نجوي بابوفي السودان حيث أُغلقت أبواب كثيرة بسبب الحرب ربما نحتاج إلى البحث عن نفاج تلك الفتحة الصغيرة التي تصل بين فضائين وتتيح عبوراً حين تبدو الأبواب الرئيسية مغلقة. وربما تكون الدبلوماسية الشعبية النسائية السودانية أحد هذه النوافذ الممكنة للسلام.فالمرأة السودانية ليست مجرد ضحية للحرب ولا رقماً مطلوباً لاستكمال تمثيل الوفود. إنها جزء أصيل من تاريخ المجتمع وصانعة للحياة وحاملة للذاكرة وفاعلة في رتق النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.في الذاكرة السودانية المرأة هي المتداركة التي تلملم ما يتبعثر وتحاول أن تصلح ما أفسدته الخصومة. وهي الحكّاية التي تحفظ تاريخ الأسرة والمجتمع وتنقل القيم من جيل إلى آخر. وهي الميرم ،الحكامه والكنداكة وست البيت بما تحمله الكلمة من مكانة اجتماعية ورمزية وحضور في فضاء الحكمة والتأثير والمصالحة.هذه الأدوار ليست مجرد صور من التراث الشعبي بل يمكن أن تشكل أساساً لدبلوماسية شعبية سودانية حديثة، تستفيد من القوة الناعمة للمجتمع بدلاً من حصر صناعة السلام في النخب السياسية والعسكرية.فالمرأة السودانية عرفت المجال العام مبكراً وأسهمت في التعليم والعمل الوطني والنقابي والسياسي، وشاركت في الحياة الدستورية والتشريعية. ومع ذلك، ظل حجم حضورها في صناعة القرارات الكبرى أقل من حجم دورها الحقيقي في المجتمع.وهنا تأتي الدبلوماسية الشعبية النسائية باعتبارها مساراً مكملاً للدبلوماسية الرسمية لا بديلاً عنها. مساراً يمكن أن يفتح قنوات للحوار بين المجتمعات ويصل ما قطعته الحرب، ويعيد بناء الثقة من القاعدة إلى القمة.فالمرأة التي استطاعت تاريخياً رتق الخصومات داخل الأسرة والمجتمع يمكن أن تسهم في رتق النسيج الوطني. والمرأة التي تحملت أعباء الأسرة أثناء الحرب تستطيع أن تضع أمام السياسيين تعريفاً أكثر إنسانية للأمن أن يعود النازح إلى بيته والطفل إلى مدرسته والمزارع إلى أرضه، والأسرة إلى حياتها الطبيعية.فالنساء في السودان تحملن جانباً كبيراً من اقتصاد البقاء من الزراعة والتجارة والعمل المنزلي والرعاية والمشروعات الصغيرة. ولذلك فإن إعادة إعمار البلاد لا ينبغي أن تتعامل مع المرأة باعتبارها مستفيدة من المساعدات فقط، بل باعتبارها شريكة في إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.أما أعظم أدوارها فيبدأ من الأسرة والتي هي نوة المجتمع ويقول المثل السوداني الراجل برجالوا والكريم بي أم عيالو .وفي هذه الحكمة معنى يتجاوز الفخر الاجتماعي فالمجتمع يقاس أيضاً بما يتركه من أبناء وقيم. والطفل يتعلم قبول الآخر أو كراهيته، التسامح أو الانتقام قبل أن يدخل المدرسة وقبل أن يدخل عالم السياسة.لذلك فإن المرأة شريكة في صناعة السلام حتى قبل أن تصل إلى طاولة المفاوضات.الدبلوماسية الشعبية النسائية السودانية ليست مشروعاً نسوياً مغلقاً إنها مشروع وطني. فهي تفتح الباب أمام النساء في المدن والأقاليم والريف ومجتمعات النزوح والمهجر، وتمنحهن دوراً في الوساطة المحلية، والمصالحة، وإعادة بناء الثقة، وحماية النسيج الاجتماعي.قد لا تملك هذه الدبلوماسية عصا سحرية لإنهاء الحرب، لكنها تستطيع أن تفعل شيئاً بالغ الأهمية أن تفتح نفاجاً حين تُغلق الأبواب.والسلام الذي يحتاجه السودان ليس اتفاقاً بين المتحاربين فقط، بل إعادة بناء للعلاقات بين السودانيين أنفسهم.لهذا ربما آن الأوان أن ننتقل من الحديث عن المرأة بوصفها «متضررة من الحرب» إلى الاعتراف بها بوصفها صانعة للسلام.من المتداركة إلى الحكّاية ومن الميرم وحكامه إلى المرأة العاملة والسياسية والأم والمواطنة، تمتلك المرأة السودانية رصيداً اجتماعياً وثقافياً يمكن أن يتحول إلى قوة دبلوماسية.إنها ليست نصف المجتمع فحسب إنها واحدة من أهم القوى القادرة على رتق ما مزقته الحرب.وربما يكون نفاج السلام ومفتاحًا الذي نبحث عنه منذ سنوات أقرب إلينا مما نتصورفي المجتمع، وفي ذاكرته، وفي نسائه.The post الاستفادة من الدبلوماسية الشعبية النسائية السودانية:كنفاج للسلام appeared first on صحيفة مداميك.