تقرير: إدريس عبدالله في الوقت الذي تتمادى فيه آلات الحرب في تمزيق الجغرافيا السودانية وتعميق الانقسامات المجتمعية، خرج السودانيون في مختلف الولايات والمدن في مواكب عظيمة ومهيبة احتفالًا بذكرى المولد النبوي الشريف؛ ليرسموا مشهدًا روحانيًا وإنسانيًا فريدًا، تحولت فيه «زفة المولد» من مجرد مناسبة دينية إلى ملاذ وطني جامع يبعث رسائل المحبة والإخاء، ويؤكد قدرة هذا الشعب على التسامي فوق أوجاعه وإعادة ترميم ما دمرته سنوات الصراع. وفي ملحمة روحية وإنسانية تجسد أصالة الشعب السوداني ورغبته الصادقة في الإخاء، تلاحمت المدن السودانية في مواكب مهيبة احتفالًا بذكرى المولد الشريف، ليتحول الاحتفال إلى مظاهرة وطنية نادت بالتسامح ورتق النسيج الاجتماعي الممزق؛ ففي أقصى الغرب، شهدت مدينة غبيش بغرب كردفان حدثًا تاريخيًا غير مسبوق بخروج «زفة مولد» تضم كافة الكيانات من طرق صوفية وختمية وأنصار تجسيدًا للتعايش ومناهضة الكراهية، بينما رسمت نيالا أسمى صور اللحمة الوطنية حين خرجت جماهيرها بمختلف فئاتها من رجال ونساء وأطفال يتقدمهم قادة الطرق الصوفية حاملين شعارًا يفيض أملًا: “من الغرب سلام للشرق والوسط والشمال وسلام للخرطوم”، لتؤكد أن وحدة الأرض والشعب تتسامى فوق العنصرية والجهوية. وعلى امتداد نهر النيل شمالًا، صدحت ألسنة الجماهير في مدينة الدبة بالصلاة والسلام على النبي الأمين، ممتزجة برسائل توعوية تدعو للتآخي ونبذ الفتنة ومكافحة المخدرات. وفي الشرق، قاد السادة الختمية والخليفة الشاورابي في القضارف جموع النازحين والأهالي وحفظة القرآن تحت شعارٍ إنساني عميق: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، ليتحول المولد إلى منصة تكافل وإغاثة للفارين من أهوال الحرب. أما في العاصمة الخرطوم، فقد خرج المواطنون في شوارع الحلفايا وشارع 40 برغم أوجاع الحرب وآلامها، محولين الشوارع إلى ساحات إنشاد ومدايح أعادت للقلوب ثقتها بقدرة الشعب على تجاوز المرارات والالتفاف حول المحبة النبوية التي تجمع ولا تفرق؛ حيث يؤكد المواطنون أن هذه المظاهر غابت عن العاصمة الخرطوم منذ عام 2023، أي منذ بداية الحرب، لتعود مرة أخرى وتؤكد أن السودانيين —برغم المرارات— يريدون السلام. وتروي آمنة الحاج، الطالبة في إحدى الجامعات السودانية، في حديثها لـ “مداميك” مشاهداتها وانطباعاتها قائلة إنه أثناء قدومها من شارع 40، كان هناك حضورٌ قويٌّ وكثيف للشعب السوداني بمختلف فئاته من شباب وشيوخ وأطفال ونساء، ودارت تساؤلات بينها وبين صديقها حول ما يجري في الشارع، وهل ثمة مسؤول سيمر أم أن هناك توزيعًا لمساعدات إغاثية. وتضيف آمنة أنه رويدًا رويدًا بدأت تتضح ملامح «زفة المولد»، وكان لسان حال الجميع يقول إنه على الرغم من الخلافات والانقسامات التي ولدتها حرب 15 أبريل، إلا أن الشعب السوداني في هذه الأيام تحديدًا قادرٌ على أن يجمع صفوفه ويأتلف على محبة الرسول الكريم، مؤكدة أن هذا المشهد يعزز ويعيد ولو جزءًا بسيطًا من النسيج الاجتماعي الذي انتهكته الحرب. وتساءلت آمنة عن كيفية تأثير هذه المناسبة في نبذ خطاب الكراهية، معتبرة أن هذه الأيام قد تكون بالفعل وسيلة وعاملًا مهمًا لإعادة بناء هذا التماسك الاجتماعي. وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاجتماعي محمد الصديق في مقابلة مع “مداميك” أن فترة المولد النبوي في سياق الحرب الراهنة بالسودان تمثل طقسًا جمعيًا استثنائيًا وملاذًا للتعافي النفسي والاجتماعي؛ حيث يتسامى المواطنون فوق جراحات الصراع والانقسام لإعادة ترميم رأس المال الاجتماعي المتمثل في الثقة والتضامن والمصير