كيف ينبغي للقوى السودانية أن تدخل المرحلة الجديدة من عملية السلام؟

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةيدخل السودان مرحلة جديدة في البحث عن مخرج سياسي للحرب المستمرة منذ أبريل 2023، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الانتقال من تعدد المبادرات والمشاورات إلى عملية سلام واضحة المعالم، ذات أهداف محددة وقواعد متفق عليها، تقود بصورة عملية إلى إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة السودانية.وفي هذا السياق، يكتسب اجتماع القوى الموقعة على إعلان المبادئ في أديس أبابا، واجتماعها المرتقب مع الآلية الخماسية، أهمية خاصة. فالقضية لم تعد سؤالاً حول المشاركة أو المقاطعة، وإنما أصبحت سؤالاً أكثر جوهرية: كيف نضمن أن تكون مشاركة السودانيين جزءاً من عملية سياسية جادة، يشاركون في تصميمها، وتفضي إلى إنهاء الحرب وبناء السلام وإعادة تأسيس الدولة؟إن الرسالة التي ينبغي أن يحملها وفد إعلان المبادئ إلى الآلية الخماسية يجب أن تكون واضحة: نحن لا نرفض الحوار، ولا الوساطة الدولية، ولا السلام؛ وإنما نريد عملية سلام ذات مصداقية، يشارك السودانيون في تصميمها، وتقوم على معايير واضحة للتمثيل والمشاركة، وتنتهي إلى نتائج قابلة للتنفيذ.لقد أظهرت التجربة أن الاعتراض على طريقة إدارة العملية السياسية وحده لا يكفي. فالقوى المدنية مطالبة الآن بالانتقال من موقع الناقد للعملية إلى موقع الشريك في تصميمها، بحيث يصبح اجتماع أديس أبابا نقطة انطلاق لمسار جديد، لا مجرد محطة أخرى في سلسلة المشاورات.ولهذا ينبغي ألا ينتهي الاجتماع بالاتفاق على اجتماع جديد، وإنما بخارطة طريق واضحة للإعداد للمفاوضات، تحدد أهداف العملية، وأطرافها، ومعايير المشاركة فيها، ومراحلها، والنتائج المتوقعة منها.فالسلام ليس مجرد جمع أكبر عدد ممكن من القوى السودانية في قاعة واحدة. الشمول الحقيقي لا يقاس بعدد المقاعد، وإنما بمدى انعكاس التنوع السياسي والاجتماعي والجغرافي للسودان داخل العملية، وبضمان مشاركة النساء والشباب والمجتمع المدني والنازحين واللاجئين والمناطق الأكثر تضرراً من الحرب.في تقديري، ينبغي أن يخرج اجتماع أديس أبابا باتفاق على إطار تحضيري لعملية السلام السودانية يتضمن سبعة عناصر رئيسية:أولاً: الاتفاق على المبادئ الحاكمة للعملية، وفي مقدمتها وقف الحرب، وحماية المدنيين، ووحدة السودان، ورفض السلطات الموازية، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، وسيادة القانون، والعدالة الانتقالية.ثانياً: وضع معايير موضوعية وشفافة للمشاركة، حتى لا يصبح اختيار الأطراف خاضعاً للأوزان السياسية أو لرغبات الوسطاء.ثالثاً: إنشاء لجنة تحضيرية سودانية واسعة التمثيل، تتولى الإعداد للمؤتمر السياسي وتنظيمه، دون أن تتحول إلى بديل عن المفاوضين أو تتولى التفاوض نيابة عن القوى السودانية.رابعاً: الاتفاق على جدول أعمال واضح يميز بين القضايا العاجلة، وفي مقدمتها وقف الحرب وحماية المدنيين، والقضايا الاستراتيجية المتعلقة بإعادة تأسيس الدولة.خامساً: تشكيل فرق فنية متخصصة في القضايا الأمنية والعسكرية، والدستورية، والاقتصادية، والدبلوماسية، والإنسانية، والعدالة الانتقالية.سادساً: إعداد موقف تفاوضي مدني موحد، يمنع تكرار تجربة تعدد المواقف والوفود، ويعزز قدرة المدنيين على التأثير في مسار التفاوض.سابعاً: الاتفاق على جدول زمني واضح للانتقال من المرحلة التحضيرية إلى المفاوضات الرسمية، وصولاً إلى تنفيذ مخرجاتها.