(13 من 15) … الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989: الترابي المُغامرة في الوِفاق، والمُقامرة بالائتِلاف

Wait 5 sec.

د. عصام محجوب الماحي•حوالي الساعة السابعة صباح يوم الأربعاء 25 يناير 89 أيقظني الوالد محجوب الماحي وكنت قد انتقلت مُتأبِّطاً لحافي من سرير في “الحوش” ووضعته على آخر قابع تحت حائط شرقي، بحثاً عن آخر ظِل يُمْكِن أنْ أنتقِل إليه قبل أنْ تغطّي الشمس كل مِساحة “الحوش”، فتنتهي عادة حمل اللحاف و”المُساسقة” به من ظلٍّ لآخر، أو ترك ما تبقى من نِعاس والاستعداد للخروج من منزل لا أدري متى ستكون العودة إليه.كنت، مُذْ عُدت من الدراسة الجامعية في رومانيا عام 1982؛ “محل ما أمسى أرسى”، دون أنْ احمِل معي “غيار”. وبرغم أنّ حديثي عن ليبراليتي تثبته كثيراً من آرائي وكتاباتي، لا يؤكِّده سلوكي. كنت اشتراكي النزعة في احتياجاتي. دواليب أشقائي وبالأخص الأكبر والأصغر مني صلاح وعادل، تصبح دواليبي بموافقتهما أحياناً وفي غفلة منهما مرّات. وطريقي مفتوح إلى جلاليب وسراويل وعِمَمِ والدي بمُساعدة والدتي، فلا يتردّد والدي في وصفها بالانحياز فيما يدعو لحيادها لفضِّ الاشتباك بيني وبينه، فانصاع لعقوبات مالية ذكية يَفْرِضها عليَّ تأخُذ طريقها إلى آخرين حيث يده ومحفظته وجيبه ومعاشه وكل ما يجمعه من دارِ ممرٍّ، تَسْتَقِرّ حيث لا يشركنا في معرفة اين تنتهي، مُكتفياً بالقول “إنّ الخير سيعود إليكم راجِعاً فاصبروا وهاتوا”.وكنت شريكا لأبناء خالتي صفية بت النور مصطفى في ملابِسهم، وبالأخص مع ابنها الأكبر د. فيصل حسين عبد الرحمن. وأتقاسم كل شيء مع جارنا في ود البنا بامدرمان صديقي كمال معتصم الأقرع، بدءً من الملابس وحتى الأحلام.كانت حبوبتي ليبه بِت نُقد، تطلِق عليَّ “سكين بخيت”. وبخيت هذا الذي لا أدرى من هو وما هي حكايته، يقال أنّ سكينه دائماً مسلولة قَلَّما يدخلها في غمدها. وحقيقة انّني لا أدري متى ذهبت لخياط وحملت معي قماش بوبلين أو سكروتة لأعود مُتأبِّطاً جلابية أو عراقي، فكيف لا تطلِق عليَّ حبوبة ليبه ذلك الوصف، وهي كثيرا ما ترى نصفي الأعلى عاريا، مُتنقِّلاً من غرفة لأخرى باحِثاً عن عرّاقي؟كان الوالد عندما يأتي صديقي الفنان المُصمِّم عصام حميدان ليسأل عنّي ولا يجِدني، يقول له: “لمَّن” تقابِل عصام قول ليهو أبوك بسلَّم عليك ومُشتاق يشوفك. الترابي أهمل تحذير “زرقاء اليمامة” من امتطاء العسكر سلماً للصعود للسُلطةعندما أعود للمنزل أجده نائماً، ونائمٌ يتركني ويذهب مع مّن يجِده خارِجاً من المنزل بسيارة أو يخرج إلى الشارع ويستقلّ أية عربة مُتّجِهة لأي اتجاه، فيقول لمَن يقف ليقِلَّهُ: إنْتَ بس خليك ماشي في طريقك وأنا بنزل منّك في المكان المناسب.أكاد أجْزْم أنّه ركع وسجد في كل مساجِد العاصمة المثلثة وما جاورها وأحاط بها من ضواحي؛ ومع ذلك توقّف عن التبرُّع لبناء مساجِدٍ جديدة، وكان يقول: “الموجود منها يكفي وأكثر، وديننا لا يشترِط دخول مسجِد لأداء عبادة الصلاة، فكل ارض الله الواسِعة التي تضربها شمس الظهيرة يمكِن أنْ تركع وتسجد فيها مؤدّيا الفرض. خُذْ كل ما أملك لتشييد ملجأ للعجزة أو الأطفال المشردين ولا تمِدّ لِيَّ دفتراً يطبع مثله من أراد ليكون وسيلة تسوّل والعياذ بالله”.