المشترك. ويضيف الصديق أن هذه الأيام تكتسب أهميتها من كونها تكسر حالة الفرز الاجتماعي والقطبية القبلية والجهوية التي عمقتها الحرب؛ فخروج السودانيين بمختلف طوائفهم وأقاليمهم في “الزفات” والمواكب يمنحهم مساحة آمنة لاستعادة الرمزية الجامعة التي ينضوي تحتها الجميع، إذ تُشكل شخصية النبي الكريم نقطة التلاقي الوحيدة التي لا ينقسم عليها أبناء الوطن، مما يجعل الساحات منصاتٍ عملية لسحب البساط من خطابات الشحن والتحريض وإعادة الامتلاك الإيجابي للشارع العام. ويرى الصديق أنه ولكي تتحول هذه المناسبة من مجرد ظاهرة احتفالية عابرة إلى مشروع استقرار مستدام، فإن العبء الأكبر يقع على عاتق المشايخ والدعاة والقيادات الدينية؛ لما يمتلكونه من سلطة رمزية تؤهلهم لقيادة سلام قاعدي حقيقي. ويُحدد المأمول من هذه القيادات في خطوات عملية تبدأ من توجيه الخطاب الديني نحو التركيز على مقاصد الشريعة في حفظ الدماء والكرامة، وتفكيك ثقافة الكراهية بالاستناد إلى أطر مرجعية ملهمة كـ “وثيقة المدينة” و”حلف الفضول”. كما يمتد هذا الدور ليشمل مأسسة التكافل عبر تحويل خيام المولد وساحاته إلى مراكز حية للإغاثة والدعم العملي للنازحين والمتضررين من الحرب تجسيدًا لقيم التراحم، مع التشديد على التزام الحياد الأخلاقي والنأي بالساحات والمنابر الدينية عن تجاذبات الاستقطاب السياسي والعسكري لتبقى حصنًا جامعًا لكل السودانيين، ويتوج هذا السعي بإطلاق “ميثاق شرف ديني وأخلاقي” يُحرّم دماء المواطنين ويجرّم التحريض القبلي ليُعلن رسميًا في ختام الاحتفالات. ويختتم الصديق رؤيته بأن استثمار هذه الروح الجماعية يمثل خطوة مفصلية لإعادة بناء الثقة الوطنية، وتأكيدًا جليًا على أن النسيج الاجتماعي السوداني —برغم أهوال الحرب— ما زال يختزن من الرصيد الروحي والأخلاقي ما يُعينه على التعافي والنهوض من جديد. وفي السياق نفسه، يؤكد وزير الأوقاف والشؤون الدينية نصر الدين مفرح، في مقابلة خاصة مع صحيفة “مداميك”، أنه في ظل الظرف الدقيق والصعب الذي يمر به السودان، تُعد المواكب والاحتفالات البهية في جميع أنحاء البلاد فرصة عظيمة لإطلاق مشروع وطني شامل يقوم على أساس السلم الاجتماعي وتعزيز التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد. ويضيف مفرح أن دلالة المولد النبوي تكمن في استحضار قيم الرحمة والمحبة والصفاء التي يحملها السودانيون في قلوبهم وترجمتها إلى عملٍ على أرض الواقع؛ فهذه القيم قادرة على أن تكون أساسًا لمواجهة خطاب الكراهية والعنصرية والقبلية، والحدّ من قضايا الفرز الاجتماعي، مذكرًا بأن رسالة الإسلام واحدة وأن الاختلاف في الطوائف والقبائل والثقافات لا ينبغي أن يكون سببًا للفرقة بل مدخلًا للتكامل والتنوع. ويختتم مفرح حديثه لـ “مداميك” موضحًا أن موكب (زفة) المولد والفعاليات المصاحبة لها بمشاركة كافة أطياف المجتمع تجسد معاني الوحدة الحقيقية، وأن مغزى هذا المشهد الروحاني والاجتماعي يكمن في استثماره لنشر ثقافة التسامح والحوار ونبذ خطاب الكراهية الذي عمقته الحرب وجعلت الناس منقسمين على أسس جهوية وجغرافية؛ مؤكدًا الحاجة الماسّة لتحويل هذه الروح الجماعية إلى برنامج عملي تُسهم فيه المؤسسات الدينية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، ليصبح المولد النبوي الشريف منطلقًا لمشروع وطني يُرسّخ الأمن والسلام والاستقرار ويعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.The post تحتضن جراح الوطن: السودانيون يلتئمون في «زفة المولد» لمواجهة خطاب الكراهية وترميم النسيج الاجتماعي. appeared first on صحيفة مداميك.