نجوي بابوتأتي زيارة وفد الاتحاد الأفريقي إلى بورتسودان، بالتزامن مع تسليم حكومة السلام والوحدة خطابًا إلى الاتحاد الأفريقي، في لحظة تتجاوز حدود التحرك الدبلوماسي المعتاد. فالسودان لا يعيش حربًا عسكرية فحسب، بل يواجه معركة أعمق حول الشرعية والتمثيل ومستقبل الدولة. ومن هنا يبرز السؤال هل تمثل زيارة الوفد الأفريقي اعترافًا تدريجيًا بسلطة الأمر الواقع، أم أنها محاولة لتهيئة المناخ أمام حوار سوداني ـ سوداني شامل؟ينبغي التمييز بين التعامل مع سلطة قائمة بحكم الواقع وبين الاعتراف بها بوصفها السلطة الشرعية الوحيدة. فالوساطة والاتصال السياسي لا يعنيان بالضرورة إقرارًا بشرعية كل مواقف الطرف الذي تتم مقابلته. ولذلك، فإن زيارة بورتسودان وحدها لا تكفي للقول إن الاتحاد الأفريقي اعترف بحكومة الأمر الواقع، خاصة أن الموقف الأفريقي المعلن يتمسك بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ويرفض إنشاء هياكل حكومية موازية.لكن التعامل مع سلطة بورتسودان يجب ألا يتحول إلى احتكار سياسي لمستقبل البلاد. فامتلاك المؤسسات والسيطرة على أجزاء واسعة من الإقليم يمنح قوة تفاوضية، لكنه لا يمنح بالضرورة شرعية دستورية دائمة. فالشرعية السياسية لا تُختزل في السيطرة العسكرية أو الإدارية، كما أن الدولة لا ينبغي أن تصبح ملكًا لمن يملك السلاح أو المؤسسات في لحظة معينة.ومن هنا تكتسب الرسالة التي سلمتها حكومة السلام والوحدة إلى الاتحاد الأفريقي أهمية سياسية خاصة. فإذا كان الهدف منها طلب الاعتراف بحكومة موازية، فإنها ستصطدم بالموقف الأفريقي الرافض لتعدد مراكز الحكم. أما إذا كانت تهدف إلى المطالبة بأن تكون جزءًا من العملية السياسية، وأن تُسمع أصوات القوى والمناطق التي تمثلها، فإنها تضع الاتحاد الأفريقي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن بناء حوار سوداني ـ سوداني حقيقي إذا جرى تحديد أطرافه مسبقًا؟كما أن الأزمة السودانية لا ينبغي اختزالها في سؤال الإسلاميين وحدهم. فالمعيار الديمقراطي يجب أن يكون واحدًا على الجميع: الحق في المشاركة السياسية مقابل الالتزام بالدولة المدنية، والتداول السلمي للسلطة، واحتكار الدولة للسلاح، واحترام الدستور والقانون. فالإقصاء على أساس الهوية الفكرية لا يبني ديمقراطية، كما أن تمكين أي تيار من احتكار الدولة لا يصنع سلامًا مستدامًا.والتحدي الحقيقي أمام الاتحاد الأفريقي هو التعامل مع جميع أطراف الأزمة دون منح أي منها صكًا مفتوحًا للشرعية. يمكنه الحوار مع بورتسودان دون منحها حق احتكار مستقبل السودان، والاستماع إلى حكومة السلام والوحدة دون تحويلها إلى دولة موازية، وفتح المجال أمام القوى المدنية والسياسية دون اختزال الحوار في صفقة بين مراكز القوة.فالسلام ليس مجرد توقف المدافع، بل إعادة تأسيس للشرعية على الرضا العام بدل القوة. والسودان لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف، بل إلى انتصار الدولة على منطق الغلبة، ولا يحتاج إلى شرعية تستمد قوتها من نتائج الحرب، وإنما إلى شرعية تستمد قوتها من إرادة السودانيين.لهذا، يجب ألا يكون الحوار السوداني ـ السوداني مجرد طاولة تجمع المتخاصمين، بل عقدًا سياسيًا جديدًا يؤكد أن السودان ليس غنيمة حرب، وأن السلطة ليست مكافأة عسكرية، وأن مستقبل الدولة لا يقرره من يملك القوة وحده. فإذا استطاع الاتحاد الأفريقي حماية هذه القاعدة، فقد تصبح تحركاته الحالية خطوة نحو سلام حقيقي؛ أما إذا تحولت الوساطة إلى آلية لتقنين موازين القوة التي أفرزتها الحرب، فإن السودان لن يكون قد أنهى صراعه، بل سيدخل مرحلة جديدة من الصراع على شرعنة نتائجهاThe post السودان: شرعية الغلبة أم دولة الشعب؟ appeared first on صحيفة مداميك.