تقرير: إسماعيل حسابويواجه مواطنو ولاية غرب كردفان موجة غلاء غير مسبوقة، دفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية المنهارة للسكان. وتعود هذه الارتفاعات غير المعهودة في أسعار السلع إلى تراجع حركة البضائع القادمة من مدن ولايتي نهر النيل والشمالية باتجاه إقليمي كردفان ودارفور، في أعقاب حالة الطوارئ المعلنة منذ عدة شهور؛ ما أدى إلى تراجع تدفق السلع واشتداد الأزمة المعيشية في مناطق تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الإمدادات.ومع تعطل سلاسل الإمداد وإغلاق الطرق التجارية الرئيسية بفعل المعارك والسيول، تحولت الأسواق المحلية إلى ساحة أخرى للمعاناة اليومية؛ حيث شهدت مناطق بمحليات النهود وود بندة وأبو زبد والسنوط قفزات خيالية في الأسعار؛ إذ قارب سعر جوال الدخن مليون جنيه، بحسب مصادر لـ”مداميك”، بينما بلغ سعر جوال البصل نحو مليون ونصف المليون جنيه، وسجل سعر جوال دقيق القمح (زنة 25 كيلوغراماً) 200 ألف جنيه، والأرز (زنة 25 كيلوغراماً) 200 ألف جنيه، والعدس (زنة 20 كيلوغراماً) 230 ألف جنيه.وفي السياق ذاته، أفادت غرفة طوارئ “دار حمر”، الأسبوع الماضي، بحدوث ارتفاع كبير وغير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والخدمات بالمحليات الشمالية في ولاية غرب كردفان، وأرجعت الغرفة هذا الارتفاع الحاد إلى صعوبة الترحيل، إلى جانب إغلاق الطرق بفعل فصل الخريف. ووفقاً للغرفة، تراوح سعر جوال الذرة في بعض المحليات بين 750 ألفاً و800 ألف جنيه، بينما ارتفع سعر جركانة الجازولين (سعة 16 جالوناً) إلى ما بين 220 ألفاً و250 ألف جنيه. وناشدت غرفة الطوارئ المنظمات الإنسانية التدخل العاجل لتخفيف المعاناة عن المواطنين، منبهة الأهالي إلى ضرورة ترشيد الاستهلاك في ظل هذه الظروف المعقدة، ومحذرة من كارثة إنسانية ومجاعة وشيكة تهدد ملايين المواطنين والنازحين في مدن الولاية ومخيماتها.من جانبه، وصف عبد القادر الحاج عمر، أحد التجار بمنطقة “أبو سرور” جنوب شرق مدينة النهود، الأوضاع المعيشية بأنها سيئة للغاية جراء الارتفاع القياسي في الأسعار. وأوضح في تصريحات لصحيفة “مداميك” أن سعر جركانة الزيت (سعة 36 رطلاً) قفز إلى 200 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جوال السكر (زنة 50 كيلوغراماً) 370 ألف جنيه نقداً و400 ألف جنيه عبر التطبيق المصرفي (بنكك)، في حين وصل سعر جوال البصل إلى مليون جنيه، وجوال الذرة إلى 600 ألف جنيه. وكشف التاجر عن تحول جذري في خطوط التمويل والإمداد؛ حيث أصبحت شحنات البضائع الواردة إلى المنطقة تتمدد جنوباً وتأتي عبر “سوق النعام” بدولة جنوب السودان، عقب الإغلاق التام للطرق التجارية الرئيسية القادمة من مدينة الدبة بالولاية الشمالية، إضافة إلى تعطل الطرق الممتدة من مدينتي كوستي والأبيض بسبب المعارك العسكرية الدائرة على طول تلك الممرات. وهو ما أكده أيضاً التاجر سليمان أبو بكر من محلية السنوط، قائلاً لـ”مداميك” إن الأسعار بدأت بالارتفاع بصورة غير مسبوقة منذ ما يقارب الستة أشهر بسبب إغلاق الطرق القادمة من أم درمان والأبيض، مشيراً إلى أن الحركة التجارية تحولت إلى الجنوب، ولكن مع دخول فصل الخريف صار الأمر أكثر صعوبة.ولا تُعد هذه الأزمة الخانقة في غرب كردفان حالة معزولة، بل هي مؤشر ميداني لموجة شملت مختلف أقاليم السودان، حيث يقف المواطنون والنازحون أمام جبهة مواجهة لا تقل قسوة تتمثل في أزمة الغلاء المتصاعد. ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر للمجاعة لتوقعات الفترة من يونيو 2026 إلى يناير 2027، سجلت أسعار الأغذية الأساسية وفي مقدمتها الذرة ارتفاعات قياسية قاربت 125% إلى 200% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، مما وضع ملايين الأسر في مواجهة مباشرة مع خطر المجاعة.ويعزى الارتفاع الراهن في أسعار السلع إلى تضافر عدة عوامل هيكلية وأمنية حادة؛ يبرز في مقدمتها انقطاع الطرق وشلل سلاسل الإمداد، حيث يفرض النزاع المسلح قيوداً صارمة على الممرات التجارية الرئيسية بين الولايات، مما رفع تكلفة نقل السلع إلى مستويات غير مسبوقة بسبب المخاطر الأمنية وفرض رسوم المرور غير الرسمية. يضاف إلى ذلك أزمة الوقود والمحروقات، إذ أدى النقص الحاد في إمدادات الوقود والارتفاع الهائل في أسعاره إلى مضاعفة تكاليف التشغيل الزراعي من حرث وري، فضلاً عن تكاليف نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الاستهلاكية. ويكتمل هذا المشهد بتدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية، حيث يستمر الجنيه السوداني في الهبوط، ما يجعل استيراد المدخلات الزراعية أو المواد الغذائية التكميلية كلفة باهظة تُحمَّل بالكامل على المستهلك النهائي.