حوار: يوسف الغوثمنذ اندلاع حرب 15 أبريل، ظلت القوى السياسية الوطنية متمسكة بمواقفها الرافضة للحرب، والداعية للسلام والعودة إلى طاولة الحوار والتفاوض. غير أن الرأي العام السوداني – وتحت وطأة آلة الحرب الصارخة وتضليلها الإعلامي – يفتقر في كثير من الأحيان إلى إجابات واضحة حول أسس هذا الخيار: لماذا ينبغي إيقاف الحرب عبر الحوار؟ وكيف تنظر القوى السياسية إلى الأزمة الراهنة التي شردت الملايين؟سعياً للوقوف على هذه التفاصيل، أوجزت صحيفة «مداميك» هذه الأسئلة وضعتها في حوار خاص على جزأين مع المهندس عادل خلف الله، الناطق الرسمي باسم «حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان» (بقيادة علي الريح السنهوري)، للوقوف على موقفهم من الحرب، وقراءتهم المنهجية والفلسفية لمعالجة الأزمة السودانية.نستكمل في هذا الجزء الثاني والأخير الغوص في عمق الرؤية الفكرية والسياسية للحزب تجاه إعادة بناء الدولة السودانية، والتعامل مع التنوع الثقافي، والبدائل الاقتصادية المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب، بالإضافة إلى قراءة تحولات الفكر القومي ورسائل الحزب للجماهير.إعادة بناء الدولة والبدائل الاقتصادية:كيف يمكن هندسة إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جامعة تتجاوز منطق الإقصاء والاستقطاب؟ينبغي التأكيد أولاً على الفرق الجوهري بين «الدولة» بصفاتها ككيان دستوري وسياسي مستمر يضم الأرض والشعب والمؤسسات ذات السيادة، وبين «النظام السياسي» المتوافق عليه والقابل للتغيير والتطور كأسلوب متجدد لإدارتها.وانطلاقاً من هذا التمايز، تتصدر قائمة الأهداف الوطنية مسألة إيقاف الحرب عبر التفاوض، لفتح الطريق أمام حلول سياسية سودانية خالصة تتشكل عبر أوسع جبهة متحدة لوقف نزيف الدم وتحقيق التغيير الديمقراطي؛ إذ لا حل لنمو السودان واستقراره وازدهاره بمعزل عن إرادة شعبه أو بتغييبها.إن اعتبار وقف الحرب أولوية قصوى يستلزم متطلبات ومترتبات أساسية لا مناص منها؛ تبدأ برفض الإقرار بالمعطيات والتدابير الناشئة التي فرضتها أطراف الصراع بناءً على موازين القوى المتبادلة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو مسّت وحدة التراب السوداني وسلامته وأمنه. وتستند هذه المتطلبات إلى ترسيخ المواطنة المتساوية باعتبارها المرجع الأساسي للحقوق والواجبات، بالتوازي مع بناء جيش وطني واحد وعصري، يعبر حجمه وتراتبيته، وآليات الانضمام إليه والترقي في صفوفه، عن عقيدة وطنية راسخة تذود عن سيادة الوطن وفق الدستور والقانون.ولضمان سلامة هذا المسار، يقتضي الواجب حظر النشاط السياسي والمالي للمؤسسات العسكرية والأمنية، بمنع ممارسة أي عمل سياسي أو اقتصادي باسم الجيش أو الأجهزة الأمنية، أو من قبل أيٍّ من منتسبيها أثناء خدمتهم.وبالتأكيد، لن تتجسد هذه المبادئ على أرض الواقع إلا بتوافق وطني عريض يستند إلى ثوابت جامعة، وفي إطار نظام ديمقراطي تعددي تستمد فيه السلطة والمؤسسات والقيادات شرعيتها المباشرة من الشعب، عبر الانتخاب الحر، والتداول السلمي للسلطة، والاحترام المطلق لسيادة حكم القانون.ما هي المعالم الرئيسة للبرنامج الاقتصادي الذي يطرحه البعث لمواجهة آثار الدمار المالي والبنيوي؟مع إدراكنا التام لأهمية وجود أولويات سياسية واقتصادية متوافق عليها لمرحلة ما بعد وقف الحرب، فإن المحك الأساسي في الأولويات الاقتصادية يكمن في: كيفيتها، وماهيتها، ومنهجيتها، ولمصلحة من تُطبق؟