حين تصبح الضرائب شأناً أمنياً وتتحول الدولة الي حكم قراقوش

Wait 5 sec.

عمار الباقرالدكتور أحمد سليمان أحمد الوقيع، طبيب صيدلاني من أبناء الأبيض، تخرج من كلية الصيدلة جامعة الجزيرة، وعمل في مجال الصيدلة ردحاً من الزمن، ثم تحول إلى إدارة أعمال أسرته في تجارة الزيوت والحبوب الزيتية. حسب ما رشح من انباء، فقد حضرت إليه مجموعة من الأشخاص الذين عرّفوا أنفسهم بأنهم محصّلو ضرائب، وحدث بينهم جدال حول مبلغ الضرائب المستحق دفعه. حتى هنا يبدو الحدث طبيعياً، ويحدث في 90% من إجراءات تحصيل الضرائب في معظم دول العالم.غير الطبيعي هو أن يأتي محصّلو الضرائب برفقة ممثلين من الأجهزة الأمنية، من الاستخبارات العسكرية والشرطة والأمن الاقتصادي. وللحقيقة، لم أفهم المغزى من ذلك الإجراء. هل المقصود منه حماية المحصّلين وإعطاؤهم مظهراً من مظاهر القوة يقنع العملاء بدفع الضرائب دون إبطاء؟ أم مراقبة موظفي الضرائب انفسهم للتأكد من أنهم يؤدون وظيفتهم في التحصيل الضريبي بالصورة التي صرّح وزير المالية بأنه سيقوم بتمويل هذه الحرب من جيب المواطن؟ ، وحتى هذه المرحلة لا يزال الأمر في حدود المعقول، وإن كان من حقنا أن نسأل الأمين العام للضرائب ووكلاءه بالولايات عن الضوابط التي يتم بها تحصيل الضرائب بصورة تحفظ حق الدولة وفي نفس الوقت حقوق المواطن وكرامته.أما أن يتدخل فرد الأمن الاقتصادي في النقاش الدائر بين المواطن ومحصّلي الضرائب، بل ويقوم بتهديده، ثم يهرع مستنجداً بقادته الذين هبّوا لنصرة فردهم عبر انتهاك خصوصية الدكتور الوقيع وتفتيش هاتفه المحمول دون ضرورة قصوى تستدعي ذلك ودون مسوغ قانوني مقبول، وتحويل الأمر برمته من نزاع حول تحصيل الضرائب إلى قضية أمن دولة، فهذا هو إرهاب الدولة بعينه، وهو ما يذكّرنا بحكم قراقوش.وقراقوش شخصية تاريخية عاشت في العصر الأيوبي، واسمه الكامل بهاء الدين أبو سعيد قراقوش بن عبد الله، وكان من كبار رجال الدولة في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي في مصر. كتب عنه القاضي أسعد بن ممّاتي كتابًا ساخرًا بعنوان الفاشوش في حكم قراقوش ليرتبط اسمه في الذاكرة الشعبية بالاستبداد في الحكم واتخاذ القرارات الإدارية الهوجاء.من يتابع مسيرة حكم البرهان في الفترة الأخيرة يلحظ مثل هذه القرارات التي أدت إلى تذمر قطاعات واسعة من الشعب السوداني، بدءاً بحادثة محاكمة الدكتور أحمد شفا، ومحاكمة الشاب منيب عبد العزيز، وتستمر المسيرة لتنتهي بقضية الدكتور أحمد الوقيع ولا زال الحبل علي الجرار. فالقاسم المشترك بين هذه القضايا جميعاً، كما تبدو من وقائعها المتداولة، هو تسلط مجموعات موالية لحكم البرهان واستخدامها للأجهزة الأمنية في انتهاك خصوصية المواطنين، ودس أنوفهم في ونساتهم الخاصة، واستخدام ما يدور فيها لرفع دعاوى جنائية ضدهم وجرجرتهم إلى المحاكم. فمن غير المعقول أن تتحول ونسة خاصة داخل صيدلية، أو جدال مع محصّل حول مبلغ الضرائب، إلى مهدد للأمن القومي، ما لم نكن نعيش في ظل نظام ديكتاتوري مستبد يخشى على نفسه من ظله.