كان والدي وزارة رعاية اجتماعية بحالها وديوان زكاة ليس للعاملين عليها، أمثال أخي الطيب حمد الذي لمْ تلده أمي، حقّاً فيها؛ كان مُتميّز الجباية، يأتي أصدقاؤنا، دعك من الأقارب، أحياناً لا ليجدونا نحن وإنّما ليلتقوه فيأخذون حصّتهم من السعادة والراحة النفسية بما يتركونه في عهدته، وعندما لا يأتون كالمغتربين، يرسلون مساهماتهم.عرِفَ كل مَنْ يَمُرَّ يومياً بشارع “الستين” مكان مكتبه بعمارة “سفريان” الكائنة في شارع البرلمان ومنزله بامتداد ناصر، فكانوا حتى وأنْ كانت وجهتهم إلى أي مكان آخر، يقولون له إنّه ذات الطريق الذي يقودهم إليها، فيحصلون على اجر فضل الظهر مُضاعفاً، وعندما يعود يقول: أنا محظوظ جداً، كل يوم من والى المكتب أو البيت، “يقيف لَي” واحد أطلب منه أنْ يمشي في سِكَّتِه ولا يحيد عنها فأجِد نفسي حيث أريد، في مقصدي.أيقظني الوالد، وهو كعادته في أسعد حالاته لتنفيذ مُهِمّة كُلّف بها، قائلاً كما دَرَج عندما يزيح الغطاء عني: قبيح.. قبيح، هنالك مرسال من الترابي ينتظِرك “بَرَّا” قال شيخ حسن “دايرك تجيهو” حالاً، انت بقيت جبهة “واللا شنو”؟حديث المشانِق بين عبد الخالق محجوب وحسن الترابيويواصِل بينما ألمْلِم عليَّ الغطاء: أصحي يا ولد عشان الزول “يَخُشْ” ويشرب شاي “لحدي” ما تلبس.وقَبْلَ أنْ يستعمل وسيلته الثانية، استيقظت وذهبت أتخبّط يُمْنَةً ويُسْرى إلى أقرب غرفة ودخلت في أول جلابية أو عرّاقي وخرجت مُرحِّباً بالمُرْسال، وقُلت له: هل من المُمْكِن أنْ تخبر الشيخ بأنّني سوف أذهب إليه في المكتب بالوزارة؟جاء ردّه فاتِحاً شهيتي لتلبية طلب الاستِدعاء: الشيخ يريد حضورك معي، سوف انتظرِك إلى أنْ تلبس، يدعوك لتناول شاي الصباح معه.ابتسمت وقلت في سري: يا حلاوة لقيمات الحاجة وصال.. ولكن من أدراك انْ وصال هي التي ترميه في الصاج؟ … ليس ذلك مُهِمّاً، يكفي أنّها سِتّ البيت.أدخلت وأجلست المُرْسال مع الوالد الذي صبّ له كأساً من اللبن وناوله “برطمانيه” النسكافي والسُكَّرِيَّة وعِلبة السَكَرِين معاً ناصِحاً بالأخيرة بعد أنْ خدم نفسه بنفسه ووضع في يده “خمْشَة” لا تُعَدّ من حبّات السكرين ووضعها في كبايته، فاتِحاً الحديث عن داء السُكَّر الذي تأقلم عليه ويقول أنّه طبيب نفسه، ويا له من طبيب لمْ يعمِل أبداً بنصائحه التي يوزِّعها لغيره.تركتهما واثِقاً من أنْ والدي سيتبنّى أمر المُرْسال وأمر مشاكِله إنْ كانت له مشاكِل، وابتعدت مواصِلاً مُحادثة نفسي: أي منزل وأي سِتّ وسيد منزل، هل للترابي منزل؟ انه منزل الناس، داخلين مارقين، ماكلين شاربين. ألِمِثْل هذا المنزل سيّد أو سِت؟ أخَذَت ضريبة العمل العام كل خصوصية المنزل وقاطنيه.كل آل الماحي، مثلاً، يعرفون أنّ والدتي، سِتّنا بت النور، أحسن مَن “تفْرُك وتطبخ خُدْرَة”، وكل آل النور مصطفى يتحدّثون عن فاطنة بت عبد الرحمن بلال القادِمة من الأُبَيِض، حرم خالي محمد النور، بأنّها لا تضاهيها سِت بيت في أكثر من طبخة بما فيها ملاح الشرموط والعصيدة بملاح “الويكاب” أو “الروب بالبصل الأحمر”. لِيتفضّل ويَقُل ليَّ أيّ من آل الميرغني أو الترابي أو المهدي، بأي طبخة تشتهِر الشريفة مريم أو السيدات وصال وسارة وحفية، وحتماً أنهنّ بارِعات في أكثر من طبخة.