تقرير: عيسي دفع اللهكانت الصحفية ازدهار عبد المنعم، 32 عاماً، مفعمة بالحياة، وتبحث دائمًا عن التطور وتوسيع مهاراتها. إلى جانب عملها في إذاعة نيالا، كانت تنشط في عدد من منظمات المجتمع المدني بمدينة نيالا ومخيمات النازحين، حيث عملت على رفع الوعي وسط النساء بحقوقهن وتنمية مهارات الأطفال في المخيمات.مرت نحو ستة أشهر، ولا تزال ازدهار، خلف القضبان. تلك الفتاة التي كانت شعلة من النشاط، اعتادت في نهاية كل يوم توثيق يومياتها على صفحتها في موقع فيسبوك، إلى جانب كتابة الأخبار للمنصات الإعلامية التي تنشط فيها.تقول صديقة لها (م ع) فضلت حجب اسمها لدواعى أمنية، إن ازدهار كانت تحب الصحافة والحرية، وتتساءل عن الكيفية التي احتملت بها نحو ستة أشهر خلف القضبان برفقة صديقاتها، بعد مشاركتهن في ورشة عمل عقدت في نيالا بتصريح من وكالة الإغاثة التابعة لقوات الدعم السريع.وتقول صديقتها إن ازدهار اعتُقلت بعد يومين من حضور الورشة، واقتادتها قوة مسلحة على متن عربة قتالية، في مشهد وصفته بأنه يشبه التعامل مع مجرمين، رغم أنها، بحسب قولها، لم تكن تحمل سوى قلمها.في آخر منشوراتها المعروفة، وثقت الصحفية إزدهار عبد المنعم زيارة وفد من منظمة (كونكورديس) البريطانية إلى محلية بليل ومنطقة “مرفعينة” بجنوب دارفور، للوقوف على جهود تأمين الموسم الزراعي ودعم الاستقرار المحلي. وذكرت في منشورها حضور المدير القطري أشو جيرالد، والمدير التنفيذي بيتر مارسدن، إلى جانب مسؤولين بالمنظمة، مشيرةً إلى أن (كونكورديس) تعمل في مجالات السلام والتنمية وحل النزاعات بين الرعاة والمزارعين وبناء قدرات القيادات المجتمعية في دارفور.تقول إحدى أفراد أسرتها، صفاء حامد، الموجودة خارج السودان حاليًا، إن أخبار إزدهار ورفيقاتها انقطعت، وإن قوات الدعم السريع لم تسمح لأسرهن بزيارتهن في السجن، بحجة أن الزيارة ممنوعة عنهن. وأضافت أنهن يُعاملن مثل “عتاة المجرمين”، رغم أن إزدهار تعاني من أمراض مزمنة، إلى جانب عدد من صديقاتها المعتقلات معها.وأكدت صفاء أن عملية الاعتقال أشبه بالاختطاف، وترى أن إطلاق سراحهن حق، وأن “ذنبها الوحيد” هو أنها بقيت في مناطق سيطرة الدعم السريع ولم تغادر، مثلما فعلت صحفيات وناشطات أخريات.صحفيات خلف القضبانمنذ 28 فبراير 2026، ما تزال الصحفيات العاملات في إذاعة نيالا، إشراقة عبد الرحمن، وزهراء محمد الحسن، ومواهب إبراهيم، وازدهار عبد المنعم حامد، رهن الاحتجاز لدى قوات الدعم السريع، وفق مصادر حقوقية وإعلامية.وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الصحفيات نُقلن إلى سجن «كوريا» في نيالا، بينما ذكرت مصادر أخرى أن بعض المعتقلات نُقلن لاحقًا إلى أماكن احتجاز أخرى.وتضاربت المعلومات بشأن أماكن احتجازهن؛ ففي حين تحدثت مصادر عن نقلهن إلى سجن كوريا، أشارت مصادر أخرى إلى احتجازهن في مواقع أخرى داخل نيالا.”وتقع نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، ضمن المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، منذ نهاية أكتوبر 2023 وتتخذ منها حكومة (تأسيس) الموازية عاصمة لها.وبحسب لجنة حماية الصحفيين، اعتقلت الصحفيات في 28 فبراير 2026 بعد مشاركتهن في ورشة للصحفيات، ونقلن إلى سجن “كوريا”. وظللن، وفق المعلومات التي كانت متاحة للجنة في منتصف مارس محتجزات من دون اتهامات رسمية أو مبرر واضح، أو مثول أمام محكمة.