الدرهم الإماراتي و الجنيه السوداني… هل تسبق المصالح الاقتصادية المصالحة السياسية؟

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةفي الوقت الذي لا تزال فيه العلاقات السياسية بين السودان ودولة الإمارات تمر بواحدة من أكثر مراحلها توتراً، فاجأ بنك السودان المركزي الأسواق بإعلان غير مسبوق، تمثل في ضخ 400 مليون درهم إماراتي عبر المصارف التجارية، واعتماد الدرهم الإماراتي عملةً أساسية لتمويل الواردات وتسعيرها بسعر ثابت قدره 1220 جنيهاً للدرهم، مع التزامه بتلبية جميع طلبات الاستيراد المقدمة عبر الجهاز المصرفي.هذا القرار يثير سؤالاً محورياً: لماذا أصبح الدرهم الإماراتي، وليس الدولار الأمريكي، هو الأداة التي اختارها بنك السودان للتدخل في سوق النقد الأجنبي؟الإجابة لا تكمن في السياسة النقدية وحدها، وإنما في الاقتصاد السياسي للعلاقة بين السودان والإمارات، حيث ما تزال تجارة الذهب، والتحويلات المالية، والبنية المصرفية، تمثل روابط يصعب فكها حتى في ظل القطيعة الدبلوماسية.اقتصادياً، يمتلك الدرهم الإماراتي عدة مزايا تجعله مناسباً لهذا الدور؛ فهومرتبط بسعر صرف ثابت أمام الدولار الأمريكي، مما يمنحه درجة عالية من الاستقرار،كما أنه متوافر في أسواق الخليج بصورة أكبر من الدولار في ظل القيود التي تواجه النظام المصرفي السوداني.ويضاف إلى ذلك أن جزءاً مهماً من التجارة السودانية، وعلى رأسها تجارة الذهب، ظل يرتبط تاريخياً بالأسواق الإماراتية. لذلك فإن اختيار الدرهم لا يبدو قراراً عشوائياً، بل يعكس محاولة لاستخدام العملة الأكثر ارتباطاً بتدفقات النقد الأجنبي المتاحة للاقتصاد السوداني في هذه المرحلة.ورغم التوتر السياسي بين البلدين، فإن الوقائع الاقتصادية تبدو أكثر تعقيداً. فبيانات بنك السودان التي نقلتها مؤسسات دولية تشير إلى أن صادرات الذهب الرسمية إلى الإمارات تراجعت خلال عام 2025 إلى نحو 8.2 طن بعد أن كانت 22.2 طناً في العام السابق، كما انخفضت حصة الإمارات من صادرات الذهب السوداني الرسمية من نحو 99% إلى 56%، مقابل ارتفاع الصادرات إلى مصر وسلطنة عُمان وقطر وإثيوبيا. غير أن هذه الأرقام لا تعني خروج الإمارات من معادلة الذهب السوداني، إذ يرى عدد من المتابعين لتجارة الذهب أن جزءاً من الذهب الذي يغادر إلى أسواق أخرى ينتهي في نهاية المطاف داخل مصافي دبي، سواء بصورة مباشرة أو عبر إعادة التصدير، باعتبار أن دبي لا تزال واحدة من أكبر مراكز تجارة وتكرير الذهب في العالم. وبالتالي، فإن انخفاض الصادرات المباشرة لا يعني بالضرورة انتهاء الدور الإماراتي في تجارة الذهب السوداني.ويأتي إعلان بنك السودان عن ضخ 400 مليون درهم في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني أزمة مركبة تتمثل في تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وانخفاض الإنتاج والصادرات، واتساع نشاط السوق الموازية، واستمرار تهريب الذهب، إلى جانب الارتفاع الكبير في الطلب على العملات الأجنبية لتمويل واردات الغذاء والوقود والدواء. ومن هذا المنطلق، يسعى البنك المركزي إلى توفير النقد الأجنبي للمستوردين، والحد من الضغوط على السوق الموازية، ومحاولة كبح التراجع المستمر في قيمة الجنيه. إلا أن الأسواق الموازية أظهرت أن هذا التدخل، رغم أهميته، لم ينجح حتى الآن في تغيير الاتجاه العام، إذ استمرت أسعار العملات والذهب عند مستويات مرتفعة، وهو ما يشير إلى أن ضخ السيولة الأجنبية قد يخفف الضغوط مؤقتاً، لكنه لا يعالج الأسباب الهيكلية للأزمة.