هزموا الفتن وخطاب الكراهية.. كيف قاوم السودانيون مخطط التفكيك الاجتماعي؟

Wait 5 sec.

مداميك: حواء رحمةخلقت ثورة ديسمبر المجيدة في السودان مساحة للوعي والتسامح بين المجتمع السوداني، بل صنعت أجواءً لتقارب المجتمعات ومعرفة بعضها عن قرب وذلك خلال اعتصام القيادة العامة الشهير، واكتسب الكثيرون مهارات تغذي لغة السلم ونبذ الجهوية والعنصرية، وكانت هذه خطوة حقيقية نحو التغيير، إلا أنه في الأثناء كانت هناك غرف أو مجموعات أو أفراد يحاولون جاهدين إبقاء فكرة التناحر وعزل الآخر ضمن الأجواء تمهيداً لأفكار ترمي إلى خلق فجوات مجتمعية وتفكيك النسيج الاجتماعي، مستغلين مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة (فيسبوك)، منبراً لنشر هذا النوع من الخطاب.قد لا يكون الكثيرون انتبهوا لمثل هذه المنشورات التي تبدو في ظاهرها كنكتة عابرة، ولكن أثرها يظل باقياً لأنه يلامس مجتمعات أو جماعات يتم الإشارة لها عمداً، قد يكون الأمر مخططاً له أو يكون مجرد أناس اعتادوا على التنمر أو مصابون بمرض العنصرية، إلا أن هذا النوع من الخطاب تفشى أكثر وانتشر بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023.وبالرغم من أن الجميع وجدوا أنفسهم أسرى لواقع جديد وعليهم أن يحزموا حقائبهم أو يستعدوا للجوء والنزوح، وآخرين تقطعت بهم السبل وظلوا عالقين في مناطق الاشتباكات، كان هنالك في الجانب الآخر من الأزمة أشخاص أعدوا العدة للعمل على بث خطاب كراهية، ضاربين بمعاناة الملايين عرض الحائط، محاولة منهم لتصوير الحرب بأنها حرب الجميع، وتناسوا المخاطر الجسيمة التي يمكن أن تلحق بالأبرياء في كل بقاع السودان.السؤال عن الهوية نقطة مرور:أم كلثوم امرأة في العقد الخامس دفعتها الحرب إلى النزوح والفرار من حمم القذائف وأزيز المدافع والمسيرات وأصوات الرصاص التي لا تنقطع، كانت وأسرتها يقطنون في حي طرفي لا يعرف حدوداً للسودان، كل ما يجمع سكانه هو وطن فيه كل الوجوه، عاشوا لعشرات السنين قبل أن يستيقظوا ذات يوم على وقع الحرب، فسارعت كلثوم وأسرتها إلى الهرب مثلها كآلاف السودانيين، وبينما اختارت بناتها النزوح نحو شمال السودان ذهبت هي إلى مسقط رأسها في غرب السودان، إلا أن المقام لم يطب لها والبنات في مكان لأول مرة يذهبون إليه، فقررت أن تلحق بهم، الطريق لم يكن معبداً كان محفوفاً بالمخاطر، انتشار كثيف لقوات الدعم السريع، لا يسلم مواطن من السؤال إلى أين وجهته، النساء، الشباب، الأطفال، أسئلة قاسية يصاحبها الجلد أحياناً والنهب، لا مهرب من هذا الحصار المطبق، وإذا قدر للرحلة أن تصل إلى وجهتها ستجد عقبات أيضاً وأسئلة الهوية التي لا تنتهي، فقد فرضت الحرب هذا الواقع، وأقحمت المكونات الاجتماعية عنوة في هذا الصراع.عند الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش هناك سمعت كلثوم بما يتداول ويسمى قانون الوجوه الغريبة، وتفحصت مخيلتها ماذا يعني ذلك، سألت ماذا يعني ذلك، أجابها أحد ركاب البص أنهم يقصدون المتسللين أو المقاتلين لا المواطنين، انفرجت أساريرها، إلا أن الرهبة عادت لها عندما طالبوهم في إحدى ارتكازات الجيش بالرقم الوطني، كان قلبها يدق بشدة لأنها لأول مرة في حياتها يطلب منها الهوية في المواصلات أو السفريات، أخرجت من حقيبتها المهترئة الهوية، تفحصها الجندي جيداً وطلب من الجميع الترجل من على متن البص حتى يتم التحقق من هوياتهم.