حوار | يوسف النعمة بداية.. ما توصيفك للوضع الحقوقي الآن في السودان، وواقع حماية المدنيين خلال وجودهم في مناطق سيطرة الطرفين داخل البلاد، والذين في الخارج أيضاً؟ منذ بداية الحرب وحتى الآن، أكثر المهن أمانًا في السودان هي أن تكون محارباً، بينما أسوأها أن تكون مدنيًا.وهذه الحالة تنعكس تماماً في سلوك الأطراف المتحاربة، أن كانت من جانب الجيش أو الدعم السريع، وذلك عبر الاستهداف المباشر المدنيين، منذ بداية الحرب في الخرطوم وإلى اليوم، بما في ذلك مدينة الأبيض حالياً، والمدني هو المتضرر تماماً.وكذلك في المنظمة أجرينا مقابلات عديدة مع اللاجئين السودانيين في شرق تشاد وجنوب السودان وأوغندا، كشفت وضعهم السيئ للغاية، من ناحية الدعم المادي الدولي لهم، ولديهم رغبة العودة إلى أماكنهم ومدنهم وقراهم وأن يعيشوا حياة طبيعية. كيف ترصدون أعداد الضحايا والمفقودين، وأبرز المناطق التي شهدت أكبر الانتهاكات منذ اندلاع الحرب في السودان؟ بالنسبة لنا، ولمنظمات حقوقية أخرى، ظلت إحدى الإشكاليات الأساسية، في غياب المعلومات المؤكدة عن أعداد القتلى والمفقودين، وقد أثرت هذه الإشكالية بشكل كبير، في فهم المجتمع السوداني بمختلف مكوناته، والمجتمع الدولي، لحجم الكارثة التي شهدها السودان.الخرطوم، منذ الأيام الأولى للحرب شهدت انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات الدعم السريع، شملت الاختفاء القسري، والمفقودين، والعنف الجنسي، لكن المشهد تغيّر بعد استعادة القوات المسلحة السودانية السيطرة عليها.وشهدنا أيضًا انتهاكات مختلفة من الدعم السريع، شملت الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري لأفراد ومجموعات، اضطر كثير منهم إلى التعايش مع وجود الدعم السريع، كما طال الاستهداف الناشطين والعاملين في المطابخ المجتمعية (التكايا) وغرف الطوارئ. في ظل وجود روايات متضاربة حول أعداد الضحايا والانتهاكات، كيف تميّزون بين المعلومات الموثقة والموثوقة، والدعاية التي قد تنشرها أطراف النزاع أو الجهات المؤيدة لها؟ هذه واحدة من الإشكاليات أيضًا، ويعود سببها إلى التضليل الذي كان ولا يزال مستمرًا، وهو ما يدفعنا إلى ضرورة وجود جهة مستقلة ومؤهلة للمساعدة في التوثيق.وحتى اليوم ليست لدينا أرقام دقيقة عن أعداد المفقودين، ولا الآلية التي تساعد على تحديد مصيرهم، ناهيك عن المعتقلين، وفي ولاية الجزيرة على سبيل المثال، ورغم الدمار الذي لحق بالمشروع، لا تزال المعلومات محدودة حول حجم هذا الدمار، وتأثيره على المواطنين اليوم.وعندما ننظر إلى ما ارتكبته قوات الدعم السريع في الفاشر خلال حصارها 18 شهرًا، والهجوم على مخيم زمزم، وما يجري حاليًا في الأبيض، تتضح أن هناك مشكلة كبيرة جدًا في التوثيق، ولذلك ينبغي على المجتمع الدولي دعم الجهود المحلية لتوثيق الانتهاكات، وأعني تحديدًا الأمم المتحدة، إلى جانب تعاون الحكومة السودانية مع الجهات الدولية والإقليمية المستقلة، خاصة لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، ولجنة تقصي الحقائق التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.