واتساقاً مع هذه التقديرات الإنسانية، كشفت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في السودان بتاريخ 21 يوليو الماضي عن تسارع جديد في وتيرة التضخم خلال شهر يونيو، ما يعكس عمق تأثير تراجع قيمة العملة المحلية على الأسواق واتساع رقعة غلاء المعيشة. وأفادت البيانات بارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 51.28% خلال يونيو مقارنة بـ 44.50% في مايو، مع تسجيل ارتفاع متزامن في المدن والريف؛ إذ صعد التضخم في المناطق الحضرية إلى 51.81% (مقابل 41.11% في مايو)، بينما بلغ في الريف 51.06% (مقابل 46.83% في الشهر السابق).وتكشف البيانات الرسمية الصادرة في يوليو حجم الضغط الهائل على القوة الشرائية للأسر السودانية، حيث تُظهر أنماط الإنفاق استئثار سلة السلع الأساسية بالقسم الأكبر من دخل المواطنين؛ إذ يخصص السودانيون 52.89% من دخولهم لشراء “الأغذية والمشروبات”.ولم تتوقف التحذيرات عند الأرقام الإحصائية الوطنية، بل امتدت لتأخذ بعداً دولياً أكثر خطورة؛ إذ حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، مطلع أغسطس الحالي، من أن السودان بات يواجه رسمياً “أكبر أزمة جوع في العالم”، موضحاً أن نحو 19.5 مليون شخص يعانون حالياً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. وأكد البرنامج أن التداخل المركّب بين انعدام التمويل، وتعطيل النشاط الزراعي، والارتفاع الجنوني في أسعار الأغذية الأساسية، إلى جانب العوائق اللوجستية التي تعترض إيصال الشحنات الإغاثية، يدفِع البلاد تسارعياً نحو كارثة إنسانية وغذائية أوسع نطاقاً.وفي السياق ذاته، حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار القتال والنزوح ونقص التمويل يفاقم الاحتياجات الإنسانية والأزمة في البلاد؛ حيث أكد نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق، في بيان رسمي، أنه رغم الظروف الصعبة وتدهور الأوضاع الأمنية، تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها تقديم المساعدات في مناطق عدة من بينها مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وهو ما يسلط الضوء على عمق الأزمة اللوجستية وتحديات الإمداد التي تواجه مدن ومحليات إقليم كردفان الكبرى.وعلى صعيد متصل، أفاد مصدر موثوق من مدينة الأبيض لـ”مداميك” بأن أسعار السلع الاستهلاكية تشهد انفراجة نسبية واستقراراً مقارنة بالقفزات القياسية التي سجلتها خلال الفترة الماضية جراء أزمة الوقود التي ضربت المدينة قبل أكثر من شهر. وأوضح أن جوال السكر (زنة 50 كيلوغراماً) يبلغ حالياً 275 ألف جنيه، وجوال الأرز (زنة 25 كيلوغراماً) 150 ألف جنيه، بينما وصل أردب الدخن 740 ألف جنيه، وأردب الذرة 450 ألف جنيه، وجركانة الزيت 350 ألف جنيه. وأرجع المصدر هذا التوفر النسبي للسلع وانخفاض أسعارها في الأبيض مقارنة بغيرها إلى إعادة فتح طريق الصادرات الذي يربط المدينة بالعاصمة أم درمان، إلى جانب الطريق الممتد نحو مدينة كوستي، وهو ما سمح بتدفق الشحنات والبضائع. غير أن المصدر حذّر في الوقت ذاته من أن هذا الاستقرار المحدود يظل محصوراً داخل الأبيض؛ حيث يختلف الوضع تماماً في محليات ولاية غرب كردفان والأجزاء الغربية من ولاية شمال كردفان، والتي تعاني شحاً حاداً في السلع وارتفاعات كبيرة في الأسعار بسبب استمرار الحصار وانقطاع خطوط التموين.ويأتي هذا الارتفاع القياسي للأسعار متزامناً مع دخول البلاد في موسم الشح الزراعي، وهي الفترة التي تتضاءل فيها مخزونات الأسر من المحاصيل السابقة وتعتمد فيها بشكل كامل على الشراء المباشر من الأسواق، لاسيما في مناطق غرب كردفان. ومع فقدان غالبية السكان لمصادر دخلهم المعتادة وتعطل أنشطة كسب العيش، أصبحت القوة الشرائية للأسر في أدنى مستوياتها. إن التداخل بين شلل الطرق، وارتفاع أسعار الوقود، وانعدام السيولة لدى الأسر، يدفع بنحو 40% إلى 45% من سكان السودان نحو انعدام أمني غذائي حاد يصنف ضمن مرحلتي الطوارئ والكارثة. وتؤكد توقعات شبكة أنظمة الإنذار المبكر للمجاعة للفترة الممتدة حتى يناير 2027 أن الاستمرار في التجاهل الدولي والإقليمي لهذه الفجوة السعرية واللوجستية سيزيد اتساع بؤر المجاعة، خاصة في دارفور الكبرى وكردفان. ولتفادي الانهيار الكامل، يتطلب الوضع فتح ممرات إنسانية وتجارية آمنة لخفض تكاليف مخاطر نقل السلع والوقود، وتقديم دعم مباشر للمزارعين في الموسم الحالي عبر توفير المحروقات والتقاوي لضمان عدم فشل الموسم الزراعي، إلى جانب تكثيف البرامج الإغاثية النقدية والغذائية للمناطق الأكثر هشاشة للحد من وطأة ارتفاع الأسعار.The post قفزات خيالية في أسعار الغذاء والوقود.. غرب كردفان على حافة الكارثة appeared first on صحيفة مداميك.