مداميك: ندى رمضانفي بلد انهكته الحرب، لم تعد أزمة المعيشة مرتبطة بارتفاع الأسعار وحدها، بل اصبحت نتيجة مباشرة لتراجع الإنتاج، وتعطل الأسواق، وتدمير الإمداد، والنزوح واستنزاف مصادر دخل ملايين السودانيين، وبينما تتسع دائرة الفقر وتعجز قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، يعود الحديث عن التعاونيات باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد المواطنين على تنظيم مواردهم وتقليل كلفة الحصول على السلع والخدمات، خصوصا أنها لعبت دورا كبيرا بهذا الشأن في وقت سابق.لكن الرهان على التعاونيات يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً: “هل تستطيع هذه المؤسسات، في ظل حرب مستمرة واقتصاد منهك وضعف مؤسسات الدولة، أن تتحول إلى وسيلة حقيقية لتخفيف الفقر والمعاناة، أم أن واقع الحركة التعاونية نفسها يجعلها غير قادرة على أداء هذا الدور؟فالتجربة السودانية تمتلك تاريخاً طويلاً من العمل التعاوني، بدأ بمبادرات أهلية بين المزارعين قبل ظهور التشريعات المنظمة، ثم توسعت التعاونيات الزراعية والاستهلاكية والخدمية عبر عقود، قبل أن تتعرض الحركة لتدخلات سياسية وإدارية متكررة أضعفت استقلاليتها وأثرت في قدرتها على الاعتماد على أعضائها.ويرى مستشار التعاونيات والتنمية المستدامة وخبير التدريب وبناء القدرات، د.محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي، في حديث لـ(مداميك) أن التعاونيات إذا أُسست بصورة صحيحة، يمكن أن تكون من الأدوات المهمة في تخفيف أعباء المعيشة، لأنها تتيح للمواطنين تنظيم مواردهم والعمل بصورة جماعية لتلبية احتياجاتهم، بدلاً من انتظار الحلول الحكومية.غير أن هذه الإمكانية تصطدم بإرث من التدخل السياسي وضعف الوعي التعاوني، فضلاً عن الحرب التي عطلت مؤسسات الدولة وأضعفت الأسواق والإنتاج وحركة رأس المال. كما أن تحويل التعاونيات إلى واجهات للحصول على المنح أو التمويل الخارجي قد يفقدها جوهرها القائم على الاعتماد على الذات والاستقلالية.إرث طويل من التعاون:ويقول العتيبي إن تاريخ الحركة التعاونية السودانية يمكن تقسيمه إلى مراحل رئيسية، بدأت بتجارب تعاونية غير رسمية وسط المزارعين في مناطق مختلفة من الريف السوداني، من بينها الشمالية وحفير مشو ودلتا طوكر، خلال الفترة من 1921 إلى 1947، وهي المرحلة التي سبقت صدور أول قانون للتعاون في السودان.ويشير إلى أن تلك التجارب شكلت أرضية لنمو الحركة التعاونية، قبل أن تبدأ مرحلة التشريع والتأسيس منذ عام 1948 وحتى أواخر الستينيات، مع صدور أول قانون للتعاون عام 1948، ثم توسع التعاونيات الزراعية والاستهلاكية وظهور الاتحادات التعاونية.وشهدت الفترة التي أعقبت عام 1969 توسعاً كبيراً في عدد التعاونيات، خاصة الاستهلاكية، إلا أن هذا التوسع ترافق مع زيادة التدخل الحكومي في التأسيس والإدارة، فتحولت بعض التعاونيات إلى قنوات لتوفير السلع للمواطنين بأسعار مخفضة، على حساب استقلاليتها واعتمادها على موارد أعضائها.أما بعد ثورة ديسمبر، فقد ظهرت محاولات جديدة لإعادة تنشيط الحركة وإصلاح الإطار القانوني المنظم لها، من بينها إعداد مشروع لتعديل قانون التعاون في عام 2020، لكن لم تتم إجازته، قبل أن تؤدي التداعيات السياسية عقب انقلاب أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى تعطيل تلك الجهود.