كما يكشف القرار عن حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الاقتصاد السوداني ظل خلال العقدين الماضيين مرتبطاً بدرجة كبيرة بالإمارات، سواء باعتبارها سوقاً رئيسية للذهب السوداني، أو مركزاً للتحويلات المالية، أو محطة لإعادة تصدير السلع، أو مركزاً مصرفياً اعتمدت عليه المؤسسات السودانية خلال سنوات العقوبات الدولية. ولذلك فإن أي تغير في مستوى العلاقات الاقتصادية بين البلدين ينعكس بصورة مباشرة على سوق النقد الأجنبي داخل السودان.وفي المقابل، يبرز تساؤل آخر حول كيفية اعتماد الدرهم الإماراتي في الوقت الذي سبق أن تعرض فيه بنك النيلين – فرع أبوظبي – لإجراءات تنظيمية من السلطات الإماراتية. غير أن هذا الأمر لا يمثل بالضرورة تناقضاً، إذ إن الإجراءات الرقابية التي اتخذتها الإمارات جاءت في إطار تشديد متطلبات الامتثال المصرفي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي سياسات تطبق على جميع المؤسسات المالية العاملة داخل الدولة، ولا تعني بالضرورة توقف التعاملات الاقتصادية أو المالية المشروعة بين البلدين.ورغم أن اعتماد الدرهم قد يفسره البعض باعتباره مؤشراً على احتمال تحسن العلاقات الاقتصادية بين الخرطوم وأبوظبي، فإن من المبكر البناء على هذا الاستنتاج. فالاقتصاد قد يفرض أحياناً حلولاً عملية حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تحول في طبيعة العلاقات الثنائية أو بداية مرحلة جديدة من التقارب السياسي.وفي تقديري، فإن ضخ 400 مليون درهم يمثل تدخلاً نقدياً مهماً، لكنه يظل محدود الأثر إذا لم يصاحبه برنامج اقتصادي متكامل يشمل وقف الحرب، واستعادة الإنتاج، ومكافحة تهريب الذهب، وإلزام المصدرين بإعادة حصائل الصادرات، وإصلاح النظام المصرفي، وتوحيد سوق الصرف، وتعزيز استقلالية البنك المركزي. فهذه الإجراءات وحدها هي التي يمكن أن تؤسس لاستقرار حقيقي في سوق النقد.وفي النهاية، فإن اعتماد الدرهم الإماراتي لا ينبغي تفسيره باعتباره تحولاً استراتيجياً في السياسة النقدية السودانية أو مؤشراً حاسماً على إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين السودان والإمارات، بقدر ما يبدو استجابة عملية فرضتها ندرة العملات الأجنبية والبحث عن وسيلة أكثر كفاءة لتلبية احتياجات الاستيراد في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وقد ينجح هذا التدبير في تخفيف الضغوط على السوق خلال المدى القصير، لكنه لن يكون بديلاً عن معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد السوداني. ولذلك، فإن الحكم على نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بقدرة السودان على زيادة موارده من النقد الأجنبي، واستعادة الثقة في نظامه المصرفي، وإنهاء الحرب التي تبقى السبب الرئيسي وراء معظم الأزمات الاقتصادية الراهنة.The post الدرهم الإماراتي و الجنيه السوداني… هل تسبق المصالح الاقتصادية المصالحة السياسية؟ appeared first on صحيفة مداميك.