بقلم: ترايو أحمد عليفي السودان، لا تسير السياسة على قدمين كما في بقية بلدان الأرض، بل تمشي على عكازين مكسورين، وتصرّ، رغم ذلك، على المشاركة في سباق الأمم. ولو قُدِّر للكاتب النيجيري الشهير تشينوا أتشيبي أن يزور هذه البلاد، لأغلق كتابه «كانت هناك دولة اسمها نيجيريا»، وكتب على عجل كتابًا جديدًا بعنوان: «كانت هناك دولة اسمها السودان».ولربما جلس في الصف الأول من المسرح، متأملًا جمهورًا ينتظر منذ سبعة عقود بطله الموعود؛ مرةً في هيئة منقذ عسكري، ومرةً في صورة زعيم حزب طائفي، ومرةً أخرى في هيئة ثائر يحمل لافتة الحرية. لكن البطل، ككل أبطال التراجيديا الإفريقية، لا يصل أبدًا، أو يصل متأخرًا، ليكتشف الجميع أنه لم يكن سوى ممثل إضافي في مشهد أكبر منه.يُنسب إلى الرئيس السنغالي الأسبق، الشاعر والبروفيسور ليوبولد سنغور، قوله إن السودان، بدلًا من أن يكون أحد أفضل البلدان الإفريقية، قرر أن يكون أسوأ البلدان العربية.قد تكون هذه العبارة قاسية، وربما نُسبت إليه على غير وجه الدقة، لكنها تمتلك، على الأقل، تلك القسوة التي لا يستطيع التاريخ السوداني تكذيبها بسهولة.ثم يأتي كاتب بحجم محمد حسنين هيكل ليقول، على الملأ وبصورة مستفزة للمشاعر، إن السودان ليس دولة، وإنما “فضاء جغرافي” محض.تخيّل بلدًا يشقه أحد أعظم الأنهار في العالم من أقصاه إلى أقصاه، ثم يعجز أهله عن أن يشربوا منه. تخيّل بلدًا يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ويستورد غذاءه، ويجلس فوق كنوز من المعادن بينما يتقن شعبه فن الوقوف في صفوف الخبز والوقود. تخيّل وطنًا بذاكرة سمكية، يكرر أخطاءه بالانتظام نفسه الذي يعود به النيل العظيم إلى مجراه كل عام !!!بلدٌ تلد أرضه، على نحو هزلي، شياطينها السياسية جيلاً بعد جيل؛ من سادة الطوائف إلى تجار الشعارات، ومن أمراء الحرب إلى أمراء السلام المؤقت، ومن “الدواعش” إلى “الجنجويد”. وكل ذلك لأن العقل السياسي السوداني، في لحظة سقوطه الكبرى، قرر أن يحوّل رئيس الدولة إلى زعيم قبيلة، والدولة إلى غنيمة، والمواطنة إلى امتياز مؤقت.وهكذا، ظلت العناصر الثابتة في هذه المهزلة السبعينية كما هي: موتٌ مستباح، وتشريدٌ عبثي، وفقرٌ مدقع، وذاكرةٌ جماعية لا تتعلم إلا بعد فوات الأوان، ولا تفكر إلا وهي على فراش الموت.هنا تبقى مشروعية السؤال: هل كان البروفيسور سنغور، والكاتب محمد حسنين هيكل، على حق في نظرتهما إلى هذا العبث الهزلي؟إن قصة السودان السياسية ليست مجرد سلسلة من الأخطاء التاريخية، بل هي عرض مسرحي طويل من الدراما التراجيدية؛ تتغير فيه الأقنعة بينما تبقى الوجوه ذاتها. فمنذ أن هبط الاستقلال على البلاد هبوطًا أشبه بالمصادفة السعيدة و بلا تضحيات جسيمة، في الأول من يناير عام 1956، بدا وكأن السودانيين قد ورثوا وطنًا أكبر من استعداد نخبهم لإدارته، ومن ثم أساؤوا استغلاله.لقد نال السودان استقلاله بسهولة نادرة، حتى ليخيّل للمرء أن التاريخ قد سلّمه مفتاح البيت دون أن يطلب منه إثبات ملكية أو اختبار كفاءة القيادة.غير أن التاريخ، كعادته، لا يمنح الهدايا مجانًا.