إنّها ضريبة العمل العام التي أخذت منهنّ حتّى هذه الخصوصية التي يَحتفي بها النساء عادة، فكيف يضعْنَ مقادير لطبخة سيتناولها ناس وليس ضيوفاً في صواني طالعة داخلة دون عدد.أكملت تحضير نفسي وخرجت لأجد المُرْسال يستمِع لمُحاضرة من مُحاضرات الوالد عن شأن من الشئون، وعندما وقف لنذهب، كان الوالد مُمْسِكاً بذراعه مواصِلاً عرض قضية أو مسألة ما يأخذها من سلوك وحياة البشر ويصعد بها ثم يعود ويقول انّ حِكْمة الربّ في السماء لخلقه من البشر، تقول وتعني هذا الوضع وتلك الظاهرة وذاك الموضوع. وهكذا، في شرحٍ وافٍ جامِعٍ لا يفارِقه المَنْطِق، حتّى أطلق عليه البعض “حِكْمة السماء”.سار الوالد معنا إلى باب الخروج ولمْ يتْرُك المُرْسال يَفْلِت من يده إلّا بعد أنْ عرف اسمه وفصله وأصله، فأصبح أشبه بصديق لا يقِف في طريقه بلْ يفسح له ولا يترُك أحداً يعترِضه عندما يذهب للترابي، وإذا لمْ يجد الشيخ في الصالون، يدخل الوالد مُباشرة إلى كل غُرف المنزل وكأنّه أحد ساكنيه.أليس هنالك كاتِب وسيناريست ومُخرِج مسرحي أو سينمائي يضع مسرحية أو يصوِّر فيلماً عن أمثاله تحت اسم: “حدث ويحدث في بلاد اسمها السودان؟”.لمْ تأخُذ المسافة إلى بيت الترابي راجلين أكثر من “فركه كعب”، دخلت الصالون ووجدت الترابي جالِساً أرضاً وأمامه صينية شاي باللبن وبجانبها “سِرويس” عريض ملئ “بلقيمات” خاتِف لونين.بعد سلام وتحية دعاني إلى مشاركته، وقبل أنْ أجلس لمحت على (فوتوليو) نُسخة من عدد مجلة (الأشقاء) التي كانت قد صدرت قبل يوم، فهل كان وجودها بحيث لا بُدّ أنْ ألمحها إشارة منه لأُحَضِّر نفسي لما سيدور من حديث؟ أمْ أنّ الشيخ أو غيره تركها صُدفة في ذاك المكان بعد أنْ قرأها؟ وهل يقرأ الشيخ باختياره أمْ أنّ هنالك من لفت نظره للحوار المنشور مع الأستاذ علي عثمان؟ وما هو الغريب في ذاك الحوار؟بدأت الأسئلة تطاردني، وما من إجابة لمْ تجِد اقلّ من احتمالين، فانتهيت إلى ضرورة أنْ اترك كل الأمر وأهتمّ باللقيمات.لمْ يمهلني الدكتور الترابي كثيراً، وقال وابتسامة لمْ احدِّد كيف أفسِّرها: قرأت لك حواراً مع علي عثمان ولعِلْمك لا أقرأ مادة صحفية مرّتين، ومن حقّك أنْ أصارِحك بأنّني عُدْتُ وقرأت المُقدِّمة التي وضعتها للحوار مرّة ثانية.برغم أنّ أوداجي انتفخت، ولا استبعد أنّ الشيخ لاحظ ذلك وربما يكون قد قصد ذلك، حاولت أنْ لا امنحه الفُرصة لتقريظ المادة الصحفية أكثر. لمْ يكُن ذلك تواضُعاً منّي، ولكن ذهني انطلق لما هو أبعد؛ أي لما لمْ أكتبه وما سمعته من محاوِري الأستاذ علي عثمان، مُنتظِراً أنْ أفاجأه به.ولأمتصّ أيّة غِيرَة رْبّما تكون أشْعلتها في نفسه مُقدِّمة الحوار التي فتح الموضوع حولها، ردّدت بيني وبين نفسي “إنْ كان ذلك صحيحاً، دَاوِها بالتي كانت هي الداء”، ثُمّ قُلت: كل الآراء والمواقِف التي نقلها إليَّ جاءت تقريباً في حواراتي السابِقة معك التي نشرتها، وتستطيع أنْ تقول انّني حاورت “الشيخ حسن محمد طه” أو “د. علي عثمان الترابي”؛ تلاميذك يا شيخنا يتقمّصونك في كل شيء، انت لسانهم الذي يتحدّثون به.. أعينهم التي ترى، يسمعون بأذنيك ويشمّون بأنفك.. ومن الملامة أنْ لا يكون التذوّق بذات اللسان وليس لديهم أطراف غير أطرافك يلمسون بها الأشياء.. لقد صنعت أكثر من تُرابي في فترة وجيزة وهذا يحُسب لك لا عليك.. برافو، أصبحت تثير الحسد في كًلِّ ما تقوم به وحتى السيد الصادق يحاول بقدرِ الإمكان أنْ يلحق بك وانت تعدو أمامه فيتعثّر في جلبابه، وبعد كل ذلك ألا تريد من الآخرين أنْ يتكتّلوا ضُدّك في دائرة الصحافة؟ وكما قلت لك في مُقدِّمة حوار سابق، “حوّلت انتصارهم عليك إلى هزيمة لهم. بَدَّلْت هزيمتك وانت خارج من المُشاركة السادِنة في مايو إلى انتِصار. غريمك المُباشِر الذي كان يملك كُتلة نيابية أكبر في الديمقراطية الثانية – الحزب الشيوعي – تراجع إلى هيئة برلمانية تُحْسب بأقلِّ من أصابع يد واحِدة، فيما كُتلتك النيابية زادت لا بمتوالية حسابية أو هندسية، إنّما ترابية لمْ تُكْتشفْ بعد. عفواً لإطالتي.توقّفت عن الحديث وقد احاط بيّ وتجاذبني خليط إحساس بالحرج بأنّني تجاوزت حدودي، واحساس بالتوفيق بأنّني أرضيت غروره. كان الترابي يستمِع إليَّ وكأنّني استدعيته لأناقشه في موضوع اخترته، فيما البداية رُبّما كان من اللياقة أنْ تكون عكس ذلك. وفي ذات اللحظة تفاديت تعنيف نفسي لأنّ مُداخلتي قد تفتح لي أفُقاً جديداً وقد شجعتني حالة القبول الذي وجدته للاستِمرار.لمْ يبْد د. الترابي تبرُّماً من الاستماع لمَن لا يضيف جديداً له، فيترُكه أشبه بمَن يعرِض في حلبة دون متفرجين.استلم الشيخ الترابي دَفّة الحديث وفاجأني بقوله: الحقيقة مُقدِّمة الحوار فيها تحليل سياسي، وحتّى وإنْ اختلفت معك حوله، لا أخفى عليك أنّه في نظري تحليل ذكي وعميق اختصر فأوفى، وأحاط فأجْمَل، ولا أدري إنْ كنت نحتّه انت بالكامل أمْ أنّ علي عثمان أوعز لك به أو بالأصح استخلصته من حديث معه قبل أو بعد الحوار.لثواني قليلة خرجت بذهني من المكان لاستحضر المُقدِّمة التي أحفظها، وراودتني فِكرة أنّ الشيخ رُبّما يريد أنْ يستدرجني، دون أنْ يدرك أنّني بنفسي أريد أنْ أستدرجه بدوري لأحاوِره عن حديث خارِج التسجيل أجريته مع الأستاذ علي عثمان، ثُمّ انتبهت إلى أنّ المجّلة نفسها في متناول يدي وعيْنيَّ، فلماذا اجتهِد وأقْصَر الطُرُق بين نقطتين هو الخط المستقيم، ولِمَ لا يستقيم ويستوي حوارنا على الموضوع؟لمْ تأخُذ المسألة أكثر من أنْ أتمطّى، دون أنْ انهض، وتناولت (الأشقاء) وفتحت الصفحة السادِسة وقُلت: لأوّل مرّة تقرأ مادة صحفية لمرتين، وإنّما لثلاث.. دعني أقرأها لك. وقرأت والشيخ الترابي مُبْتَسِم، بلْ شعرت انّه يشجِّعني:{الجبهة الإسلامية القومية (غامرت) برصيدها السابِق عندما اشتركت في حكومة الوفاق الوطني الذي انهار أخيراً. والجبهة نفسها (تقامِر) برصيدها الحالي والمستقبلي عندما تقبل المُشاركة في حُكْمٍ ائتلافي يضمّها وحزب الأمة. وإذا اعتبرنا أنّ الجبهة الإسلامية جِسم.. فلا يكفي أنْ نَنْظُر إلى (عضلاته) أو أطرافه التي (تقبُض) و (تفِكّ) كما يظهر لنا، والمُفترض أنْ نَنْفُذ إلى عقلها.. فالعقل هو الذي يصدر إشارات تعمل بموجبها الأطراف والعضلات، فتجعلها في حالة استعداد أو استعمال أو ارتخاء.. فقط حيث الضرورة تقتضي. والحوار مع الأستاذ علي عثمان محمد طه نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية وزعيم المعارضة السابق، يتيح فرصة أنْ نَنْفُذ إلى (عقل) الجبهة.. قطعاً ليس هو العقل المُفكِّر للجبهة، وإنّما أحد أجزائه الرئيسة. لنقُل انّه (المخيخ) أو ما شابه}.