السياسة أضعفت الفكرة:لم يكن تراجع الحركة التعاونية نتيجة الحرب وحدها، فالتدخل السياسي والإداري ظل أحد أبرز العوامل التي أثرت في استقلاليتها، كما ينبه العتيبي، لافتا إلى أن قانون التعاون لعام 1982 منح المسجل وإدارة التعاون سلطات واسعة للتدخل في شؤون التعاونيات، كما منح الوزير المختص صلاحيات كبيرة في التعيين داخل الاتحادات التعاونية، وهو ما أسهم في تحويل جانب من الحركة إلى مؤسسات أقرب إلى الأجهزة الحكومية.وبعد انتفاضة 1985، حاول التعاونيون استعادة استقلال الحركة وتطوير القانون، إلا أن انقلاب 1989 قطع الطريق أمام تلك المحاولات، ودخلت الحركة مرحلة جديدة من التراجع.ويرى العتيبي في حديثه لـ(مداميك) أن المشكلة لم تكن في التشريعات وحدها، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والحركة التعاونية؛ فبدلاً من أن تضع الدولة الإطار القانوني وتترك للأعضاء إدارة مؤسساتهم، أصبح التدخل في بعض المراحل يمتد إلى الإدارة والقرار والموارد.هل تخفف التعاونيات كلفة المعيشة؟في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات وتراجع الدخول، تبدو الفكرة التعاونية أكثر ارتباطاً بالواقع اليومي للمواطن، يقول العتيبي، مشيرا الى ان الدور الأساسي للتعاونية هو خدمة أعضائها، سواء كانت استهلاكية أو زراعية أو خدمية أو تمويلية، موضحاً أن مجموعة من المواطنين عندما تجمع مواردها لتلبية احتياجات مشتركة فإنها تقلل من اعتمادها على السوق بصورة فردية.ويضيف أن التعاونيات لا تحل محل الدولة، لكنها يمكن أن تساعد في معالجة جزء من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تنظيم الموارد وتوجيهها نحو الاحتياجات الحقيقية للأعضاء.ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتخذ التعاونيات أشكالاً متعددة في السودان، من بينها شراء السلع بالجملة وتوفيرها للأعضاء، وتجميع المنتجات الزراعية، وتخزينها وتسويقها، وتوفير المدخلات الزراعية، وإنشاء مشروعات إنتاجية وخدمية مشتركة. لكن نجاح هذه النماذج لا يرتبط بمجرد تسجيل تعاونية جديدة، وإنما بقدرتها على العمل وفق نموذج اقتصادي واضح وقابل للاستمرار.الحرب تعمّق الأزمة:ويؤكد العتيبي ان الحرب أدخلت الحركة التعاونية في اختبار جديد، بعدما ضربت مناطق الإنتاج والأسواق وطرق النقل وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح، منوها الى أن الحرب أثرت بصورة كبيرة في الاقتصاد والمجتمع، لكنها ليست السبب الوحيد في تراجع الحركة التعاونية، مشيراً إلى أن دولاً شهدت حروباً مدمرة استطاعت التعاونيات فيها أن تساعد المواطنين في مواجهة آثار النزاع.وبالنسبة للسودان، فإن التحدي يتمثل في إعادة توظيف التعاونيات داخل بيئة اقتصادية وأمنية شديدة الصعوبة، حيث تحتاج أي تعاونية إلى سوق وموردين ووسائل نقل ورأس مال وبيئة قانونية مستقرة نسبياً.ومع ذلك، فإن طبيعة العمل التعاوني القائمة على تجميع الموارد قد تمنحه ميزة في بعض المناطق المتضررة؛ فبدلاً من أن يواجه المزارع أو المستهلك الأزمة منفرداً، يمكن لمجموعة من الأعضاء تقاسم كلفة الإنتاج والشراء والتخزين والتسويق.