الخرطوم: مداميكتسبب تضارب القرارت المصرفية المتلاحقة لبنك السودان المركزي والتراجع عنها أو تعديلها، ثم فرض قيود مشددة لا تتماشى مع الواقع الإنساني والاقتصادي المعقد الذي تفرضه ظروف الحرب الحالية في البلاد في حدوث آثار سالبة حسب مراقبين على استقطاب موارد نقد اجنبي للقطاعات المصرفية، في وقت ظلت حصائل الصادر خارج البنك المركزى ولم يتمكن الاستفادة منها وصارت بعض الشركات تتلاعب بالحصائل بعدم توريدها للجهاز المصرفي والاحتفاظ بها في بنوك خارج البلاد.وفقدت البلاد موارد ضخمة من النقد الأجنبي من عائدات الصادر، بجانب قبضة كبار تجار العملة على النقد الأجنبي، والتحكم من خلال السوق الموازي في أسعار العملات الأجنبية بالمضاربات.واتفق خبراء اقتصاد على أن تضارب قرارات بنك السودان خلق حالة من عدم اليقين مما أثر بشكل كبير على المصدرين والمستوردين، في ظل ظروف الحرب والانكماش الاقتصادي.واكدوا أن أبرز ملامح تضارب السياسات النقدية تكمن في أن البنك المركزي سمح للمصارف التجارية بشراء حصائل الصادر بأسعار السوق الحرة، ثم تراجع عنه جزئياً ليقصر هذا السعر على الصادرات المموّلة مصرفياً فقط، مع إجبار الصادرات الأخرى على الالتزام بالسعر اليومي الرسمي للمركزي، مما أدى إلى امتناع بعض المصدرين عن البيع وتهديد قطاع الصادرات بالتوقف.والعام الماضي فرض بنك السودان حظرا مصرفيا شاملا على عشرات الشركات لعدم توريدها عائدات الصادر، والشهر الماضي اتخذ إجراءات عقابية ضد مصارف وموظفين شملت إيقاف مصرفيين ببعض البنوك عن مزاولة المعاملات المتعلقة بالصادر والاستيراد، وإنهاء خدمات وإحالة موظفين للتحقيق بسبب مخالفات متعلقة بضوابط النقد الأجنبي.وفي عام 2024 قرر حظر نشاط أكثر من 200 شركة تعمل في مجال الصادر، بينما تم حظر 157 شركة أخرى في فترات سابقة لنفس السبب، ثم أعلن البنك المركزي في مايو 2024 رفع الحظر عن 163 شركة، مما سمح لها بالعودة للعمل مجددًا في مجالي التصدير والاستيراد، بعد التزامها بالضوابط وسداد ما عليها من التزامات.وفي سبتمبر العام الماضي أعلن بنك السودان فرض حظر مصرفي شامل على ستين شركة، على خلفية عدم التزامها بتوريد عائدات الصادرات وفقًا للوائح المالية المعتمدة. وقال في بيان حينها:”إن الشركات المحظورة خالفت الضوابط المنظمة لعائدات الصادر، موضحا أن القرار يأتي في إطار تعزيز الرقابة المصرفية وضمان استقرار النظام المالي“.ووجه خبراء اقتصاد انتقادات لقرارات بنك السودان لعدم المرونة في ابتداع وسائل تحفيزية للمصدرين بدلاً من الحظر الذي يعيق تعافي قطاع الأعمال، مؤكدين أن عودة حصائل الصادر يمكن أن سساهم في الحد من الطلب على الدولار في السوق الموازي.وأشار الخبير المصرفي وليد دليل في مقال له الى أن بنك السودان يعلن بين الحين والآخر عن حظر مئات الشركات المخالفة لضوابط الصرف والاستيراد، لكن هذا الحظر لم يترجم إلى ضبط فعلي لموارد النقد الأجنبي ولا إلى تقليص حقيقي لنشاط السوق الموازي، لأن أدوات المتابعة الميدانية أضعف من حجم المخالفات، والضعف الرقابي دفع المتعاملين مصدّرين وممولين على حد سواء، إلى اللجوء لأساليب بعيدة عن المصارف كلما شعروا أن سعر الصرف الرسمي لا يعكس واقع السوق، فيتغذى الموازي من فجوة الثقة ذاتها التي تخلقها القرارات المرتبكة.وقال إن آلية البنك المركزي حملت تناقضاً واضحاً فرض سعر إداري أدنى من سعر السوق الموازي على حصائل الصادر، أي مطالبة المُصدّر بالتنازل عن فارق سعري حقيقي لصالح جهة لا تتحمل مخاطر التصدير ولا كلفته.وأضاف أن القرار أدى لإحجام تدريجي عن توريد الحصائل عبر القنوات الرسمية، وتفضيل تصريفها في السوق الموازي حيث السعر أعلى، فبدل أن يوحّد القرار السعر، قطع أحد أهم روافد العرض الرسمي للنقد الأجنبي، وهو ما انعكس في تسارع انزلاق الجنيه أمام الدولار والدرهم خلال الأسابيع التالية، رغم استمرار ضخ البنك المركزي للنقد الأجنبي.فيما قال الخبير المصرفي عمر سيد احمد إن حصائل الصادر تمثل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للاقتصاد لكن ضعف القنوات المصرفية واتساع السوق الموازي يجعلان جزءًا من هذه التدفقات تصب بعيداً عن الجهاز المصرفي.وأضاف أن السماح للمصرف بمرونة أكبر في شراء حصيلة الصادر التي موّلها قد يمنحه قدرة أفضل على منافسة السوق غير الرسمية واستقطاب العملات الأجنبية، بدلاً من ترك المُصدِّر يبحث عن السعر الأعلى خارج النظام المصرفي.واكد أن سياسات بنك السودان فشلت في تحقيق التوازن بين الضبط المالي وتمكين القطاع الخاص، مما زاد من حدة الأزمة وتنامي اقتصاد موازٍ يُقدَّر بأكثر من 85% من النشاط الاقتصادي الحقيقي — هذه أرقام لا تعكس أزمة طارئة، بل فشلاً هيكلياً متراكماً.وقال ان الحرب أوقفت تدفق العملة الصعبة (من صادرات ومساعدات واستثمارات)، بينما ارتفع الطلب عليها لتمويل استيراد الغذاء والوقود والدواء. هذا الخلل يضغط باستمرار على سعر الصرف.وظل الاقتصاد السوداني يعاني من أوضاع كارثية بسبب تدهور قيمة العملة الوطنية وعدم وجود احتياطي لدى البنك المركزي منذ انقلاب 2021 للسيطرة على سوق النقد الأجنبي، إذ صار السوق الموازي هو المتحكم في تحديد سعر الصرف والمصدر الأساسي الذي تعتمد عليه الحكومة والمستوردين والمواطنين في شراء احتياجاتهم من موارد النقد الأجنبي، بعد أن دمرت الحرب المستمرة القاعدة الإنتاجية للبلاد وتوقفت المصانع، وتعطلت الموانئ، مما أدى إلى انهيار الصادرات وزيادة الاعتماد على الاستيراد، مما خلق طلباً هائلاً على العملات الاجنبية. The post تضارب القرارات المصرفية يشل حركة الصادر ويُفقد البلاد ملايين الدولارات appeared first on صحيفة مداميك.