قال لهم الجندي: “هذا إجراء عادي لسلامتكم”، أمضت كلثوم ومن معها ساعات حتى تم السماح لهم بالمغادرة بعدها تنفست الصعداء، ولكن في روايتها قالت: “إنها تستغرب لماذا وصل الحال بالمواطن إلى هذا الحد لدرجة أن يرانا الجميع بأننا متهمون”، ولكنها سرعان ما عادت بعد تنهيدة تصحبها الدموع وقالت إنها الحرب، نعم إنها الحرب.أم كلثوم ليست وحدها من عانت في رحلتها أثناء النزوح، هناك الآلاف من المواطنين تعرضوا إما للاحتجاز والتحقيق أو تعرضوا إلى الضرب والشتم بسبب النزوح العكسي، فالشاب عبد الله مثله مثل كثير من الشباب يعملون في الولايات، وفي رحلة نزوعه قاصداً مسقط رأسه الشمال أيضاً واجه الشتم والنهب من قبل أفراد من قوات الدعم السريع يعرفون باسم الشفشافة، كانت مهمتهم احتجاز الحافلات التي تعبر من الخرطوم إلى الولايات، يتحققون من المواطنين ما هي الأسباب التي تدفعهم إلى الذهاب إلى مناطق الجيش، ويتهمونهم بالتعاون أو التعاطف، كان النزوح بالنسبة للكثيرين مخاطرة لا بد منها وكانت في كل مسافة معاناة مضاعفة.مجتمعات جمعتها تكايا المعاناةالحرب جعلت من التماسك المجتمعي طوق حماية للتفكك ومنبراً يبث صوت الناس إلى العالم وتعايشهم، لقد نزح آلاف السودانيين إلى الداخل في رحلات عكسية لكل ولايات السودان بمختلف مكوناتها المجتمعية، ووجدوا في مقامهم الجديد كل الترحيب، وقد رأينا كيف كانت تبكي النساء عند عودتهن إلى ولاية الجزيرة والخرطوم حزناً على فراق مناطق أحسنت ضيافتهم سواء كان في الشمال أو الوسط أو الشرق أو الغرب، كانت تلك الرسائل تهزم كثير من الخطابات التي خُطط لها لهدم النسيج الاجتماعي وتأجيج خطاب الكراهية، لقد سقطت تلك المنابر تحت إصرار الناس على التماسك مع بعضهم البعض، تجمعهم تكايا الطعام في صحن بليلة، وجرعة ماء في جالون، وحبة بندول وقت شدة المرض، لقد حمل القوي منهم الضعيف على ظهره وتقاسموا مشقة الطرق الطويلة وصولاً إلى وجهتهم، تلامس أقدامهم الحر، ولكن أرواحهم يحفظها الإصرار على وقع الحرب.لقد صورت لنا عرفة أحمد التي تعمل بإحدى تكايا شرق النيل كيف عاش الناس اللحظات العصيبة طوال أيام الحرب بمختلف سحناتهم، تجمعهم المعاناة وحسرات الحرب التي لم تفرق بين اتجاهات الناس الجغرافية، بل أذاقتهم جميعاً مرارة الفقد والتعب والإهانة والخوف.خطاب رسمي في ظل حرب إعلاميةمن الصورة المجتمعية أعلاه نعود إلى ما يعرف بقانون الوجوه الغريبة، فكان سؤال الناس فيما بينهم هل كان الناس غرباء فعلاً في واقع الحال أم فرضت ذلك الواقع الحرب.تشير المعلومات إلى أن هذا القانون المفترض ليس بقانون موضوع أو تشريعاً متفقاً عليه بالمعنى، وإنما يعتبر مصطلحاً إعلامياً وإنذاراً أمنياً ظهر في فترة الحرب الغرض منه توقيف النازحين المشتبه بهم في مناطق سيطرة الجيش، وقد وجد المصطلح مناهضة حقوقية وأُثير إعلامياً، وقد تداول عدد من النشطاء أحداثاً وقعت بحق مواطنين من إقليمي كردفان ودارفور يقال إن السبب خلفها هذا القانون الذي يشار إليه بأنه نوع من التمييز ويعد تمهيداً لعزل المناطق جغرافياً.في الوقت ذاته لم تخلُ خطب المسؤولين في الحكومة السودانية من ضرورة إبعاد الجهوية والعصبية والقبلية من نطاق الدولة، وكان ذلك عبر خطابات لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان في مخاطبة للجنود بإحدى المواقع، كما أشار رئيس أركان الجيش ياسر العطا، في أكثر من مخاطبة إلى أن الجيش السوداني مؤسسة تضم كل القبائل وهي قومية وإن الحرب لا تستهدف أي مكونات قبلية والحرب ليست ضد القبائل.