ورشة تنتهي بالاعتقالاعتقلت استخبارات قوات الدعم السريع عدداً من النساء الناشطات عقب مشاركتهن في ورشة عمل تناولت حقوق المرأة في مدينة نيالا، وفق مصادر متطابقة.ومن بين المعتقلات المذيعة إشراقة عبد الرحمن، والدكتورة مناهل مصطفى السنوسي، مديرة مركز المنهل للتدريب وبناء القدرات، والإذاعية زهراء محمد الحسن، إضافة إلى مواهب إبراهيم وازدهار عبد المنعم حامد.وأوضحت إحدى الناشطات أن الاعتقالات نفذت من منازل المستهدفات بواسطة سيارات قتالية وعناصر بزي مدني، حيث تم اقتيادهن إلى جهات غير معلومة، من دون إعلان رسمي عن أسباب التوقيف أو أماكن الاحتجاز.وبحسب أحد المشاركين في الورشة، نُظمت الفعالية بمبادرة من “صحفيات من أجل السلام” و”نتكلم”، بحضور 25 شخصاً، وناقشت حقوق المرأة في القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، لا سيما قرار مجلس الأمن رقم 1325 الخاص بالمرأة والسلام والأمن.اعتقال ناشطة في كاوداولا تقتصر حالات اعتقال النساء الناشطات على مدينة نيالا. ففي كاودا بولاية جنوب كردفان، يستمر اعتقال الناشطة الحقوقية وموظفة الأمم المتحدة نجوى موسى كاوندا، منذ الأول من أبريل 2026، من قبل استخبارات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، على خلفية جهودها في حل النزاعات القبلية بمنطقة ديبي في جبال النوبة، وفق المعلومات المتاحة.وتُعد نجوى موسى كاوندا من القيادات النسوية في جبال النوبة، وسبق أن شاركت ضمن وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في مفاوضات السلام خلال فترة حكم نظام الإنقاذ.ويقول حقوقيون إن استمرار احتجاز ناشطة حقوقية وموظفة أممية خارج الضمانات القانونية يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها، ويعكس تصاعد القيود المفروضة على النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع.ودعت لجنة العدالة السلطات السودانية إلى الإفراج الفوري عنها، وضمان سلامتها الجسدية والنفسية، وعدم تعريضها لأي شكل من أشكال الانتهاكات أو الضغوط، مع احترام الحقوق الأساسية للمحتجزين وفقًا للمعايير الإنسانية والقانونية.ولم تقتصر اعتقالات الصحفيات على مناطق سيطرة الدعم السريع، إذ شهدت مناطق خاضعة للجيش أيضا الأسبوع الماضي احتجاز الصحفية سوسن محمد عثمان في ولاية النيل الأبيض، على خلفية منشور عبر “فيسبوك” انتقد أداء والي الولاية الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى وبعض جوانب عمل الحكومة. وأثارت الواقعة إدانات ومطالبات بالإفراج عنها والكشف عن ملابسات احتجازها، خصوصا مع الإشارة إلى معاناتها من مرض السكري وحاجتها إلى الرعاية الصحية.قبل أن يتم إطلاق سراحها في وقت لاحقاًالحرب على النساءوعلى الرغم من اختلاف الجهة التي تحتجز الصحفيات في نيالا والناشطة نجوى في كاودا، فإن الرابط بين الحالتين، بحسب حقوقيين، يتمثل في استهداف النساء بسبب أدوارهن العامة ونشاطهن الصحفي والحقوقي والمدني.ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تعرضت النساء في السودان لأنماط متعددة من الانتهاكات، بينما أصبحت الناشطات والصحفيات في مناطق النزاع يواجهن خطر الاعتقال والتخويف والضغط بسبب نشاطهن في المجال العام.