غَامَرَت وتُقَامِر. عضلاته، تقبض وتفِكّ. عقل والمخيخ؛ كلمات قرأتها فاتِحاً قوسين حول كل منها مُستعمِلاً كفّتي يَدَيَّ نصف مفتوحتين، دون أنْ أشْعِر الشيخ الترابي انّني أتابع ملامحه لرصد وقع الحركة التي قمت بها وكرّرتها لا مرتين أو ثلاثة، وإنما سبع مرات بعددِ تلك الكلمات، ولمْ أجِد ما أسجله وضاعت الحركة التمثيلية التي قُمت بها. ومع ذلك، أعْجِبت بقُدرة السيطرة على الإفصاح عن أيّة مشاعِر استجابة لآخر، وسألت نفسي إنْ كانت ذات القُدرة تستطيع افتعال ملامِح رضى، في حالة عدم رضاء؛ أو بثّ مشاعِر قلق وخِشية من عواقِب أمر، وروح نِمْر مُتوثِّب يقْترِب من فريسته؟منحته شهادة مُراقِب، بسؤال وجهته لنفسي ووجدت انّه لا يفارِق الموضوعية: ما بال الآخرين يدخلون في شباك ينصبها الشيخ حسن؟آه.. إنّه الطُعم، وكُلّما يجذُب للدخول فيها دون التفكير في كيف الخروج.من لا يشْكُر الناس لا يشْكُر ربّ الناس. ردّدت تلك العِبارة في سِرّي ثلاث مرّات لتعادِل عدد مرّات إطلاعه على المُقدِّمة، وقُلت للشيخ الترابي: أشكرك على كرمك وتفضّلك بالإشادة، وأرجو أنْ تسمح ليَّ بأنْ أطرح أمامك تحليلاً سياسياً في جملة واحدة إذا كُتِبت بخطٍ عريضٍ ومسافةٍ معقولةٍ بين كلمة وأخرى، فلنْ تتجاوز على أحسن الفروض سطر وبضع سطر من ورقة “أي فور – A4”.سال الشيخ الترابي مَنْ أقترب لمجلسنا وأخذ “ثيرموس” الشاي ثُمّ أعاده، عن الزمن؛ فجاءه الردّ من كلمة واحدة: الثامِنة. فقال ليَّ: تفضّل.قُلت مُركِّزاً عينيّ على عينيه تماماً دون أنْ أرمِش: شيوخ الجبهة يحبِّذون بعض السُلطة اليوم وشبابها يريدون كُلّ السُلطة غداً.وبمُباشرة لمْ أتوقّعها قال: وما هي وسيلتهم لذلك؟ابتهجت لأنّه خيب توقّعاتي بأنّه سيبدأ ويحدِّثني عن أنّ الجبهة ليست تنظيماً تحدُث فيه انقسامات وانشقاقات كالأحزاب الأخرى، وسيعمل على مَطِّ حديث عن شيوخ وشباب وما إلى ذلك، يأخُذ كل الوقت الذي لا أعرف كمْ من الزمن تبقّي منه لحوارنا خاصة وأنّه لم يكلمني بعد عن الموضوع الذي طلبني للحديث حوله خِلافاً للمُقدِّمة التي رُبّما تكون قد أثارته ولكنه بالعكس أشاد بها.قُلت بذات المُباشرة لأردّ الكُرة بذاتِ المهارة: ألا تعلم؟راوَغَني بصمته، ولمْ أستطِع مجاراته وسجّلت لحسابه هدفاً ملعوباً، وأردفت: بصراحة يا شيخنا، الأستاذ علي عثمان يحضّر للقيام بانقلاب عسكري، ليستولى به على كل السُلطة.لمْ أسجِّل هدفاً لصالحي، برغم أنْ الترابي نهض فجأة وجلس على “الكنبة – الصوفا” الوثيرة التي تسع أربعة أشخاص، وفيما لبعض الوقت لمْ أجاريه، بَقَيْت في مكاني وواصلت: إنْ كنت لا تعلم تلك مسألة ستؤخذ عليك وإنْ كنت تدري فتلك مؤامرة ستلبسك نجح أمْ فشل الانقلاب.سجّلت على الدفتر هدفين، أحدهما لصالحي وآخر لصالح من بات يلعب معنا “بالتلباثي” عن بُعد عندما تذكّرت حديث والدي الذي يقوله للشيخ الترابي كلما يلتقيه، وعند استفساره عن استمراره في ترديد ذلك الحديث وفي محاولة لإثنائه عن ترديده على الأقل في حضرة الترابي حتى قُلت له أكثر من مرّة: ألا تَمِلَّ تكرار وترديد عبارة استمع إليها الجميع وباتت معروفة لدى القريبين والبعيدين، لماذا تريد ألّا يستقبلك الترابي بارتياح في منزله؟