة من مدينة الدبة ومن بعض مدن شمال السودان، وهي دعوات تعكس مستوى خطيرًا من الاستقطاب الاجتماعي. كما شهدت مناطق أخرى توترات بين مجتمعات محلية بسبب الشكوك المتبادلة، أو الاتهامات بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك.وفي المقابل، فإن المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع لم تكن بمنأى عن هذه الظاهرة، إذ شهدت بعض المناطق نزاعات بين قبائل ومجموعات محلية على النفوذ والموارد أو بسبب تداعيات الحرب. وهذا يؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت تمس العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية نفسها.إن أخطر ما تفعله الحروب الطويلة أنها تغير طريقة نظر الناس إلى بعضهم البعض. فبدل أن يُحاسب الفرد على أفعاله، يصبح الانتماء القبلي أو الجهوي هو معيار الحكم عليه. وعندما يحدث ذلك، يصبح المدنيون أهدافًا بسبب هويتهم، لا بسبب أي دور قاموا به في الصراع. وهنا تبدأ المجتمعات في فقدان الثقة المتبادلة، ويتحول الجار إلى خصم، وزميل الدراسة إلى عدو، وشريك الوطن إلى شخص يُنظر إليه بعين الريبة.إن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الحروب بدأت بصراع سياسي أو عسكري، ثم تحولت إلى نزاعات أهلية عميقة عندما دخلت الهويات القبلية والإثنية على خط المواجهة. وعند تلك المرحلة، يصبح إنهاء الحرب العسكرية وحده غير كافٍ، لأن الجروح الاجتماعية تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تلتئم.ولا ينبغي أن يُفهم هذا الحديث على أنه اتهام لقبيلة بعينها أو تبرئة لأخرى، فالسودان يضم عشرات القبائل التي عاشت معًا لعقود طويلة، وشاركت في بناء الدولة والمجتمع. كما أن أفراد كل القبائل يختلفون في مواقفهم السياسية، ولا يجوز اختزال أي جماعة بشرية في موقف أو سلوك بعض أفرادها.ولهذا فإن من أخطر مظاهر المرحلة الحالية هو انتشار خطاب التعميم. فالجريمة مسؤولية مرتكبها، ولا يجوز أن تتحول إلى تهمة تلاحق قبيلة بأكملها. كما أن الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب، مهما كانت فظاعتها، يجب أن تُواجه بالعدالة والقانون، لا بالانتقام الجماعي أو التحريض ضد المدنيين أو الدعوة إلى تهجيرهم من مناطق سكنهم.كما تقع مسؤولية كبيرة على القيادات السياسية والإعلامية والأهلية والدينية، لأن الكلمة في أوقات الحروب قد تنقذ الأرواح أو تشعل مزيدًا من الحرائق. إن أي خطاب يحرض على الكراهية أو يبرر الإقصاء على أساس الهوية يساهم في تعميق الأزمة، ويجعل المصالحة المستقبلية أكثر صعوبة.إن وقف إطلاق النار اليوم لم يعد مجرد مطلب إنساني لإنقاذ الأرواح، ولا مجرد ضرورة اقتصادية لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية وحدة المجتمع السوداني نفسه. فكل يوم تستمر فيه الحرب يضيف طبقة جديدة من الكراهية والشكوك، ويجعل إعادة بناء الثقة أكثر تعقيدًا.لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات تستطيع إعادة بناء الجسور إذا توقفت الحروب في الوقت المناسب، لكنها قد تدخل في دوامة طويلة من الثأرات إذا تُركت الانقسامات الاجتماعية تتسع دون معالجة. ولذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع: الدولة، والقوى السياسية، والإدارات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام، والمثقفين، ورجال الدين، وكل من يمتلك منبرًا أو تأثيرًا في الرأي العام.إن السودان لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر بقدر ما يحتاج إلى انتصار فكرة الدولة على العصبية، وانتصار المواطنة على الانتماءات الضيقة، وانتصار العدالة على الانتقام.لقد حذرنا منذ بداية الحرب من أن استمرارها سيؤدي إلى تفكك العقد الاجتماعي، وأن انتقال الصراع من ساحات القتال إلى داخل المجتمع سيكون أخطر من الحرب نفسها. واليوم، ونحن نشهد تصاعد بعض مظاهر الاستقطاب القبلي، فإن هذه التحذيرات تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.ولا يزال هناك متسع لتجنب الأسوأ، لكن ذلك يتطلب وقف الحرب، وتجريم خطاب الكراهية، وحماية جميع المواطنين دون تمييز، والتمسك بمبدأ أن المسؤولية جنائية فردية لا جماعية، وأن السودان وطن يتسع لجميع أبنائه، وأن مستقبله لن يُبنى إلا بالمصالحة والعدالة وسيادة القانون، لا بالإقصاء ولا بالثأر ولا بتغليب هوية على أخرى.The post هل تحولت الحرب في السودان من صراع عسكري إلى صراع قبلي؟ appeared first on صحيفة مداميك.