وجاءت التصريحات في الوقت الذي اتهمت فيه بعض المكونات القبلية الجيش باستهداف مناطقها عبر الطيران الحربي بشكل متعمد، الأمر الذي أدى إلى مقتل المئات بحسب ما نشر عبر منصات محلية، كما حملت منظمات حقوقية الجيش والدعم السريع استهداف المناطق السكنية دون مراعاة للمدنيين وما ورد من محاذير في جولات التفاوض السابقة بضرورة حماية المدنيين ومناشدات الأمم المتحدة بضرورة فتح ممرات آمنة وعدم استهداف البنى التحتية.وفي أكتوبر من العام 2024 اتهم قائد قوات الدعم السريع إحدى قبائل الشمال بإشعال الحرب وقال إن الحرب ضد قواته حرب قبلية، مشيراً إلى قيادات من قبائل الشمال يديرون الحرب على أساس عرقي، الأمر الذي أدى إلى استنكار واسع لاتهاماته واستهداف مكونات بعينها، قبل أن يعدل عن رأيه في خطاب آخر ينادي فيه بوقوف الشعب السوداني من خلفه وأنه يريد أن يحرره من قبضة الإسلاميين وأنه لا يستهدف قبائل بعينها على حد قوله.معاناة المجتمعات من خطاب الحربوترى الباحثة د. عزة مصطفى أنه على مستوى المجتمع لم يكن هناك خطاب كراهية بالذات من الناحية الإثنية بصورة واضحة، بدليل أن الناس يقطنون في حي واحد متنوعين من الشمال ومن الشرق والغرب ولم يكن هناك تمييز في التعامل على أساس مناطقي، مشيرة إلى أنه لم يلاحظ ذلك من خلال التعامل اليومي، فقد ينحصر السؤال عن النسب الجغرافي في حالة الزواج كما جرت العادة عند السودانيين، لأن هناك قبائل متحفظة في خلق علاقة مع إثنيات محددة وكان ذلك في أزمان سابقة، ولكن في الوقت الراهن أصبح الشباب يضغطون على الأسر لعدم الوقوف في مسألة النسب وكان ذلك تفكيراً قديماً.وعادت وقالت: “ولكن بعد الثورة هناك كثير من الناس تجاوزوا هذا الموضوع”.. لافتة إلى أنه فيما يخص الحياة المجتمعية هذا لم يكن بصورة واضحة، ولكن بعد الحرب ظهر السؤال أنت (جاي من وين) ويتم التوقيف والسؤال، وهذا مفهوم في ظل الحرب الراهنة. وأضافت إلا أن هذا يعكس بأن الطرفين استغلوا هذا الوضع لإعلاء الخطاب الإعلامي وفي ذات الوقت يستغلون بها المجموعات التي تنتمي إلى مناطقهم ويطرحون عليها فكرتهم بأن لهم قضية، وبأن الآخر مختلف وإن المشكلة ليست موارد أو أزمة سلطة وثروة ومحاولة تكريس الموضوع، وإنما هي مشكلة إثنية ومناطقية، ولكن في الأصل هو صراع سلطة وثروة وتحشد كل مجموعة بهذا الخطاب وتستدر عطف الناس حتى تجد لها مناصرين من المجموعات.ومضت عزة في حديثها بقولها: “هذا إلى حد كبير يمكن أن يفكك التماسك المجتمعي وفي رأيي أنه بعد الحرب سنحتاج إلى زمن طويل حتى نتعافى من الخطاب المستخدم في الوقت الراهن سواء كان من قبل الدعم السريع أو الجيش، ويجب أن نعترف بأن هذه الحرب ليست قبلية أو حرب إثنية وإنما حرب ثروة وسلطة ونتقاسم منافع”، مؤكدة أن هذه واحدة من التحديات التي يمكن أن تواجه الناس مستقبلاً في كيفية إعادة التماسك المجتمعي.وأشارت إلى أن المجتمع قادر على ذلك لأن التسامح عند المجتمع السوداني كبير، واعتبرت أن خطاب الكراهية (فورة لبن) على حد قولها لأن ظروف الحرب أوجدت هذا الخطاب والناس استخدمته كسلاح، ولكن في كثير من الأحيان الناس لا تنظر لهذا كشيء أصيل في الخلاف الجاري الآن، وبعد انتهاء الحرب سيتمكن الناس من إدارة خلافاتهم بصورة واضحة وتفهم بأن ما حدث كان لتأجيج نار الحرب.لافتة إلى أن هناك دوراً كبيراً يقع على أكتاف المجتمع المدني السوداني فإنه لا بد من العمل على هذا الموضوع حتى يسمو الناس عن خطاب الكراهية لأنه يعود بنا إلى الوراء ولا يمكننا من المضي إلى الأمام، ونحن نعيش في بلد شبه منهارة فلا بد من تماسك المجتمع حتى لا تنهار أكثر، مشددة على أنه إن لم يتماسك المجتمع ستنهار الدولة بكل تأكيد ولا تبقي لا أسود ولا أبيض وتصبح بلداً متفككاً، وأردفت ولكن نعول على دور المجتمع المدني والمنظمات في إعادة التماسك والتعافي من الشروخ التي حدثت ليعيش الناس في ظروف أفضل بعد الحرب.