كان الوالد، بكل بساطة وهدوء، يقول لي: أترُك لي المسألة، سألتقيه شاء أو أبى في بيوت الأفراح والأتراح وفي المساجِد وسأردِّد أمامه حديثي.وبذاتِ النظرة التي تعمّدت أنْ تكون ثابِتة، ووددّت أنْ تكون مُخترِقة، قُلت للشيخ حسن الترابي: دعني استعير جزءً من عبارة والدي التي كثيراً ما ردّدها أمامك؛ لا تضع حبل المشنقة بيدك حول رقبتك.ووضعت كفّ يدي اليُسْرى في رقبتي تحت الحنك مُباشرة، بلْ وضغطت على حلقي فتغيّر صوتي وتحشرج.لو سألتني كيف سجّلت هدفين في نفس الوقت، لقُلت لك: تحسّس الترابي بيده اليمني رقبته في نفس اللحظة التي قُمت بذات الحركة، فهل انتقلت إليه بطريقة ما – ريفليكس – نفس الحركة أمْ أنّني بالفعل اخترقت عقله وأطلقت منه إشارة لِطَرفهِ الأيمن الأعلى ليتحرّك ويتحسّس الرقبة؟ الله أعلم.الشاهِد انّ الوالد محجوب الماحي كان كُلّما التقى أحد المقربين من الترابي كان يقول: أخشى ما أخشى أنْ يفعل الترابي ما فعله عبد الخالق محجوب وقد كان مثله ذكياً ولمّاحاً ومُفكِّراً، وقدراته بارعة في الاستِحواذِ على عقول الناس وتنظيمهم ولكنه أيضاً كان مُستعجِلاً، فيضع الترابي حبل المشنقة بنفسه حول رقبته كما فعل عبد الخالق، ليس مُهِمّاً بما فعل في 25 مايو 69 أو 19 يوليو 71، الخُلاصة عبد الخالق محجوب شنق نفسه.كان الوالد محجوب الماحي كُلّما التقى الترابي، وليس مُهِمّاً مكان ووقت اللقاء؛ قبل أو بعد إجراءات عقد قِران.. قبل أو بعد دافنة.. قبل أو بعد مُغْرُبِيَّة رفع فُراش بيت عزاء؛ كان يقول له: لا تكرِّر ما فعله عبد الخالق ولا تتسبّب في شنق نفسك بنفسك؛ اصبر على الديمقراطية؛ لا تمتطي العسكر سلماً للصعود للسُلطة؛ العسكر يجب أنْ يُبْعَدوا عن السياسة والحُكْم، ولو وصلوا إليه لا بُدّ أنْ تسيل دماء.نهضت وجلست بجانب الشيخ الترابي في الركن الأيسر على نفس “الكنبة – الصوفا” وأخرجت ورقاً من جيبي وقلماً، وقلت له: أسمح ليَّ أنْ أكتب، تقدَّم ودافِع عن نفسك؟لمْ أر الشيخ الترابي ضاحِكاً كما ضحك يومها، فأصابتني العدوى سريعاً وتمتمت: الشيخ المُبْتسِم ضاحِكاً، تلك حالة غير مسبوقة.قال مُسايراً: عن أي شيء أدافِع؟ يوميّة التحرّي لا تدْفَع أفشل مُمثِّل اتهام لرفعها في عريضة اتهام لقاضٍ، ولكن أعجبتني فكرتك لأنّ….تجرّأت وقاطعته، وندِمت على ذلك لاحِقاً لأنني أضعت فرصة ثمينة فرُبّما كان سيقدِّم درساً في القانون استفيد منه، وقلت مُتبرِّعاً ببعض جهلي: العبارة ليست كل يوميّة التحرّي وهي خُلاصة لما أرصده وأسجِّله من مواقِف، وأعلم أنّ قضية الاتهام غير مُكْتمِلة الأركان لغياب أهمّ الأدِلّة والبراهين؛ أي موضوع الجريمة، جُثّة النِظام الديمقراطي، حيث أنّ….قاطعني بدوره: نعم.. نعم، لست وحدَك من تتحدّث عن ذلك و….قرّرت أنْ لا ألعب بأعصابه كثيراً وفي نفس الوقت إلّا أتسبّب في إضاعة الزمن، فقلت: حديثي مع الأستاذ علي عثمان وفّر لي قناعة لا يستطيع زحزحتها إلّا الزمن وقد يكون تبقى منه القليل، والتطورات وحدها التي ستخيّب قراءتي وعندها لنْ أخلع القُبّعة لتأكيد الاحترام والتَجِلّة فقط، وإنّما سأعْمل على تغيير الميزان الذي استعمله وقد أصيب بعُطْبٍ بَيِّن دون إرادتي وكذا كل أدوات القياس التي لجأت إليها حتّى تاريخه.