التعاونيات ليست بديلاً للدولة:ورغم الآمال التي يثيرها إحياء الحركة التعاونية، يحذر العتيبي من تحميلها أكثر مما تحتمل، مبينا ان التعاونيات، بحسب رؤيته، لا تستطيع أن تحل محل الدولة، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تعالج التضخم والفقر والبطالة وتدهور الإنتاج. فالدولة، في المقابل، مطالبة بتوفير البيئة القانونية والتشريعية والسياسات الاقتصادية التي تسمح للتعاونيات بالعمل، من دون أن تتحول إلى مدير مباشر لها. وتكمن المعادلة في أن تكون الدولة منظماً وميسراً ورقيباً، بينما تظل التعاونية ملكاً لأعضائها وتدار بصورة ديمقراطية ومستقلة.العضوية قبل رأس المال:ومن أكبر التحديات التي تواجه الحركة التعاونية، وفق العتيبي، ضعف الوعي لدى كثير من الأعضاء، إذ يؤكد أن نجاح التعاونية لا يقاس بعدد أعضائها أو حجم رأس مالها فقط، وإنما بمدى وعي العضو بحقوقه وواجباته وقدرته على المشاركة في اتخاذ القرار والرقابة على الإدارة. محذرا من التوسع السريع في تأسيس التعاونيات من دون إعداد أعضائها، لأن العدد الكبير لا يعني بالضرورة وجود حركة تعاونية قوية.ويضيف مستشار التعاونيات والتنمية المستدامة أن التعاونية الناجحة يمكن أن تبدأ بمجموعة محدودة من الأشخاص الذين لديهم حاجة مشتركة، ثم تنمو تدريجياً بناءً على نجاح النشاط وقدرته على تحقيق عائد وخدمة حقيقية للأعضاء.المنح.. فرصة أم فخ؟ومع تزايد الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية، قد تبدو المنح الخارجية فرصة سريعة لإعادة تشغيل التعاونيات، إلا أن الاعتماد عليها يحمل مخاطر. ويحذر العتيبي من تأسيس التعاونيات بهدف الحصول على المنح، لأن ذلك يحول التعاونية من مؤسسة قائمة على احتياجات أعضائها إلى مشروع ينتظر التمويل الخارجي.واكد أن بعض التجارب تبدأ بالحصول على منحة قبل تحديد النشاط أو دراسة السوق، ثم ينصب الإنفاق على المباني والأثاث بدلاً من الاستثمار في النشاط الاقتصادي نفسه، مشددا على أن دراسة الجدوى وتحديد السوق وتوفير رأس المال المناسب ينبغي أن تسبق الإنفاق، وأن المنحة يمكن أن تكون عاملاً مساعداً، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى أساس لاستمرار التعاونية.الزراعة بوابة التعافي:قد تكون التعاونيات الزراعية واحدة من أكثر المجالات التي يمكن أن تستفيد من النموذج التعاوني في السودان، بالنظر إلى أهمية الزراعة في الاقتصاد وارتباطها المباشر بالأمن الغذائي. ويضرب العتيبي مثالاً بمجموعة من المزارعين لديهم محصول معين وخبرة في إنتاجه، ويمكنهم تأسيس تعاونية تساعدهم في توفير المدخلات أو التخزين أو التصنيع أو التسويق. وفي مثل هذه الحالة، لا تكون التعاونية مجرد وسيلة لتوزيع السلع، وإنما تتحول إلى حلقة اقتصادية متكاملة تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند البيع.وهذا النموذج يمكن أن يقلل خسائر المنتجين، ويحسن قدرتهم التفاوضية أمام الوسطاء، ويوفر فرصاً لإنشاء مشروعات صغيرة مرتبطة بالإنتاج الزراعي.ما المطلوب لإنقاذ الحركة؟يرى العتيبي أن إعادة بناء الحركة التعاونية تبدأ بإعادة بناء الفكرة نفسها، وليس بزيادة عدد التعاونيات. ويشمل ذلك إصلاح التشريعات بما يضمن الاستقلالية، وتوفير جهاز حكومي متخصص لتنظيم القطاع ومساندته، ورفع الوعي التعاوني، وتطوير قدرات الأعضاء والإدارات، وإجراء دراسات جدوى حقيقية قبل إنشاء المشروعات.