محمد بدوي مصطفىفي النصف الأول من القرن السادس عشر، كانت أوروبا تعيش واحدة من أزهى فتراتها الفنية والثقافية، حيث ازدهرت الحركة الفنية في مدن مثل فلورنسا وروما وفينيسيا. كانت هذه الفترة هي عصر النهضة، حيث انتعشت الفنون والعلوم، وظهر فنانون مثل ليوناردو دا فينشي وميكيلانجلو ورافاييل، الذين غيّروا وجه الفن إلى الأبد.وفي هولندا، كانت مدن مثل أنتويرب وبروج وميخلن مراكز فنية مهمة، حيث ازدهرت المدرسة الفلمنكية برسمها الدقيق والتفصيلي، الذي عكس الحياة اليومية وملامح الطبقات الثرية والنبلاء على حد سواء.في هذا السياق، يا سادتي، كانت تكلفة اللوحات تختلف حسب حجمها وتعقيدها ومهارة الفنان. وكانت اللوحات الصغيرة قد تكلّف بضعة غيلدرات، بينما قد تصل تكلفة اللوحات الكبيرة والمعقدة إلى مبالغ أكبر بكثير. وكانت هذه المبالغ تُعتبر استثماراً فنياً أكثر من كونها مجرد عملية شراء، إذ كانت اللوحات تعبّر عن المكانة الاجتماعية والذوق الرفيع لمالكيها.وكانت اللوحات تُقتنى من قبل النبلاء والتجار الأثرياء ورجال الدين، وتُعرض في القصور والكنائس وقاعات الاستقبال، باعتبارها رموزاً للثروة والثقافة والمكانة الاجتماعية.لكن، رغم هذه القيمة العالية للفن، مات العديد من الفنانين فقراء أو عاشوا حياة صعبة، وهي مفارقة تكررت كثيراً في تاريخ الفن. ويكفي أن نتذكر فينسنت فان غوخ، الذي عاش ومات في القرن التاسع عشر ولم يعرف الشهرة الحقيقية في حياته، أو أونوريه دومييه، الذي توفي في ظروف مادية صعبة رغم مكانته الفنية، وغيرهما من الفنانين الذين لم تتناسب أوضاعهم المعيشية مع القيمة التي اكتسبتها أعمالهم لاحقاً.كان جنوب هولندا موطناً لعدد من الرسامين الذين ارتبطت أسماؤهم في تاريخ الفن بألقاب اصطلاحية، بدلاً من أسماء حقيقية معروفة. وكان مؤرخو الفن يطلقون على بعض هؤلاء أسماء مستمدة من طبيعة أعمالهم، مثل “معلّم رسم الطيور” أو “معلّم رسم بورتريهات النساء النصفية”.ومن بين هؤلاء، برز رسام أطلق عليه مؤرخو الفن لقب “معلّم رسم بورتريهات النساء النصفية”. لا يُعرف عنه الكثير، ولا نملك حتى اليقين بأنه كان شخصاً واحداً، إذ يرى بعض الباحثين أن الاسم قد يشير إلى فنان واحد، بينما يرجّح آخرون أنه ربما كان مرتبطاً بورشة تضم أكثر من رسام يعملون بأسلوب متقارب. وعلى أية حال، فقد كان نشاطه مرتبطاً بأنتويرب، وربما بميخلن أيضاً، ضمن الدائرة الثقافية والفنية التي ازدهرت في بدايات القرن السادس عشر.ويبدو من أسلوبه أنه تأثر بفنانين من تقاليد الرسم الفلمنكي، ومن بينهم يواخيم باتينير، خاصة في طريقة معالجة المناظر الطبيعية واللوحات المرسومة على الخشب. وكانت موضوعاته المفضلة نساء الطبقة الأرستقراطية بملابسهن الأنيقة، سواء كنّ يقرأن أو يعزفن الموسيقى أو يجلسن داخل ديكورات منزلية.وكان يرسمهن بنصف طول، كما يوحي لقبه، وغالباً ما يضيف إلى البورتريه منظراً طبيعياً تعبيرياً.رغم هذه القيمة العالية للفن، مات العديد من الفنانين فقراء أو عاشوا حياة صعبة، وهي مفارقة تكررت كثيراً في تاريخ الفنويُنسب إليه عدد كبير من اللوحات، يزيد على المائة، ويعكس أسلوبه ذوق ومزاج رسامي مدينة بروج، مثل أدريان آيزنبرانت وأمبروسيوس بنسون. وتعبّر لوحاته عن كثير من خصائص وقيم عصر النهضة الشمالية، حيث نجد في بعضها براعة فائقة في رسم الأقمشة والوجوه والمجوهرات والتفاصيل الدقيقة، وهو ما جعل أعماله تلقى استحساناً واسعاً في عصره.بيد أن أشهر لوحاته هي تلك التي يصوّر فيها ثلاث نساء يرتدين ملابس عصرية من القرن السادس عشر، وهنّ يؤدين وصلة موسيقية.إحداهن تمسك بنوتة موسيقية، بينما تعزف الأخريان على آلتي العود والناي (الفلوت).يا إلهي!أندهش عندما أرى العود والناي، وأزداد اندهاشاً عندما أرى حسناوات يضربن عليهما…فن داخل فن… يا للجنون!وأنا من محبي هذا الجنون، وكما يقولون: الجنون فنون.والمعروف أن هناك من هذه اللوحة اليوم نسخاً متعددة، لكن من أشهرها النسخة الموجودة في متحف الإرميتاج الروسي. وقد ارتبطت إحدى النسخ الموسيقية بأغنية شهيرة من ذلك الزمان، هي “Jouissance vous donneray”، من كلمات الشاعر الفرنسي كليمان مارو وألحان الموسيقي كلودان دي سيرميزي. وهنا يصبح المشهد أكثر إثارة.فنحن لا نرى ثلاث نساء يعزفن فحسب، بل نستطيع أن نتخيل الموسيقى التي كانت تدور في ذلك المكان قبل نحو خمسة قرون. النوتة الموسيقية التي تحملها إحدى النساء تتحول من مجرد تفصيل مرسوم إلى مفتاح يقودنا إلى عالم الموسيقى في عصر النهضة.وكأن الرسام لم يكتفِ بأن يرسم لنا المشهد، بل ترك لنا أيضاً خيطاً صغيراً يسمح لنا بأن نسمعه.في هذه اللوحة، لا نرى فقط ثلاث عازفات يملأن الجو بألحانهن، بل نرى أيضاً تجسيداً للجمال والانسجام.العود بأوتاره العميقة، والناي بنغماته الرقيقة، والنوتة الموسيقية التي تجمعهن، كلها تتحد لتخلق سيمفونية بصرية لا تُنسى.فالفن الحقيقي لا يموت، بل يستمر في إلهامنا عبر القرون.ثلاث نساء… عود وفلوت ونوتة موسيقية… ولوحة صامتة، لكنها ما زالت تعزف لحن الخلود في كل لمحة ونَفَس.The post تريو عازفات: لوحة لرسام مجهول appeared first on صحيفة مداميك.