ولأنّني كُنت قد دوّنت على الورق كل ما دار بيني وبين الأستاذ علي عثمان خارِج التسجيل، مُباشرة بعد أنْ عُدت من منزله، انطبع حديثه في ذهني، ورويت للشيخ الترابي تفاصيله بكل دِقّة وأمانة النقل، وأجْزِم أنّ الأستاذ علي عثمان لو عَلِم بذلك لشَّد على يديَّ وأغرقني بعبارات الشُكر.استمع د. الترابي باهتمام ولمْ تتغير ملامحه أبداً، وفي نهاية حديثي بانت عليه عوامِل الارتياح، وقال: إذا كان الأمر كذلك، ولا أشكّ في ذلك، فإنّ علي عثمان بالفِعل كان يتحدّث عن حالة عامة في الجيش نتحدّث عنها نحن بشكل مفتوح ورُبّما تكون مُتابِعاً دعمنا المُسْتمِرّ للقوات المسلحة لتمكينها للقيام بواجباتها وعندك فقط “مبادرتي قنطار الدهب وعربات النواب”، وخُذ الأمر يا أخي على لساني، بالفِعل نحن أوّل مَن نتّعِظ بتجارب غيرنا، والحريّات أعطتنا ومنحتنا الكثير والديمقراطية لا يُحافظ عليها بمواثيق نعلم أنّ بعض الذين مهروها أرباب انقلابات وسدنتها، ودعني أقول لك انّ الحركة الإسلامية أوّل من يتضرِّر من الحُكْمِ العسكري والديكتاتورية، وحظّنا غير المُناسب في السُلطة حالياً لا يدفعنا للانقلاب عليها فتضيع حتّى التي بين يدينا ونخسر البعض ولا نحصُل على الكُل، ثُمّ مَن يضمن لنا العسكر حتى نسلِّمهم مشروعاً استوى فيحْرقونه؟واصل الترابي حديثه وكأنّه يلقي مُحاضرة قيّمة، وكان مع بدايتها قد مال يسارا بكامل جسده 45 درجة في الركن الأيمن “لكنبة الصوفا”، وفعلت عكسه في الركن الأخر، وقال: دعني أحدِّثك بدوري بتحليلنا للاحتمالات؛ لنْ يحدُث انقلاب، ونأمل أنْ لا يحدُث إطلاقاً قبل الجولة الانتخابية القادِمة آخذين في الاعتبار التجارُب السابقة فضلاً عن أنّ الاحتقان السياسي في طريقه إلى انفراج وأحسب ان الصادق المهدي بيده الآن بوصلة غير معطوبة تؤشِّر للاتِّجاه الصحيح الذي يجِب أنْ يسير فيه وسوف يتخلّص من أثقال كانت تكبِّل حركته. قراءتي تفيد بأنّ أي انقلاب يحدُث لنْ يكون له حظ من النجاح وإذا نجح لنْ يستمِرّ أكثر من سنة سنتين على أفضل تقدير، فمَن هو غير العاقل الذي يهزم مشروعة بمِثل تلك المُخاطرة؟ دعني أجيب بنفسي مُنطلِقاً من مقدمة الحوار، لا يفعل ذلك ولا يدْخُل مثل هكذا مُغامرة إلّا مَن ليس لديه مشروع.. فأبحث عنهم سيماءهم على وجوههم. نحن غير مستعدين لمُغامرة خضناها بحسب قولك في حكومة الوفاق، ونحبِّذ السير في المُقامرة التي وصفت بها ائتلافنا مع حزب الأمة. والانقلاب لا هذه ولا تلك وإنّما انتحار لا نؤمن به ويتعارض مع قيمنا وأخلاقنا التي نريد تثبيتها. باختصار لا نحبِّذه ونفضِّل البقاء حتّى في المعارضة لأكثر من دورة تشريعية، والمستقبل لبرنامجنا وطرحنا وانتشارنا في المجتمع رأسيا وأفقيا. مكاسبنا واضِحة في الديمقراطية، وبالديمقراطية أخذنا التفويض الشعبي الغالب كأحزاب ثلاثة تتقارب برامجها، وحتّى الاتحادي الديمقراطي نفسه قريب إلى طرحنا برغم تململه وركوبه موجة الشارع الذي حركته النقابات واليساريين من شيوعيين وبعثيين. فما هو برأيك الأفضل بالنسبة لنا، أنْ نبني على ذلك أمْ ننقلب عليه، والسيد الصادق مَدَّ يده لنا وبنينا جسوراً معه؟ تثبيت الشريعة غايتنا ومن أولوياتنا التي لا نحيد عنها ويومياً يتحقّق انجاز ولو بطيء على مستوى الجمعية التأسيسية والنظر في القوانين البديلة ونُجَهِّز أنفسنا، إنْ شاء الله، للانْطِلاق وتفجير الطاقات في التنمية واستقلالية الإرادة.