فالمفاوضات الجادة لا تبدأ عندما يجلس المتفاوضون حول الطاولة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال الإعداد السياسي والقانوني والفني، وبناء المواقف المشتركة، وتحديد الأولويات والحدود التي لا يجوز تجاوزها.من يمثل المدنيين؟ هذه واحدة من أكثر القضايا حساسية، وينبغي حسمها في مرحلة مبكرة من الإعداد للعملية التفاوضية. فمصطلح «القوى المدنية» لا ينبغي أن يظل مفهوماً فضفاضاً يمكن لأي طرف أن يدعي احتكار تمثيله.المشهد المدني السوداني شديد التنوع، ويضم أحزاباً سياسية، وقوى وتيارات مدنية، وحركات مسلحة، ومكونات مجتمعية، ونقابات ومبادرات، ومنظمات مجتمع مدني، وشخصيات وطنية مستقلة. كما أن بعض الأحزاب والقوى المشاركة في المشاورات ترتبط بمواقف مؤيدة للسلطة القائمة في بورتسودان، ومن المتوقع أن تسعى إلى المشاركة في المفاوضات، بينما تتبنى قوى أخرى مواقف مختلفة من طرفي الحرب ومن مستقبل الدولة السودانية.ومن هنا، فإن الدعوة إلى «وفد مدني موحد» ينبغي ألا تُفهم باعتبارها دعوة إلى إقصاء هذا التنوع، كما لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تجميع شكلي لقوى متناقضة تحت مسمى واحد.المطلوب هو التمييز بين أمرين: اتساع دائرة المشاركة السياسية من جهة، ووحدة الموقف التفاوضي من جهة أخرى.فمن مصلحة السودان أن تكون العملية السياسية شاملة، وأن تجد مختلف التيارات مساحة للتعبير عن رؤاها. لكن من غير العملي أن تدخل عشرات الأحزاب والمكونات إلى قاعة التفاوض بوفود منفصلة ومواقف متباينة، بحيث تتحول عملية السلام إلى مفاوضات داخل المفاوضات.ولهذا يمكن اعتماد صيغة أكثر واقعية تقوم على وفد مدني تفاوضي جامع، تُبنى عضويته على معايير معلنة ومتفق عليها، وليس على المحاصصة الحزبية أو الادعاء باحتكار تمثيل المدنيين.ويضم هذا الإطار القوى السياسية والمدنية الملتزمة بالمبادئ الأساسية للعملية، وفي مقدمتها وقف الحرب، والحل السياسي، والحكم المدني الديمقراطي، إلى جانب الحركات المسلحة غير المنخرطة في القتال، وممثلي المجتمع المدني، والنساء والشباب، والنازحين واللاجئين، والأقاليم والمناطق المتضررة، فضلاً عن الشخصيات الوطنية والخبراء.لكن وحدة الوفد لا تعني وحدة كل المواقف السياسية. فالأحزاب والتيارات التي تختلف مع هذا الإطار، أو تتبنى مواقف مؤيدة لأحد طرفي الحرب، لا ينبغي إقصاؤها تلقائياً من المشاورات الوطنية أو العملية السياسية. بل يجب أن تُتاح لها مساحة للحوار والتعبير عن رؤاها، وفق ترتيبات تضمن في الوقت نفسه ألا تتحول المشاركة التفاوضية إلى وسيلة لتعطيل السلام أو إعادة إنتاج الاصطفافات العسكرية داخل العملية السياسية.وبذلك يمكن التوفيق بين مبدأين ضروريين: شمول العملية السياسية من ناحية، ووحدة التمثيل التفاوضي من ناحية أخرى.يمكن بناء التمثيل المدني على ثلاثة مستويات مترابطة:المستوى الأول: الوفد التفاوضي المدني الجامع، وهو الجهة التي تتولى التفاوض وتمثيل الموقف المدني المشترك أمام الأطراف المسلحة والوسطاء.المستوى الثاني: المؤتمر أو المنبر السياسي المدني الأوسع، الذي يضم الطيف السياسي والمدني والاجتماعي الأوسع، ويتيح للقوى المختلفة مناقشة القضايا الوطنية وتطوير المواقف والسياسات.المستوى الثالث: المشاورات المجتمعية المتخصصة، بما يضمن سماع أصوات النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمناطق المتضررة والمجتمع المدني والخبراء، حتى لا يتحول الوفد التفاوضي إلى دائرة مغلقة من القيادات السياسية.