وقت إضافي لتجربة فاشلة

Wait 5 sec.

حمّور زيادةاختار قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان يوم عيد الجيش (13 أغسطس/ آب) ليدخل بموكبه القصر الجمهوري في الخرطوم بصورة رسمية للمرّة الأولى لاعتماد سفراء، ما يبدو رسالةً رمزيةً جديدةً في السياق القديم ذاته الذي بدأ منذ إطاحة الرئيس السابق عمر البشير.بعد أن تحفّظ الجيش على البشير في “مكان آمن”، بحسب تعبير بيانه، رفض المحتجّون خطّة الجيش للحكم. جرّب المجلس العسكري حظّه مرّتَين، يومي 11 و12 إبريل/ نيسان. بدأ بوزير الدفاع الذي أعلن إطاحة البشير وإدارة الجيش للفترة الانتقالية وإجراء انتخابات. انتفض المحتجّون، فغيّر الجيش من قدَّمهم وكوّن مجلساً عسكرياً جديداً بقيادة البرهان الذي كرّر النية ذاتها، وتكرّر رفض المحتجّين. أُجبر الجيش على الدخول في مفاوضات مع القوى السياسية المدنية، ثمّ عاد الجيش إلى محاولة الاستفراد بالسلطة عقب المذابح التي ارتُكبت في أثناء فضّ الاعتصامات المضادّة له. بعد يوم كامل من القتل والانتهاكات، خرج قائد الجيش ليعلن إلغاء الاتفاق مع القوى المدنية، ونيّة الجيش في أن يحكم الفترة الانتقالية وينظّم بعدها الانتخابات. الخطّة القديمة ذاتها، لكنّها تتكرّر بعد القضاء على التجمّعات المعارضة واستباحة “الدعم السريع” العاصمة.ردّة فعل المعارضين لم تختلف أيضاً، وزادتها الدماء إصراراً. ومرّة أخرى تراجع الجيش ظاهرياً عن رغبته في الحكم، لكنّه عاد في 2021 ليدعم إغلاق ميناء السودان الرئيس وينظّم اعتصاماً مسرحياً يطالب بانقلاب عسكري، وهو ما فعله المجلس العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021. ومرّة أخرى، أعلن البرهان الخطّةَ المكرّرةَ ذاتها. سيحكم الجيش الفترة الانتقالية، ثمّ يجري انتخابات (!). لا يعنيه تكرار الرفض، ولا الدماء التي سالت لتمنعه من ذلك. حتّى الدماء التي أراقها بعد هذا الإعلان، فخرجت المظاهرات المعارضة للانقلاب، وواجهها الجيش بالعنف والرصاص. لكنّ البلاد لم تستقرّ له حتّى أُجبر على التراجع مرّة أخرى ليدخل في العملية السياسية نهاية 2022، وانهارت بنشوب الحرب في إبريل/ نيسان 2023.لم تختلف نيّة الجيش السوداني بعد الحرب، لكنّها أصبحت أوضح. في سبتمبر/ أيلول 2024، أعلن الفريق ياسر العطا (عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام) أنّ قائد الجيش البرهان سيظلّ رأس الدولة بصلاحيات سيادية كاملةً حتّى بعد الانتخابات، ولمدّة ثلاث أو أربع دورات انتخابية. لعلّ هذا أجرأ إعلان بعدم نيّة الجيش تسليم السلطة. بل إنّ العطا نسب إليه ما هو أفدح حين قال إنّه لو كان بالمعاش وفاز السياسيون المدنيون (يعتبرهم عملاء للخارج) بالانتخابات، فسينقلب عسكرياً ضدّهم. لاحقاً، أصبح الرجل رئيس هيئة أركان الجيش. يعلن أحد حاكمي البلاد نيّته ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون العسكري بالإعدام إذا ما اختار الشعب خياراً يختلف معه.يكرّر الفريق العطا ما فعلته صحيفة القوات المسلّحة الرسمية، التي ظلّت تحرّض على الانقلاب العسكري في 2021، ويتعامل الجيش السوداني مع جريمة الانقلاب العسكري باعتبارها نوعاً من أنواع حرّية التعبير، ويدعو إليها بلا وجل، ويمارسها باستحقاق لا مثيل له. وهذا غريب بالنظر إلى تاريخ البلاد المحكومة بالجيش منذ 1958. تاريخ السودان (منذ الاستقلال) حكم عسكري متواصل، مع انتقالات مدنية قصيرة تحدث إثر ثورات شعبية. هذه ليست تجربةً جديدةً تحتاج مزيداً من الوقت، إنّما هي واقع السودان منذ استقلاله. ونتائجها معلومة للجميع: حروب أهلية واقتصاد منهك ومؤسّسات ضعيفة وفساد مقنّن ومؤسّسة عسكرية تتغوّل على الدولة. وكلّ الأنظمة العسكرية السودانية سقطت بثورات شعبية لا بانقلابات عسكرية. لكن الرسالة غير واضحة لحملة السلاح.بعد سبع سنوات من حكم المجلس العسكري الذي يرأسه البرهان، وبعد تكرار الرفض، وبعد الحرب التي قسّمت البلاد وهدّتها، لم يتغيّر شيء، بل ربّما جعلت الحرب الجيش يشعر باستحقاق أكبر للحكم، ما يضع السودانيين بين خيارَين: الحكم العسكري في الخرطوم أو الحكم المليشياوي في نيالا. وتمنح الحرب الطرفَين مبرّرات الحكم، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فلا وقت لمحاسبة أو لمساءلة أو تداول سلطة، ولا حدود للسلطة، ولا اختلاف مع القيادة: إنّنا في حرب.وما يزيد الأسف أنّ الجيش، إذ يواصل مشروعه للحكم، يفعل ذلك بالتحالف مع عدد مهول من المليشيات القبلية والمناطقية. فحتّى التخلّص من المليشيات واحتكار الدولة السلاح لم يُنجزا. لم يحصد السودانيون بعد سنوات الحرب كلّها إلا الموت وانهيار البلاد وانقسامها، لا قضينا على مليشيات، ولا أبقينا على دولة. أمّا التحالفات الحاكمة فهي كما هي.The post وقت إضافي لتجربة فاشلة appeared first on صحيفة مداميك.