كان الترابي يتحدّث بهدوء ولا يسْتَعْجل وكأنّه يحثّني على كتابة كُلّ كلمة يقولها، فهل أراد أنْ أخرُج بخبر صحفي لـ “الأيام” او “الخرطوم” بدلاً من أنْ يمنحه “الراية” او غيرها من صويحباتها؟كنت أكتب مُنذ أنْ دخل الحديث في خطٍّ مُستقيم على الورقة الثانية بعد قَسَمْتُها نصفين بخطٍّ رأسي من أعلى لأسفل، تركت لحديثه النصف الأيمن والأيسر لمداخلاتي وأسئلتي، فبقي الاخير ابيض كما هو حيث توقّفت عن مقاطعته بعد أنْ لاحظت أحد معاونيه يكرِّر دخوله وخروجه حتّى رمقَه الشيخ الترابي بنظره وكأنّه يعاتِبه، وأحسّست بحرجٍ لظنّي أنّني تسبّبت في نظرة عتاب لمَن لا ذنب له ولا يسْتحِقّها. ومع ذلك سألت الشيخ الترابي قبل أنْ أغادِر: لماذا استدعيتني، وحول أيّ موضوع كنت تريد الحديث معي؟ وما هي ملاحظاتَك على حواري مع الأستاذ علي عثمان؟قال: اترُك ذلك لوقتٍ آخر، وعلى العموم ما تحدّثنا حوله كان أهمّ مِمّا كنت أريد الحديث عنه، وما جرى منه يجُبّ ما قبله.نهضنا سويّا في نفس اللحظة التي كان يقول فيها: كثرة حديث الصُحف عن انقلابات عسكرية قد تعجِّل بأحدها.لحظتها قرّرت ألّا اطلب منه إذْناً لنشر ما كتبته خبراً في الصُحف. لماذا؟ لا أدري، فهل يا تُرى كان قراري صحيحاً؟؛؛؛…،،،حدث الانقلاب بعد أقل من ستة أشهر وكانت قد مرّت مياه كثيرة تحت كرسي رئيس الوزراء وفاضت بمذكرة القوات المسلحة، ولكنها لمْ تَجرفه معها فتعمّد السيد الصادق المهدي الغرق في “شبر مويه”؛ أليس ضحايا “الغَرْقة” والحَرْقة شهداء؟ ألا يعلم السيد الصادق مصير المنتحرين؟قد يكون الشيخ الترابي كان صادِقاً في كل حديثه معي وحدثت تطوّرات لاحِقاً قرّر بعدها أنْ يذهب لكوبر حبيساً والبشير للقصر رئيساً، وقد يكون حديثه معي كان جزءً من خُطة تمويه وَطَّنَ نفسه عليها.ويبقى السؤال: هل للمحامي أحمد سليمان دور في تبدّل مفاهيم الترابي؟ ولماذا قطع الأستاذ علي عثمان حواري معه فجأة عندما سألته عن أحمد سليمان؟ وأين كان المحامي أحمد سليمان يجد أذْناً صاغية، في المنشية التي يسكُن فيها أمْ في الرياض التي يذهب إليها كثيراّ؟ وهل الترابي هو بالفعل عرَّاب الإنقاذ أمْ أنّ صاحب الإنقاذ الفِكرة هو نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية – حينها – ألأستاذ علي عثمان محمد طه الذي استوعب خطّة رسمها زميل مهنة تركاها سويا أو تركتهما؟كل ذلك في “حوارات في رواية مع الترابي وآخرين…” بعد ان اختم سلسلة “…الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو89..” التي تبقّى لها حلقتين، القادِمة سأتناول فيها: كيف استقبلت الانقلاب، وماذا فعلت وما هي المساحة التي تحرّكت فيها، وبمَن التقيت، ومَن لمْ أجِده في داره وكأنّه “فصّ ملح وداب”، وكل ذلك في نصف يوم واحد، الجمعة 30 يونيو 89.وستكون الحلقة الأخيرة مقالاً ورؤية تحليلية كتبتها بعد 7 أيام فقط من الانقلاب وصفت فيها الخرطوم، البلد والناس، قبل وفي وبعد صباح ذلك اليوم.فإلى الحلقة قبل الأخيرة.The post (13 من 15) … الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989: الترابي المُغامرة في الوِفاق، والمُقامرة بالائتِلاف appeared first on صحيفة مداميك.