وفي هذا الصدد، وقبل أكثر من عامين، قدمت اللجنة الاقتصادية لحزب البعث للقوى السياسية والاجتماعية والمختصين والأكاديميين «رؤية وطنية شاملة لمواجهة تداعيات الحرب وإعادة الإعمار». وقد جرى إثراء هذه الرؤية وتحديثها المستمر عبر الحوارات الواسعة والتفاعل الميداني، ونرى أنها تشكل مساهمة علمية وغنية قابلة للتنفيذ الفوري. وقد نُشرت هذه الرؤية تفصيلياً في صحيفة وموقع «الهدف»، وصاحبتها سلسلة من المقالات والشروحات التوضيحية.الفكر القومي الهوية والتنوع:كيف يعرّف حزب البعث نفسه اليوم بعد التحولات الكبيرة التي شهدها الوطن العربي؟ وهل يحتاج الفكر البعثي إلى مراجعات تتناسب مع القرن الحادي والعشرين؟عرّف حزب البعث نفسه منذ البداية بأنه حركة حوارية تتفاعل حياً مع تناقضات الواقع العربي في المرحلة التاريخية التي تجتازها الأمة، ورَبَط ذلك بحقيقة مكانة الأمة ضمن النضال الإنساني الشامل. وقد قادته هذه المنهجية الحوارية إلى عدم الانعزال عن الصراعات والتيارات الفكرية والسياسية العالمية، صياغةً لإجابات علمية تستوعب التناقضات وتُثرى بالممارسة والتجربة الميدانية.وقد برزت أولى إنجازات الحزب في وضعه للقضية العربية ككلٍّ لا يتجزأ، وهي سابقة اعتبرها القائد المؤسس للبعث «قوة تاريخية لا تُقدَّر بثمن» ضمن أهدافه المترابطة أفقياً وعضوياً: (الوحدة، والحرية، والاشتراكية)، متجاوزاً الأحكام المسبقة وادعاء امتلاك الحلول الجاهزة لكل زمان ومكان. إن تأكيد الحزب على أن ينبع الفكر من الواقع ويتطور مع السياق التاريخي أهّله لتحرير الفكر الثوري من التجريد والجمود والإطلاق الفلسفي، وجعله في حالة إصغاء دائم للواقع والعصر، وتعلم مستمر من التجربة النضالية.إن المتغيرات التي استهدفت الأمة العربية وبلدان العالم الثالث لم تكن مفاجئة لحزب البعث؛ إذ أشار القائد المؤسس قبل نحو 25 عاماً من سقوط جدار برلين – في خطاب ذكرى التأسيس – إلى أن «ما يُعرف بالشيوعية سيصبح شيئاً من التاريخ». كما أكد الشهيد صدام حسين عقب تفكك الاتحاد السوفيتي في مؤتمر قطر العراق أن «أمريكا، بحكم خلفيتها، لن تتعامل بحكمة مع الفراغ الدولي، بل سترتكب حماقات وسيكون الوطن العربي أول ضحاياها».وجاءت التطورات العالمية والإقليمية مصداقاً لتقديرات الحزب ودالةً على حيوية فكره وحسه المستقبلي. ولذلك، جدد حزب البعث تعريفه لنفسه وبيان مرجعياته الحوارية والتجديدية في المؤتمر القومي الثالث عشر الذي انعقد بلبنان في يناير 2026، وما صدر عنه من قرارات وتوجهات فكرية نضالية استُهلت باستيعاب المتغيرات الدولية الماثلة وما بين المؤتمرين وتداعياتها قومياً وعلى القضية الفلسطينية وعلى الأقطار. كما تضمن تقريره العام تناولاً عميقاً تحت عنوان: «الوحدة والحرية والاشتراكية والديمقراطية: الأهداف المتجددة».كيف يوفق الحزب بين الهوية العربية والتنوع الثقافي والإثني في السودان؟أقرّ حزب البعث منذ مؤتمره التأسيسي في أبريل 1947 بالتنوع الثقافي والحضاري على مستوى الأمة العربية، في إطار مفهومه للوحدة والتكامل مع الحرية والاشتراكية، وكإحدى تجليات مفهوم «القومية الإنسانية» المتسامية على المفاهيم الاستعلائية والعنصرية التي قدمتها التجارب الأوروبية. فقد انطلق الحزب من فهم عميق لسيرورة تشكّل الأمة العربية ودور الإسلام في إنضاج شخصيتها وحمله للعروبة إلى آفاق أرحب، فكان طبيعياً أن تُقر أقطار الوطن العربي بالتنوع الذي يزخر به مجتمعها ضمن برامجها السياسية والاجتماعية.ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يطرح قيادي الحزب الشهيد عبد الله عبد الرحمن (الشهير بـ «الأنفزبل») في ندوة رابطة طلاب الجنوب بكلية الزراعة بشمبات في 13 أكتوبر 1964 – ولأول مرة – مفهوم «التمايز الثقافي والحضاري بين الشمال والجنوب» وضرورة الإقرار به دستورياً وإدارياً، مع إدانة تجارة الرق ورفض القسر والعنف والإسقاط السياسي الذي حاول المجلس العسكري لانقلاب 17 نوفمبر 1958 فرضه.وقد شكل ذلك الطرح البذرة للرؤية الشاملة حول «التنوع في إطار الوحدة» في وثائق الحزب (مثل كتابات الأستاذ الراحل بدر الدين مدثر عن مسألة جنوب السودان، وكتاب «البعث وقضايا التطور الوطني في السودان»، ووثائق الهوية الثقافية، وعلاقة الدين بالدولة، والتنمية المتوازنة التي أُعدت لِتُقدَّم للمؤتمر الدستوري عقب انتفاضة 1985، وصولاً إلى كلمة الأستاذ المناضل السنهوري في ملتقى قوى الميثاق بنيروبي 2026 التي خصص حيزاً منها لمفهوم التنوع وكيف يكون مصدر منعة، إضافة إلى محاور تقريري مؤتمري القطر الخامس والسادس).وفي هذا السياق، أشار مولانا أبيل ألير في كتابه «الجنوب وهدر المواثيق» إشارة ذكية إلى أن بيان يونيو 1971 واتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي استندت ميدانياً إلى تجربة الحل السلمي للقضية الكردية في شمال العراق وتطبيقات «بيان آذار».ومن هنا نؤكد أن القضية بمساهماتها الفكرية وتطبيقاتها العملية تتجاوز التساؤل حول «كيف يوفق البعث بين الهوية والتنوع؟»، كونه يلمح لوجود أزمة أو معضلة، بينما الواقع أثبت قدرة الفكر القومي التحرري على استيعاب التعدد وإثرائه في إطار الوحدة المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والتنمية السيادية والمساواة المنطلقة من المواطنة المتساوية الحقوق، وفي إطار ديمقراطي تعددي.وهنا تتجلى عظمة وقوة وضع القضية ككل لا يتجزأ؛ حيث يتجاوز فكر البعث الأبعاد الحقوقية لمفاهيم العدالة والتنمية المتوازنة ليضعها كمداميك لتعزيز الانتماء والإيمان: انتماء المواطن (الفرد والمجتمع) وإيمانه بوطنه وبيته وأسرته ومهنته ودينه، والممتلكات والمؤسسات العامة، والقيم والمصالح العليا، واستعداده العالي للتضحية في سبيلها والدفاع عنها.الممارسة السياسية والرسائل الجماهيريةما مفهومكم للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة؟وضع دستور حزب البعث الصادر عن المؤتمر التأسيسي في أبريل 1947 الأساس المبدئي للموقف من الديمقراطية التعددية، بتأكيده على النظام الديمقراطي النيابي الذي تخضع فيه السلطة التنفيذية للتشريعية. ويؤمن الحزب بأن السيادة ملك للشعب وهو مصدر كل سلطة وقيادة؛ حيث تنص المادة (5) من مبادئه العامة على أن: «حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي، يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب، وأنه مصدر كل سلطة وقيادة، وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن الجماهير ومدى حريتهم في اختيارها».