وبهذه الصيغة لا يصبح السؤال: «من يمثل المدنيين؟» وكأن هناك جهة واحدة تملك تفويضاً حصرياً للحديث باسم السودان، وإنما يصبح السؤال الأصح: كيف نضمن تمثيلاً مدنياً واسعاً وذا شرعية، مع الحفاظ على وحدة الهدف والقدرة على اتخاذ موقف تفاوضي واضح؟وهذه، في تقديري، هي المعادلة التي ينبغي للقوى المدنية أن تبحثها بجدية.فالتمثيل الواسع لا يعني الفوضى، والوحدة التفاوضية لا تعني احتكار التمثيل، والتعدد السياسي لا يتعارض مع وحدة الموقف حول المبادئ الوطنية الكبرى.كما ينبغي أن تكون معايير اختيار الوفد واضحة ومعلنة، وأن تقوم على التمثيل والكفاءة والالتزام بالمبادئ، لا على حجم التنظيم أو النفوذ أو العلاقات الشخصية. وينبغي كذلك أن تكون هناك آلية للمساءلة والتفويض، بحيث يكون الوفد التفاوضي مسؤولاً أمام قاعدة سياسية ومدنية أوسع، وأن تُرفع إليها القضايا الكبرى التي تستدعي تفويضاً جديداً. وبهذا يصبح الوفد أداة للتفاوض، لا مركزاً جديداً لاحتكار القرار السياسي.لا يمكن تجاهل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أي عملية جادة لإنهاء الحرب؛ لأن وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية لن تنجح من دونهما.لكن في الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول التفاوض مع الطرفين العسكريين إلى تسوية ثنائية تحدد وحدها مستقبل السودان السياسي.فالأطراف المسلحة جزء أساسي من حل الحرب، لكنها ليست وحدها صاحبة الحق في تحديد شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي.وهنا تظهر أهمية المسار الثالث: لا انتصار عسكري بديلاً عن السلام، ولا حكم عسكري بديلاً عن الديمقراطية، ولا دولة موازية بديلاً عن الدولة السودانية الموحدة.فالهدف النهائي لا ينبغي أن يكون مجرد توقيع اتفاق لوقف القتال. فقد أثبت تاريخ السودان أن اتفاقيات السلام التي لا تعالج جذور الأزمة قد تؤجل الحرب ولا تنهيها.ولهذا يجب أن ترتبط عملية السلام بإعادة بناء الدولة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، والعدالة الانتقالية، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة بناء المؤسسات، ومعالجة قضايا التهميش والتنمية غير المتوازنة، ثم الانتقال إلى انتخابات حرة ونزيهة.ويمكن تلخيص معادلة السلام المستدام في السودان على النحو الآتي:وقف الحرب + حماية المدنيين + تسوية سياسية شاملة + جيش وطني واحد + عدالة انتقالية + انتقال مدني ديمقراطي = دولة سودانية مستقرة.إن اجتماع أديس أبابا يمكن أن يمثل لحظة انتقال مهمة في مسار الأزمة السودانية، إذا نجحت القوى الموقعة على إعلان المبادئ في تحويل ملاحظاتها على العملية السابقة إلى تصور عملي للعملية الجديدة.فالرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الآلية الخماسية ليست حول إضافة مقعدٍ حول مائدة الحوار، وإنما حول المشاركة في تصميم المائدة نفسها، وتحديد قواعدها وأهدافها ومخرجاتها.السودان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد يضاف إلى قائمة المؤتمرات، ولا إلى صفقة مؤقتة بين القوى المسلحة والسياسية، وإنما يحتاج إلى عملية سلام جادة تنهي الحرب وتعالج جذورها وتمنع إعادة إنتاجها.ومن إعلان المبادئ يجب أن ننتقل إلى بناء موقف تفاوضي موحد، ومن الموقف التفاوضي إلى عملية سلام منظمة، ومن عملية السلام إلى إعادة تأسيس الدولة.فالمطلوب في النهاية ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر السودان على الحرب، وتنتصر الدولة على السلاح، وتنتصر الديمقراطية على منطق القوة.The post كيف ينبغي للقوى السودانية أن تدخل المرحلة الجديدة من عملية السلام؟ appeared first on صحيفة مداميك.