حاوره : إدريس عبد اللهفي ظل مشهد سياسي سوداني يزداد تعقيداً وضبابية، وتطاول أمد الحرب المأساوية التي تعيشها البلاد، تتوالى المبادرات الخارجية والتشاورية بحثاً عن مخرج للأزمة واستعادة لمسار الانتقال المدني الديمقراطي. وفي هذا السياق، انطلقت في مدينة جنيف السويسرية، في الفترة من 24 إلى 26، اجتماعات تشاورية ضمت عدداً من القوى السياسية والمدنية السودانية، بمشاركة مراقبين من الآلية الخماسية الدولية وعدد من الفاعلين الدوليين، لبحث قضايا وقف الحرب والعملية السياسية ومستقبل الحوار السوداني.وتنعقد هذه الاجتماعات برعاية وزارة الخارجية السويسرية وبمشاركة ممثلين عن تحالف القوى الديمقراطية لقوى الثورة «صمود»، والكتلة الديمقراطية، وتحالف قوى الحراك الوطني برئاسة التيجاني السيسي، إلى جانب حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، فيما أعلنت حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور مقاطعتها للاجتماعات، مبررة قرارها بوجود جهات وأفراد لا يتوافق حضورهم مع رؤية الحركة للعملية السياسية ومستقبل التسوية في السودان.وتأتي هذه اللقاءات كخطوة تيسيرية داعمة للحوار السوداني، مع محاولة إيجاد مقاربة مع المسار الذي تقوده الآلية الخماسية الدولية، وسط توقعات بأن تسهم في استكمال الأجندة الخاصة بالحوار السياسي، وتوفير أرضية مشتركة بين مختلف القوى المدنية بشأن مستقبل البلاد.صحيفة “مداميك” التقت بالأستاذ كمال بولاد، الأمين السياسي لحزب البعث القومي وعضو المكتب التنفيذي لتحالف “صمود”، والذي كان حضوراً في هذه اللقاءات، واستجلت منه تقييمه لمخرجات جنيف وقراءته لمستقبل العملية السياسية.” لقاء جنيف الأخير هو الجولة السادسة ضمن منصة (نيون) القائمة على منهجية الحوارات غير الملزمة “كيف تقيّمون اجتماع جنيف الأخير، وما هي قراءتكم لمجريات الأحداث هناك؟لقاء جنيف الأخير هو اللقاء السادس في الورشة التي تنظمها منظمة (برومديشن) الفرنسية بالتنسيق مع الخارجية السويسرية تحت اسم لقاءات (نيون). وهي تقوم على طريقة (مراكز الفكر – Think Tank)، أي الحوارات غير الملزمة بهدف التوصل إلى مفاهيم مشتركةحول عملية إيقاف الحرب وخطواتها، وصولاً إلى العملية السياسية والانتقال المتوافق عليه بين القوى المدعوة لوقف الحرب وعودة السلام والاستقرار المدني في السودان.وأعتقد أننا توصلنا إلى تفاهمات جيدة بفضل مساهمات المشاركين في الحوار حول تفاصيل وخطوات عملية إيقاف الحرب وتحديات الانتقال، وذلك كتطور لما تم التوصل إليه في الجولات السابقة.” النقاش كان صريحاً ومباشراً ومثّل خطوة هامة لتقريب المسافات بين أطراف الحوار “إلى أي مدى نجح اجتماع جنيف في تحقيق تقدم حقيقي يتعلق بملف وقف إطلاق النار ودفع العملية السياسية؟كما قلت لك أستاذ إدريس، دار حوار طويل حول المبادرات التي طُرحت من أجل إيقاف الحرب ومدى فاعليتها. ولا ننسى أنه كانت هنالك مشاركة من بعض أعضاء (الآلية الخماسية) كآخر مبادرة لإيقاف الحرب في السودان، وكانوا حضوراً في جلسة حوار المبادرات الدولية.