عندما يصبح الأمن ذريعة لكل شيءالمشكلة في هذه الواقعة لا تتعلق فقط بما حدث للدكتور الوقيع، ولا حتى بمقدار الضرائب التي كان يفترض أن يدفعها. القضية الأهم هي: أين تنتهي سلطة الدولة وأين تبدأ حقوق المواطن؟الدولة الحديثة لا تدير علاقاتها مع مواطنيها بمنطق التحسس والتجسس والقوة المجردة، وإنما من خلال القانون والإجراءات والمؤسسات. فإذا كان هناك خلاف حول تقدير ضريبي، فإن القانون يحدد الجهة المختصة بالفصل فيه، ويمنح المكلّف حق الاعتراض والاستئناف والتظلم. أما توسيع مفهوم أمن الدولة إلى الحد الذي يصبح معه كل نقاش مع موظف حكومي، وكل انتقاد لمسؤول، وكل حديث خاص، وكل منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قابلاً لأن يتحول إلى ملف أمني. فهذا يعني عملياً التحول الي حكم قراقوش. فالدولة القوية صاحبة الشرعية لا تخاف من مواطنيها. والمواطن الذي يعترض على قيمة ضريبية ليس عدواً للدولة، والمواطن الذي يناقش موظفاً حكومياً ليس مهدداً للأمن الدولة، والمواطن الذي ينتقد أداء الحكومة لا يتحول بمجرد نقده إلى خصم أمني. بل إن قدرة مؤسسات الدولة على تحمل النقد والاعتراض والاحتجاج هي أحد مؤشرات قوتها.أما الدولة التي تحتاج إلى الشرطة والاستخبارات والأمن الاقتصادي لكي تدير نقاشاً حول الضرائب، فهي دولة تعاني أزمة ثقة في مؤسساتها قبل أن تكون لديها مشكلة مع مواطنيها. وهنا تحديداً تكمن خطورة ما حدث للدكتور أحمد الوقيع. فالقضية ليست في شخص الدكتور الوقيع، وليست في موظفي الضرائب، وليست حتى في أفراد الأجهزة الأمنية الذين حضروا إلى المكان. فالقضية تتمثل في النموذج الذي تكشفه الواقعة: نموذج تتداخل فيه الوظيفة الأمنية مع الوظيفة الإدارية، ويتحول فيه الموظف العام إلى صاحب سلطة قسرية، ويصبح المواطن مطالباً ليس فقط بإثبات براءته، وإنما بإثبات أنه ليس خطراً على الدولة. وهذا هو الطريق الأقصر إلى دولة قراقوش. فالدولة لا تحتاج إلى أجهزة أمنية لإثبات صحة حساباتها. وإذا هناك خلاف حول قيمة الضرائب، فليُحال إلى الجهة المختصة. وإذا كانت هناك جريمة، فليبدأ التحقيق وفق القانون.أما تحويل الخلاف الإداري إلى مواجهة أمنية، فهو اعتراف ضمني بأن القوة أصبحت بديلاً عن القانون. وهذه ليست مشكلة صغيرة؛ لأن الدولة حين تبدأ باستخدام القوة لحسم الخلافات التي يفترض أن تحسمها مؤسسات الدولة المدنية، فإنها تفتح الباب أمام نمط من الحكم يصبح فيه الاستثناء قاعدة، ويصبح الأمن مبرراً للتدخل في كل شيء، ويصبح المواطن هو الطرف الأضعف دائماً أمام الدولة.إن السؤال الذي تفرضه واقعة الدكتور أحمد الوقيع هو: هل نريد أن تصبح الدولة السودانية دولة قراقوش؟ دولة يتحول فيها الخلاف الضريبي إلى قضية أمنية، والحديث الخاص إلى دليل اتهام، والنقد إلى جريمة، والاختلاف إلى تهديد، والموظف الإداري إلى رجل أمن، ورجل الأمن إلى قاضٍ؟تكمن المشكلة في أن الدولة قد أصبحت تخشى ظلهاوهنا، بالضبط، يبدأ حكم قراقوشThe post حين تصبح الضرائب شأناً أمنياً وتتحول الدولة الي حكم قراقوش appeared first on صحيفة مداميك.