في الحكايات الشعبية، يُقال إنه في الليلة الأولى للاستقلال، اجتمعت أرواح السلاطين والملوك الذين مرّوا بهذه الأرض، من كوش إلى سوبا، ومن سنار إلى دارفور، فوق النيلين ونظرت إلى الخرطوم في دهشة. كانت الأرواح تتوقع أن ترى أمةً تتصالح مع تنوعها وتبني مستقبلها، لكنها رأت، بدلًا من ذلك، رجالًا يتجادلون حول من يجلس على الكرسي قبل أن يتفقوا على شكل “القطية” نفسها، أو يتفقوا على سؤال أكثر جوهرية: كيف يُحكم السودان؟ومنذ ذلك الحين، دخل السودان إلى النفق المظلم لمسرح اللامعقول.في هذا المسرح، يتبادل المدني والعسكري الأدوار كما يتبادل الممثلون القبعات. يخرج الجنرال من الكواليس معلنًا أن البلاد على حافة الانهيار، فيصفق له السياسيون سرًا ويشجبونه علنًا، ثم لا يلبث أن يعود السياسيون إلى الخشبة واعدين بالخلاص، حتى إذا استعصى عليهم المشهد، استدعوا الجنرال ذاته ليعيد كتابة النص من جديد.وبهذا التبادل العبثي للأدوار، تجاوز عدد الانقلابات والمحاولات الانقلابية العشرين، بينما لم يتوقف الموت بفعل الحرب يومًا واحدًا طوال سبعة عقود، لكن الحلقة الشريرة ظلت تدور.إنها رقصة سودانية خالصة؛ بل هي رقصة موت. انقلاب يعقبه انتقال، وانتقال يفضي إلى انتفاضة، وانتفاضة تنتهي الي حكومة هشة و تلد حربًا لتجلب الجنرالات و تنتهي إلى نصف اتفاق، ثم يبدأ الفصل التالي كأن شيئًا لم يكن.سبعون عامًا عجاف من إعادة عرض المسرحية نفسها، مع تعديلات طفيفة في أسماء الممثلين، وأزياء الحرس الجمهوري، وشعارات المرحلة.لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في العسكريين وحدهم، ولا في الأحزاب وحدها، بل في النص الأصلي الذي كُتب بعناية في أعماق الثقافة السياسية السودانية.فمنذ الاستقلال، لم تنجح هذه الثقافة في التصالح مع حقيقة بسيطة: أن السودان ليس صوتًا واحدًا، بل جوقة كاملة من الأصوات.لقد تعاملت النخب السياسية مع التنوع السوداني كما يتعامل المخرج المستبد مع ممثليه؛ يمنح الدور الرئيسي لمن يشبهه، ويترك الآخرين في الظل، أو يطردهم من المسرح نهائيًا. وهكذا تحولت الهوية من مساحة لقاء إلى ساحة صراع، وأصبح الاختلاف تهمة، والتعدد تهديدًا، والتسوية السياسية ضربًا من ضروب الضعف والخيانة و تتعمق معها ازمة الثقة التي هي مفقودة اصلا.من رحم هذه الثقافة وُلد “غول” السياسة السودانية؛ ذلك الكائن الأسطوري الذي يتغذى على الإقصاء، ويكبر مع كل انقلاب، ويزداد شراسة مع كل حرب، ويضحك في الظلام كلما سمع كل صباح سياسيًا يتحدث عن الحوار العميق الذي يفضي الي الوحدة الوطنية الحقيقية، ثم يحرّض على خصومه قبل حلول المساء.هذا الغول لا يسكن القصور الرئاسية وحدها، بل يقيم أيضًا في مقرات الأحزاب، و في تكنات الجيش وفي مناهج الكتب المدرسية، وفي بيانات الثوار، وفي المجالس الخاصة التي يتفق فيها الانتلجنسيا “الافندبة” على أن المشكلة تكمن دائمًا في الآخرين.يا لها من دولة! دولةٌ ما تزال تسمح لسموم الماضي أن تتسلل إلى عقول أطفالها، فتورثهم قصائد تمجّد التفاوت بين البشر، وتكسو التحيّز بعباءة البلاغة، وتمنح العنصرية شرعية الشعر، مثلما يتجلى ذلك في تدريس أشعار المتنبي في المقررات المدرسية، حين يُنسب إليه قوله:«العبدُ عبدٌ وإن طالت عمامتُه»ثم لا تكتفي بذلك، بل تُكره صغارها، تحت وطأة العصا وسياط التأديب، على حفظ هذه الأبيات عن ظهر قلب، وعلى طريقة “القراية أم دك”، وكأنها وصايا مقدسة لا يأتيها الباطل. وهكذا، يكبر الطفل السوداني وهو يتعلّم، قبل أن يعرف معنى الوطن، أن الناس درجات، وأن بعضهم وُلد ليكون في أعلى السلم، وبعضهم الآخر كُتب عليه أن يبقى عند أسفله.