ويرى حقوقيون أن الحرب لا تستهدف النساء باعتبارهن ضحايا فقط، وإنما تمتد إلى استهداف أدوارهن في التوثيق والعمل المدني والدفاع عن الحقوق، وهو ما يجعل أجساد النساء وأصواتهن في قلب الصراع.الحرب تُخاض على أجساد النساءقال الصحفي والمختص بشؤون دارفور، حيدر عبد الكريم، لـ(صحيفة مداميك) إن أطراف النزاع في السودان تستهدف الصحفيات والصحفيين بشكل ممنهج، معتبرًا أن الاعتقالات التي تتم في مناطق سيطرة الجيش أو قوات الدعم السريع أو الحركة الشعبية في جنوب كردفان يمكن تفسيرها بأنها رفض لأي أصوات أو أنشطة تتعارض مع الأجندة التي تسعى أطراف النزاع إلى ترسيخها في المجتمع.وأوضح حيدر أن ما حدث في جنوب دارفور للصحفيات العاملات في إذاعة نيالا، أثناء مشاركتهن في ورشة تتعلق بالحماية من الانتهاكات وتقديم الدعم للنساء، يمثل مثالًا على نمط متكرر من الاستهداف طال صحفيات وصحفيين وناشطات وناشطين في مناطق النزاع.وأضاف أن هذا الاستهداف يعكس رفضًا لأي رأي يحاول نقل الحقائق أو تقديم المساعدة للضحايا، معتبرًا أن ذلك هو التفسير المنطقي لما حدث، خاصة أن المعتقلات مدنيات ولا يحملن السلاح، وإنما كن يقدمن المساعدة للنساء اللواتي تعرضن للانتهاكات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.واعتبر حيدر أن ما يحدث للصحفيات في نيالا يمثل محاولة لتكميم الأفواه وبث الخوف لمنع النساء من الحديث أو الإبلاغ عما يتعرضن له من انتهاكات، قائلًا إن «الحرب تُخاض على أجساد النساء».ورأى أن ما حدث للناشطة نجوى كاوندا في كاودا يمثل أيضًا شكلًا من أشكال تكميم الأفواه ورفض أدوار النساء في الفضاء العام، ووصف هذا السلوك بأنه «قمعي وغير مقبول».صحافة تحت التهديدوقال حيدر إن الصحفيات والصحفيين داخل السودان يواجهون صعوبات كبيرة في التغطية الإعلامية للقضايا المرتبطة بالحرب، ولا سيما الانتهاكات، مشيرًا إلى أن تناول أي من هذه القضايا قد يضع الصحفي في مواجهة اتهامات بالتخوين والتخابر والتعاون مع الطرف المسيطر على المنطقة.وأضاف أن الانتهاكات ضد الصحفيين أصبحت، بحسب تقديره، سلوكًا منظمًا وممنهجًا هدفه الأساسي تكميم الأفواه، الأمر الذي دفع عددًا كبيرًا من الصحفيات والصحفيين إلى العمل من خارج السودان حتى يتمكنوا من ممارسة عملهم باستقلالية ونزاهة وموضوعية، وخوفًا من التعرض للمصير نفسه الذي واجهه زملاؤهم وزميلاتهم.واعتبر حيدر أن هذا الأسلوب يشكل خطرًا على حرية الصحافة، ويسهم في تعزيز الرقابة الذاتية لدى الصحفيين، ويحد من قدرتهم على نقل المعلومات المتعلقة بالانتهاكات التي تقع في مناطق النزاع.وقال إن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون تتنافى مع القوانين والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الصحافة وحق الصحفيين في تغطية النزاعات.تضييق على المجتمع المدنيمن جانبه، قال ضرار آدم ضرار، المدير التنفيذي لشبكة حقوق الإنسان والمناصرة من أجل الديمقراطية «هاند»، لـ(صحيفة مداميك) إن حكومة «تأسيس» ومكوناتها لا تهتم بقضية حقوق الإنسان، مؤكدًا أن المواطنين في مناطق سيطرتها يتعرضون لمختلف أنواع الانتهاكات، بما في ذلك القتل والسحل وأشكال متعددة من المعاملة اللاإنسانية.