أما بشأن موثوقية المعلومات، فإن جزءًا أساسيًا من منهجية “هيومن رايتس ووتش” يقوم على التحقق الكامل من صحة المعلومات، ونعتمد في ذلك على المقابلات مع الضحايا والشهود، وكذلك المصادر المفتوحة، مثل صور الأقمار الاصطناعية وتحليل مقاطع الفيديو، ومن ضمنها التي يصوّرها المقاتلون أنفسهم، كما في تحقيقنا حول الانتهاكات ضد المعتقلين من المقاتلين والإعدامات الميدانية.كذلك نحلل التعليقات التي تتضمن نوايا العنف، ولا سيما الصادرة عن قوات الدعم السريع، ودائمًا نخاطب الطرف المنسوب إليه ارتكاب الانتهاكات لإتاحة الفرصة له لتقديم معلوماته، وممارسة حقه في الرد. إلى أين تذهب تقارير “هيومن رايتس ووتش” الخاصة بالسودان بعد نشرها، والجهات التي تستهدفونها بها، والأثر القانوني والحقوقي لصالح الضحايا وذويهم؟ تقاريرنا كلها منشورة للعلن، ونستهدف بها تحديدًا الفاعلين المعنيين بالشأن السوداني، مثل الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، بريطانيا، النرويج، هولندا، وغيرها.وضمن أهداف تقاريرنا، إحداث تغيير على الواقع، فهي توفر معلومات وأدلة تسهم في تحقيق العدالة، كما تمنح الضحايا والناجين والشهود مساحة لإيصال أصواتهم، حتى لا يبقى الصوت حكرًا على حملة السلاح، وللتأكيد على وجود خطاب مدني.ونحن، بصفتنا قانونيين وحقوقيين، ظللنا نطالب مجلس الأمن بإصدار قرار يقضي بتوسيع اختصاص الجنائية الدولية ليشمل جميع أنحاء السودان، بدلًا عن دارفور فقط كما هو الحال اليوم. شهدت الحرب تحذيرات متكررة من منظمات حقوقية بشأن خطر وقوع انتهاكات جسيمة، لكن تلك التحذيرات لم تمنع وقوع الانتهاكات، كيف تقيّمون قدرة المجتمع الدولي على التعاطي مع التحذيرات؟ الهجوم على مخيم زمزم في الفاشر، وقع في اليوم نفسه الذي انعقد فيه مؤتمر لندن بشأن السودان العام الماضي، ومع ذلك لم يصدر أي تذكير أو بيان من المجتمعين بشأن هذا الهجوم، وكنّا نرصد الوضع في الفاشر، وحاليًا نتابع الوضع في الأبيض، والذي تصاحبه بيانات واهتمام أكبر.لكن النقطة الأساسية بالنسبة للمجتمع الدولي، هي أنه إذا لم يكن قادرًا على مواجهة الفاعل والداعم الأساسي لقوات الدعم السريع، وهي دولة الإمارات، فإنه لن يكون قادرًا على أي تغيير على أرض الواقع. في ظل وجود هذه التحذيرات، ما تفسيركم للفجوة بين التوثيق والإنذار المبكر، وبين التحرك الدولي تجاه الاستجابة وحماية المدنيين فعلياً؟ التحرك الحقيقي حاليًا لا يقتصر على تغيير اختصاص الجنائية الدولية ليشمل كل السودان، بل يتطلب أيضًا من المجتمع الدولي التحرك الجاد بشأن حماية المدنيين، فهذه الحماية كان ينبغي أن تبدأ بالأمس.وحماية المدنيين تأخذ أشكالًا متعددة، لكن جوهرها الأساسي يتمثل في توفير الحماية الفعلية والجسدية للمدنيين، وضمان الوصول إلى العدالة والخدمات، وخلق مساحات آمنة، إلى جانب ممارسة الضغط السياسي على الأطراف المتحاربة لوقف الانتهاكات ضدهم، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون شروط. على ضوء ما حدث في الجنينة والفاشر ومعسكر زمزم، كيف تردّون على من يقول إن التقارير الحقوقية توثق الجرائم، لكنها لا تغير شيئاً على الأرض؟ أتفق تمامًا أن هناك إحساسًا واسعًا بأن التقارير الحقوقية التي تصدرها “هيومن رايتس ووتش” أو الأمم المتحدة أو غيرها، لا تُحدث تغييرًا مباشرًا على أرض الواقع. وهناك تجارب رأيناها في دارفور منذ عام 2013، وأحيانًا تحتاج التقارير إلى وقت حتى تُسهم في التغيير.نحن بحاجة إلى خطاب سياسي مدني ملتزم بالحقوق، ومتابع وداعم لكل الجهود المرتبطة بتحقيق العدالة والمحاسبة في النهاية، سواء استمرت الحرب أو انتهت.لقد حذّرنا من المعطيات التي كانت تشير إلى ما سيحدث في الجنينة، وحدث بالفعل، وتكرر الأمر في أردمتا والفاشر، إذ تحدث كثيرون وقدّموا الأدلة، لكن المجتمع الدولي لم يغيّر من مواقفه، بسبب ارتباطاته وعلاقاته بالإمارات، إضافة إلى ضعف اهتمامه بالسودان منذ البداية.واليوم نرى المؤشرات المشابهة في الأبيض، وقبلها في الجزيرة وغيرها، ومع ذلك تبقى التقارير مهمة لأنها تشكل أساسًا يمكن البناء عليه لتحقيق العدالة في مرحلة لاحقة. إلى أي مدى تعتقدون أن مواقف ودعم حلفاء أطراف النزاع، تؤثر على عرقلة صدور قرارات دولية أكثر إلزامًا، أو فرض عقوبات تصون مبادئ حقوق الإنسان؟ الموقف من الإمارات تحديدًا يؤثر بشكل كبير في عرقلة الجهود الدولية المتعلقة بالسودان، وفي المقابل هناك دول مثل السعودية وتركيا تُعد من أبرز الداعمين للحكومة السودانية.وبكل تأكيد، فإن مواقف حلفاء طرفي النزاع تؤثر بشكل كبير، خاصة في استمرار الحرب بتوفير التمويل والسلاح، ونحن نشير هنا إلى دور الإمارات الذي وثّقناه، مع ما وثّقته جهات ومنظمات عديدة، بما فيها آليات تابعة للأمم المتحدة، واستمرار تدفق السلاح يعني استمرار الحرب.وحاليًا نرى الهجمات اليومية على مدينة الأبيض بالطائرات المسيّرة، كما شهدنا سابقًا حصار الفاشر والهجمات من قوات الدعم السريع، إلى جانب هجمات الطيران التابعة للقوات المسلحة السودانية، وكل ذلك يؤكد أن الإمدادات لا تزال مستمرة. بعض منظمات المجتمع المدني الموالية للطرفين، مُتّهمة بتسييس حقوق الإنسان، فما تداعيات ذلك على الالتزام بالمطلوبات الحقوقية؟ بالرغم من أن الحرب، منذ بدايتها، استهدفت المدنيين، فإنها كانت أيضًا حرب سرديات، فكل طرف يمتلك روايته الخاصة، ويسعى إلى حمايتها وتعزيزها، وقد أظهرت التجارب أن الطرفين يُنشئان منظمات مجتمع مدني تعمل كواجهات في مدن ومراكز دولية مثل جنيف، والاتحاد الأفريقي، ونيويورك، وواشنطن وغيرها، لترويج سردياتهما.وبعيدًا عن المجتمع المدني، يتحدث الطرفان في كل مرة عن تشكيل لجان تحقيق، لكن ليس لأي منهما سجل يضمن مصداقية التحقيقات، وفي الوقت نفسه تسهم المنظمات التي تعمل كواجهات للطرفين في التضليل، وإعاقة الوصول إلى العدالة، وعدم التعاون مع المجتمع الدولي لكشف حقيقة الانتهاكات المُرتكبة على أرض الواقع. The post الباحث في “هيومن رايتس ووتش” المعني بملف السودان، محمد عثمان لـ”مداميك”: على المجتمع الدولي مواجهة الإمارات الداعم الاساسي للدعم السريع، ليكون قادرًا على ايقاف الحرب appeared first on صحيفة مداميك.