ووفقاً لذلك، جسّد حزب البعث في السودان رؤيته للديمقراطية التعددية عبر سجلٍّ حافلٍ بالمواقف العملية الواضحة؛ إذ ظل الحزب متمسكاً بخياره المبدئي القاطع بعدم المشاركة مطلقاً في أي انقلاب على حكومة ديمقراطية منتخبة، بالتوازي مع اتخاذه موقفاً معارضاً وثابتاً ضد كافة الأنظمة العسكرية الانقلابية، رافضاً التورط في هياكلها السلطوية أو إضفاء الشرعية على حواراتها الصورية.ولم تقتصر هذه الرؤية على الرفض فحسب، بل تجسدت في العمل السياسي والميداني البنّاء؛ حيث خاض الحزب الانتخابات العامة عقب انتفاضة مارس/أبريل 1985 لترسيخ التفاعل المباشر مع الجماهير وطرح برنامجه السياسي. كما صاغ مفهوم «المعارضة الإيجابية» في مواجهة الحكومات المنتخبة، حمايةً لأهداف الثورة وتمايزاً عن معارضة فلول الأنظمة البائدة. واستمراراً لهذا النهج في دعم الانتقال الديمقراطي، حرص الحزب على المشاركة الرمزية في حكومة الفترة الانتقالية عقب انتفاضة ديسمبر المجيدة حمايةً للمكاسب الشعبية وتطويراً لها.وفي الوقت نفسه، وضع الحزب السلمية وسيادة الوطن في صدارة مبادئه؛ فرَفَض العنف وحمل السلاح كأدوات لفض الخلافات أو معالجة قضايا التطور الوطني، متمسكاً بالحلول السلمية من داخل إطار الدولة الوطنية، ورافضاً نهج المعارضة من الخارج. وينطلق كل ذلك من قناعة راسخة بأنه لا بديل للديمقراطية إلا بمزيد من الديمقراطية، وهو ما ينعكس في السعي المستمر لتطوير قوانين الانتخاب التمثيلية وتقوية المؤسسات المدنية لضمان استدامة التداول السلمي للسلطة.ما أصعب موقف واجهته بصفتك ناطقاً رسمياً للحزب؟التعبير بدقة وأمانة عن موقف حزب البعث الرافض للحرب ولطرفيها ولانتهاكاتها، ورصد ومتابعة تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المعقدة على أبناء شعبنا، مع الحرص الصارم على إبقاء حضور الحزب وصوته الإعلامي مبادراً وفاعلاً، والقيام بكل ذلك وغيره من داخل السودان رغم المخاطر والظروف غير المواتية بكل المقاييس.كيف تتعامل مع الانتقادات الموجهة للحزب؟نتعامل معها بصفتها سانحة حوارية بالحسنى، ونراها دليلاً على تنامي تأثير حزب البعث وانتشاره ودليل عافية لمواقفه السياسية، كما تلفت الانتباه لضرورة تحديث هندسة الخطاب الإعلامي وتطوير محتواه ورفع مناسيب النشاط السياسي والإعلامي.كما نعتبرها فرصة لتمليك الناقد المعطيات والحقائق التي قد تكون غائبة عنه، وتعزيز معرفته برصيد الحزب الفكري والنضالي بهدوء وحكمة وسعة صدر. وبكل تواضع، نلمس دائماً تغير قناعات معظم المنتقدين بعد الحوار الموضوعي وتفهم ما كان غائباً، باستثناء أصحاب المواقف المسبقة والحسابات الخاصة.لو أتيحت لك فرصة توجيه رسالة للشعب السوداني، ماذا تقول؟أقول لشعبنا العظيم: إن المستويات غير المسبوقة من التضحيات والمعاناة متعددة الأوجه، والفقد والحرمان بكل أوجهه، التي فرضتها عليكم أطراف هذه الحرب العبثية المدمرة، لن تذهب سدىً؛ فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.إن تزييفهم وتضليلهم وأكاذيبهم لن يكفوا عنها لتستمر حربهم في عبثيتها، ولكن يبقى مصيرنا واحداً وقضيتنا واحدة. ولا نصر على مشعلي الحرب ومن يقف خلفهم – بعون الله – إلا بوعينا وإرادتنا الموحدة الصلبة عبر أوسع جبهة شعبية لا تُغلب ولا تُقهر، وإن غداً لناظره قريب.The post الناطق الرسمي باسم «البعث» لـ «مداميك»: الوحدة والديمقراطية أهداف متجددة.. والحل في جبهة شعبية ترفض التفكيك وتسويات الترضية (2 من 2) appeared first on صحيفة مداميك.