عبدالله محمد عبداللهعلى حافة شارع الهرم في الجيزة ، شهدنا إحدى مبادرات الموسيقار غاندي آدم و رفاقه تحت عنوان ( تون و لون و غنا). و غاندي، كثيراً ما طغت شهرته كعازف للفلوت على جانب أكثر راديكالية فيه، هو جهده في التنظير الموسيقي على المستويين الفلسفي و التطبيقي، الذي اتخذ شكلا عملياً في ما أسماه نمط (النيلوجروف)، الذي هو نهج مختلِف في فهم الموسيقى و طرق تدريسها و ممارستها. يسعى غاندي من خلاله الى تأسيس بنية رأسية جديدة لموسيقانا يستند فيها الهارموني على غير الترياد (المركب النغمي الثلاثي ) الغربي، مما قد يؤدي الى تخفيف الجفوة بين السلالم الخماسية من جانب و الموسيقى البوليفونية( متعددة الأصوات) التي طالما اقيمت على النظام الدياتوني الغربى من جانب آخر. هذا الاجتهاد يصب في مجرى الإجابة على سؤال مركزي في الساحة الاكاديمية الموسيقية لدينا هو: كيف يمكن تبنِّي الهارمونية في غياب نصف التون؟ وإنه لمن المأمول أن تتيج لنا الأيام لقاءٍ حوارياً مع غاندي الذي ولج عالم الموسيقى طفلاً في قصر الشباب و الأطفال ثم شاباً في كلية الموسيقى و الدراما بجامعة السودان، و مهاجراً، في مدارس موسيقى الجاز بفرنسا.في مقهي حجاج، كان غاندي يقود فريقاً تكون عفوياً من عازف للإيقاع و آخر للباص جيتار بينما تولى هو أمر الفلوت. و هذا، كما قد يتراءى للجميع، خليطٌ لا يبشر بالكثير، لانعدام تلك الآلات التى تتولى عادةً تجسير الفجوة بين الباص جيتار في القرار و الفلوت في المدي الأعلى. تلك الآلات الوسيطة، إضافة إلى إراحتها أُذن المستمع من سيطرة آلة نغمية واحدة طوال الوصلة الغنائية، تتيح للعازف هنيهات لقليل من الاستجمام و استعادة الحيوية.استمعنا ليلتها الى اصوات شابة من الجنسين ( أمين حامد، عبدالرحمن معتز، عاصم بكري و مودّة المأمون ). و قد ركنوا جميعا إلى أداء أغنيات مما هو مطروق هذه الأيام، من رصبد الحقيبة و الشعبي و الحديث، إلا أن بصمة كل منهم قد بدت واضحة فيما قدموا. كانت تلك سياحة ذات إمتاع بين أغاني الكاشف، محمد ميرغني، زيدان ابراهيم، محمد احمد عوض، كابلي و محمود تاور إضافة الى مختارات من حقيبة الفن. ادهشتنا تلك الاصوات بسلامتها و تمكُّنها، و إن بدا غريبا ألا يسعى بعضهم لاستظهار أغنياتِ أعجبتهم بدرجة دفعتهم الى تقديمها إلى جمهورهم، عوضا عن الاستعانة بهواتفهم لاستعادة نصوصها التي كان بعض الحاضرين على دراية بينة بها. تجلت في مشاركتهم في الغناء من مقاعدهم.تولى غاندي أداء الصولو حيثما حان أوانها إضافة إلى اللازمات ومتابعة المغنين صعوداً و هبوطاً. يقوم هذا دليلاً على اكتمال لياقته الفنية بلا شك، لكنه مما يؤدى إلى أمرين، أولهما إنهاك أذن المستمع بسيطرة لون صوتي واحد و ثانيهما انتفاء جانب أساسي من وظائف الفلوت، هو بثّ الزخارف النغمية و اقتناص فرص الارتجال غير المُخِل ببنية الأغنية. و غاندي ممن يبرعون في هذين الأخيرين. لكنه كان في ليلتنا هذه أكثر انشغالا بما هو أهم. و له العذر.تلك كانت احدى مغامرات غاندي التي تذكرنا بالأستاذ الراحل خضر بشير حين قال في لقاء تلفزيوني يوماً: الزول يقضى غرضُه بما تيسر له. ( يقصد أنه يغني بما توفر له، مع الفرقة الموسيقية او الرق او حتى بالصفقة).و هي مغامرة ضمن مشروع (سوا) الذي يقوم على مشاركة من استطاع الحضور في تقديم العرض الموسيقي/ الغنائي، وهو مشروع ابتدره غاندي منذ إقامته في فرنسا و تنقله في اوربا و غيرها، فليس غريبا ان تكون حلقة (مقهى حجاج) هى الحلقة رقم 270!ختاما، لابد من الإقرار بأن نجاح تلك الامسية لم يكن ليكتمل لولا جهد عازف الايقاع الماهر مجدي يعقوب و عازف الباص جيتار المتمكن محمد جاويش، الذين بذلا كل ما في وسعهما لمنح ذلك الحفل طاقة دفع أنجحته بما هو فوق التوقعات.The post غاندي .. في مقهى حَجّاج appeared first on صحيفة مداميك.