وأكد ضرار أن النساء لسن استثناءً، مشيرًا إلى أن النساء في دارفور تعرضن، منذ اندلاع الحرب، لأبشع صنوف الانتهاكات، بما في ذلك الاغتصاب والاختطاف، وصولًا إلى ما وصفه بالاستعباد الجنسي.ورأى أن حكومة «تأسيس» ضيقت مساحات عمل المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات والمبادرات التي تقودها النساء أو تعمل في قضاياهن، موضحًا أن هذه الجهات، وفق إفادته، مطالبة بأن تكون موالية لـ«تأسيس» بشكل كامل، وإلا لا يُسمح لها بالعمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها.وأكد ضرار أنه منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، قامت قوات الدعم السريع، بحسب قوله، باستقطاب أو تمويل عدد من المنظمات الحقوقية التي لها باع طويل في مجال حقوق الإنسان.وأضاف أن عددًا من الناشطين، بينهم محامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، يشاركون بصورة مستمرة في ندوات ومؤتمرات دولية ذات صلة بحقوق الإنسان، بما في ذلك اجتماعات اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ومجلس حقوق الإنسان، ويلتقون بمسؤولين معنيين بحقوق الإنسان.وقال إن بعض هؤلاء، وفق ادعائه، يعملون على تبرئة قوات الدعم السريع من الجرائم المنسوبة إليها، إلى جانب الإبلاغ عن الصحفيين والصحفيات المستقلين في مناطق سيطرة «تأسيس» والمطالبة باعتقالهم.وأكد ضرار أن اعتقال الصحفيات والناشطات عقب تنظيم الورشة في نيالا يأتي، بحسب تقديره، في هذا السياق، مشيرًا إلى أن المعتقلات وُجّهت إليهن اتهامات بالتجسس والعمل لصالح الجيش السوداني.معتقلات مجهولاتوقال ضرار إن عدد النساء المعتقلات في سجون قوات الدعم السريع، وبينهن نساء عاديات وغير معروفات، كبير جدًا، مشيرًا إلى تعرض بعضهن للاعتقال والتعذيب في مناطق مختلفة من سيطرة الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع.وأضاف أن بعض المعتقلات في كاودا يُحتجزن، بحسب إفادته، في حفر تحت الأرض، بينما تُحتجز أخريات في مناطق سيطرة الدعم السريع داخل منازل المواطنين، كما أشار إلى وجود معتقلات في سجن كرري بمدينة نيالا.وأكد أن المعتقلات يتعرضن، وفق ما نقله، لانتهاكات بالغة الخطورة، ولا سيما صغيرات السن منهن.وبينما تتعدد أماكن الاحتجاز والجهات التي تنفذ الاعتقالات، تتشابه روايات المصادر التي تحدثت عن الخوف والتضييق وغياب الضمانات القانونية، لتكشف عن واقع أكثر اتساعا تواجه فيه النساء والصحفيات والناشطات مخاطر متزايدة بسبب نشاطهن العام.وفي بلد أنهكته الحرب، لم تعد الصحافة والعمل المدني والدفاع عن حقوق النساء مجرد أنشطة في المجال العام، بل أصبحت، بالنسبة لكثير من النساء، أعمالًا تحمل مخاطر الاعتقال والتهديد والعنف، في وقت تتراجع فيه قدرة الضحايا وأسرهن على الوصول إلى العدالة والحماية.بدورها طلبنا رفضت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال التعليق بشأن ما ورد في التحقيق، بما في ذلك أسباب الاعتقال وأماكن الاحتجاز والاتهامات الموجهة إلى المعتقلات، ولم نتلقى رداً حتى وقت النشر. The post نساء خلف القضبان .. صحفيات وناشطات في مواجهة الاعتقال والانتهاكات في السودان appeared first on صحيفة مداميك.