وأعتقد أن النتيجة الأهم هي أن النقاش كان صريحاً ومباشراً بين المشاركين، مما قرّب المسافات التي كانت بعيدة حول العمل على إيقاف الحرب من جانب، وبعض الداعين إلى استمرارها حتى الحسم العسكري من جانب آخر. وهذا يُحسب لهذا المنبر منذ اجتماعه الأول، حيث بذل القائمون عليه مجهوداً مقدراً حتى يجلس المشاركون مع بعضهم البعض.” الجميع اتفقوا على أن استمرار الحرب يهدد وحدة البلاد ويفتح الباب لسيناريوهات التقسيم والتشظي “ما هي أبرز وأهم مخرجات هذا الاجتماع من وجهة نظركم؟يذهب مسار الاجتماع نحو إيجاد تصور يتفق حوله المشاركون في القضايا الأمنية، الإنسانية، والسياسية كمشروع لإيقاف الحرب. ويستند هذا التصور على اتفاق الجميع على ضرورة إيقاف الحرب فوراً، وابتداءً باتفاق لوقف إطلاق النار يفتح الطريق لإنهاء الحرب نهائياً.كما اتفق الجميع على أن استمرار الحرب يهدد وحدة البلاد، ويجب العمل على إيقاف أي إجراءات من كل الأطراف قد تقود إلى تفكك الوحدة الوطنية، وتفتح الطريق لسيناريو التقسيم أو التشظي لأكثر من دولة.” ممثلو الآلية الخماسية التزموا بالدبلوماسية لكنهم استمعوا بجدية لانتقادات المشاركين الساعية لتعديل المسار “رأينا موقف الخماسية في مشاورات أديس أبابا متقلباً، إلى أي مدى تعتقد أن اجتماع سويسرا قد يساهم في تغيير وجهة نظرها تجاه العملية السياسية بما يخدم التحول المدني الديمقراطي؟في اجتماع جنيف، لم يتجاوز ممثلو الخماسية خانة الدبلوماسية، ولكنهم استمعوا باهتمام شديد لانتقادات المشاركين، وللصورة التي يريدون أن يُعدّل بها المسار الذي يجب أن تسير عليه المبادرة مستقبلاً، حتى تنجح مساعيها الحميدة في إحداث الاختراق المطلوب.” آن الأوان ألا ينتظر السودانيون حلولاً سحرية من المجتمع الدولي والإقليمي غير المستعد لأكثر من إدارة الأزمة “ما السيناريوهات المتوقعة في المرحلة المقبلة، وما الخطوات التي ستلي هذا الاجتماع؟أعتقد أنه في هذه الجولة من اجتماعات جنيف، كنت تستطيع أن تلمس منذ الجلسة الأولى في وجوه المشاركين من كل الأطراف الإحساس بالخطر؛ وهذا في تقديري مهم جداً في مواجهة التعقيد الذي أوصلت الحرب اللعينة بلادنا إليه.كما أن المسألة الأخرى الجديدة في هذا المنبر هي تقدم الحوار نحو التفاصيل بجدية، مثل قضايا وقف إطلاق النار التفصيلية من هدنة إلى آخره، والسعى نحو الحوار الجاد مع أطراف الحرب، وأعتقد أنه ستكون هنالك حركة عملية في هذا الاتجاه إن توفرت الإرادة.وأرى أننا في مرحلة من عمر الحرب وآثارها يجب أن نقول فيها جميعاً: لقد آن الأوان ألا ننتظر المجتمع الدولي والإقليمي ليجد الحل السحري لأزمتنا؛ فهو غير مستعد لأكثر من إدارة الأزمة نتيجة الظروف الإقليمية والدولية الراهنة. على السودانيين أن يستشعروا الخطر ويصنعوا بأيديهم السيناريو المناسب لإيقاف الحرب والحفاظ على الوحدة الوطنية، وأن يستولدوا إرادة العمل التي تحقق ذلك.وأخص هنا طرفي الصراع والقوى السياسية الوطنية التي يجب أن تنظر لإمكانيات وطاقات وتاريخ هذا الشعب العظيم، رغم المأساة التي يعيشها الآن بفعل من أشعلوا الحرب. يظل اجتماع جنيف وغيره من المحاولات الخارجية جزءاً من محاولات الآخرين لمواساة السودانيين وهمس العالم بعبارات الرقة ومحاولة تضميد الجراح في آذاننا، لكن أدوات الفعل الحقيقية تظل بين أيدينا نحن، إن أمعنا النظر بروح وإرادة الخروج من الأزمة، والنظر لصورة الوطن المثلى. The post كمال بولاد لـ”مداميك”: حوار جنيف قرّب المسافات، وأوان اعتماد السودانيين على أنفسهم قد حان appeared first on صحيفة مداميك.