تدجين الادارات الاهليةمن جهته قال الصحفي المهتم بقضايا النزاعات لؤي عبد الرحمن إنه منذ بداية الحرب كانت هناك منشورات من قوات الدعم السريع تقول إن الجيش السوداني وداعمه يريدون الانقضاض على الحواضن الاجتماعية، لذلك الكثير من القبائل في تلك المناطق دخلت في صفوف الدعم السريع. وخلال هذه الفترة ساد غبن شديد بسبب الانتهاكات التي حدثت في الجزيرة، وفي الجنينة والفاشر، وفي عديد من المناطق، وأضاف أن النعرات القبلية باتت خلال هذه الفترة هي المسيطرة لأن كثيراً من المناطق تعرضت إلى انتهاكات كبيرة وحدث غبن كبير، ورغم أن المواطنين ليس لهم ذنب ولكن تمت مهاجمتهم، وكذلك حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من التسجيلات بمن يسمون أنفسهم بأسماء قبائلهم ويسبون القبائل الأخرى أو يتوعدونها.وأردف: “هذا ما ساعد في تصاعد الغبن تجاه الآخر وساهم في نشر خطاب الكراهية، هذه مشكلة كبيرة برزت خلال الفترة الأخيرة وآثارها باقية”، واعتبر أنه لا يعتقد أنها ستمحى في القريب، لأن كثيراً من المجتمعات تعرضت إلى ظلم كبير وانتهاكات كبيرة بالرغم من أنها ليس لها يد في هذه الأوضاع السياسية والأحداث التي تجري الآن.ولفت عبد الرحمن إلى أن هناك في المقابل أشخاصاً ذوي عقول يتمسكون بوحدة السودان وبالأخلاق وحقوق الإنسان ونبذ خطاب الكراهية ويسعون دائماً إلى إبعاد القبائل والمجتمعات عن هذه الحرب، ويتحدثون في وسائل التواصل الاجتماعي ووسط أهلهم بأن هذه الحرب ليست حرباً بين القبائل، هذا الخطاب بالرغم من أنه يواجه بتحديات كبيرة ونقد كبير من قبل أبناء العديد من المناطق، ولكنه صمد، ولو أن الذين يتبنونه يحسبون بأصابع اليد ولكنهم صمدوا وتأثيرهم كان كبيراً بتنوير أهل المناطق وأهل القبائل بأن هذه الحرب حرب سياسية وليست حرباً إثنية أو حرب قبيلة.وأبان أن خطورة الأمر زادت عندما انحازت بعض الإدارات الأهلية في دارفور إلى الدعم السريع، وكذلك انحازت إدارات أهلية في الوسط وبقية المناطق للقوات المسلحة، وكأن المنافسة باتت بين قبائل كل منها يتبع إلى طرف من الأطراف، هذا الأمر عزز من خطاب الكراهية ورفع من وتيرته، “لذلك إذا أردنا أن نوقف هذا الخطاب لا بد من إبعاد الإدارات الأهلية عن العمل السياسي وإبعادهم من خطاب الحرب وترك الدولة والمؤسسات هي التي تتبنى هذه الحرب والتحشيد والاستنفار وغيرها، وتركز الإدارات الأهلية في شؤون المواطنين وفي المصالحات ورتق النسيج الاجتماعي”.تحذيرات ومناشداتوكان المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أعلن أن حصيلة القتلى خلال العام 2025 بلغت حوالي 11 ألف قتيل مدني في ظل تصاعد حرب الطائرات المسيرة واستهداف المناطق المأهولة بالسكان، كما حذرت تقارير أممية من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في ظل عدم استجابة الأطراف المتحاربة إلى وقف إطلاق النار وفتح المسارات الإنسانية مما يفاقم معاناة المواطنين.في السياق يرى مهتمون بقضايا النزاعات والمجتمعات بأن استمرار الحرب يؤدي إلى هشاشة تلك المجتمعات ويمكن استغلالها بصورة أوسع في القتال، الأمر الذي يعرضها إلى خسائر بشرية كبيرة تؤثر على الاستقرار في تلك المناطق، وطالبوا أطراف الحرب بعدم الزج بالمجتمعات في الحروب وعدم استهدافها على أساس مناطقي.The post هزموا الفتن وخطاب الكراهية.. كيف قاوم السودانيون مخطط التفكيك الاجتماعي؟ appeared first on صحيفة مداميك.