ولعل مأساة السودان الكبرى لا تكمن في الحروب التي خاضها و ظلت تخوضه، بل في الأفكار التي أورثها لأبنائه، وفي النصوص التي ظل يلقّنها لهم حتى صدّقها الجميع، ثم أمضى سبعين عامًا يدفع ثمنها.في معمعان هذا المسرح العبثي، يتساءل كثيرون إن كان شخصا مثل الدكتور جون قرنق قد دخل المعترك السياسي السوداني من الباب الخطأ، حين دخل محمّلًا برؤية سبقت زمانها، وببصيرة رأت السودان كما لم يره معاصروه؛ سودانًا جديدًا لا يسأل الناس عن ألوانهم ولا ألسنتهم ولا قبائلهم.لكنه، كغيره من الشخصيات التي تجرأت على العبث بالنص القديم، أُبعد عن خشبة المسرح في ومضة خاطفة من التاريخ، وكأن يدًا خفية قررت أن تُسدل الستار قبل أن ينطق بجملته الأخيرة.في السودان، كثيرًا ما يكون مصير من يحاول إعادة كتابة النص أن يُنفى من الذاكرة، أو يُختزل في هامش صغير من هوامش التاريخ، بينما يظل الممثلون أنفسهم يتناوبون على أداء الأدوار ذاتها، جيلاً بعد جيل.ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن السودانيين، رغم كل ما جرى، يمتلكون قدرة خارقة على التعايش مع العبث. ففي بلد شهد انقلابات أكثر مما شهد خططًا تنموية ناجحة، وحروبًا أطول عمرًا من بعض الأجيال، وانفصال جزء عزيز من جسده، وملايين النازحين والمهجرين، ما يزال الناس يستيقظون صباحًا، يشربون الشاي، ويتجادلون حول السياسة كما لو أنها مباراة كرة قدم يمكن إعادتها الأسبوع المقبل.إن اللامبالاة هنا ليست غيابًا للمشاعر، بل آلية دفاع جماعية؛ إنها طريقة شعبٍ أنهكه التاريخ حتى صار يضحك من شدة الألم.ولأن مسرح اللامعقول لا يعترف بالنهايات المنطقية، فقد وجد السودان نفسه، مرة أخرى، في حرب تبدو وكأنها كُتبت بقلم كاتب ساخر فقد إيمانه بالعقل. مدن تُدمَّر، وأرواح تُزهق، وأحلام تُدفن تحت الأنقاض، بينما تستمر الشخصيات ذاتها في تبادل الخطب والاتهامات، كأن المسرح لم يحترق، وكأن الجمهور لم يغادر القاعة منذ زمن بعيد.وربما كان السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: متى تنتهي الأزمة السودانية؟ بل: متى يقرر السودانيون تمزيق النص القديم؟فالأمم لا تهزمها الحروب وحدها، بل تهزمها أيضًا الأفكار التي تصر على تكرار نفسها. وما لم تُراجع الثقافة السياسية السودانية جذورها الإقصائية، وتتصالح مع التعدد بوصفه مصدر قوة لا لعنة تاريخية، فإن هذا المسرح سيظل مفتوحًا، وستظل التذاكر مجانية، وسيستمر العرض كل ليلة.أما النهاية، فهي أكثر عبثية من كل ما سبق.في السودان، لا يموت الأبطال، ولا يتقاعد الجنرالات، ولا تعتذر الأحزاب، ولا يتعلم التاريخ من نفسه. وحده الشعب يغيّر مقاعده في صالة العرض، جيلًا بعد جيل، بينما تستمر المسرحية في الدوران.وربما، بعد سبعين عامًا أخرى، سيجلس حفيدٌ سوداني تحت شجرة “نيم”، يروي لأطفاله الحكاية ذاتها: «كانت هناك دولة اسمها السودان.». وحينها فقط، قد يكتشف الجميع أن النكتة الأخيرة في أطول مسرحية عبثية شهدتها القارة الإفريقية لم تكن في النص، بل في أننا ظللنا نعتقد، طوال الوقت، أن العرض قد أوشك على الانتهاء. The post مهزلة السياسة السودانية في مرآة مسرح اللامعقول appeared first on صحيفة مداميك.