كما يتطلب الأمر توفير قنوات تمويل مناسبة من القطاع المصرفي والمنظمات، على أن تكون هذه الجهات شريكاً في التطوير وليس بديلاً عن رأس المال الذاتي للأعضاء. وتحتاج التعاونيات كذلك إلى الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا والتدريب والخدمات الاستشارية، خصوصاً في مجالات الإدارة والمحاسبة والتسويق وسلاسل الإمداد.وشدد العتيبي علي ضرورة الاهتمام بمنظومة التعليم والتثقيف والتدريب ونقل المعرفة التي تبني الإنسان التعاوني، وتطوّر قدرات أعضاء التعاونيات وقياداتها وموظفيها، وتنشر الثقافة التعاونية في المجتمع وهذا يستند مباشرة إلى المبدأ التعاوني الخامس: التعليم والتدريب والمعلومات.فالتحالف التعاوني الدولي ICA يقرر أن التعاونيات توفر التعليم والتدريب للأعضاء والممثلين المنتخبين والمديرين والموظفين حتى يستطيعوا المساهمة بفعالية في تطوير تعاونياتهم، كما تقوم بإعلام الجمهور، وبخاصة الشباب وقادة الرأي، بطبيعة التعاون وفوائده.مع ضرورة الانتباه الي أن التعليم والتدريب في الحركة التعاونية ليس نشاطًا إضافيًا يأتي بعد تأسيس التعاونية، بل هو جزء من هوية التعاونية نفسها، ويبدأ قبل تأسيس التعاونية، ويكون الهدف النهائي تمكين التعليم والتدريب وبناء القدرات التعاوني أن يساعدا الحركة التعاونية على البقاء وإعادة البناء في ظروف الأزمات والصراعات. ويجب هنا علي التركيز علي التحول الرقمي عند تأسيس التعاونيات، خاصة وانه في 2026، أصبح التحول الرقمي جزءًا واضحًا من النقاش الدولي حول التعليم التعاوني؛ إذ تؤكد ICA-AP أن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يساهم في تعزيز الحوكمة والمساءلة المالية والقيادة ومحو الأمية الرقمية.إعادة بناء الثقة:تبدو أزمة التعاونيات السودانية أعمق من مجرد غياب التمويل أو توقف بعض المؤسسات؛ فهي أزمة ثقة واستقلالية ووعي تراكمت عبر عقود. والحرب، رغم أنها ضاعفت حجم المشكلة، قد تجعل الحاجة إلى التعاون أكثر إلحاحاً؛ فالمواطن الذي فقد مصدر دخله أو نزح من موطنه يحتاج إلى آليات تساعده على استعادة قدرته الإنتاجية، وليس فقط إلى مساعدات مؤقتة. ومن هنا يمكن أن تكون إعادة بناء الحركة التعاونية جزءاً من عملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي، إذا انتقلت من نموذج يعتمد على تدخل الدولة والمنح إلى نموذج يقوده الأعضاء ويقوم على الإنتاج والاعتماد على الذات.لكن نجاح هذا الخيار يظل مشروطاً بوجود بيئة تسمح له بالنمو؛ تشريعات تحمي الاستقلالية، ومؤسسات تنظم ولا تهيمن، وتمويل لا يصنع التبعية، وأعضاء يعرفون حقوقهم وواجباتهم. وبين الحاجة المتزايدة إلى حلول جماعية وإرث طويل من التدخل السياسي والضعف المؤسسي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السودان إعادة بناء حركة تعاونية مستقلة قادرة على تحويل موارد المواطنين المحدودة إلى قوة اقتصادية تخفف عنهم وطأة الحرب والفقر؟ The post فرصة لدرء الفقر وتجربة مثقلة بالأزمات.. هل تنقذ التعاونيات السودانيين من تداعيات الحرب؟ appeared first on صحيفة مداميك.