القوى المدنية في قبضة الإرهاق السياسي: إما الرؤية وإما الثأر

Wait 5 sec.

عبد الله علي إبراهيمفي قولهم، في التربص بها وحصارها وكسرها كما فعلوا مع الحكومة المدنية للعودة لسدة الحكم حد إشعال الحرب كلف ما كلف. وكانت القوات المسلحة مخلب قطهم، وستكون إلى يوم الدين.يرهن المجتمع الدولي بالقوى المدنية أخذ السودان إلى بر السلام بعدما تضع الحرب أوزارها. فمن رأي الرباعية – وفق بيانها سبتمبر (أيلول) 2025 – أن تتراضى الأطراف في الحرب على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر لتبلغ المساعدات المتضررين، ثم يعقب الهدنة وقف دائم لإطلاق النار لتنطلق عملية انتقال شاملة وشفافة خلال تسعة أشهر من بدء سريان هذا الوقف. وهي العملية المرهونة بالقوى المدنية بعد استبعاد قادة طرفي القتال، أو تنظيم الإخوان من الميدان السياسي بالكلية.لا يعرف المرء مدى واقعية هذا التخطيط لبلوغ الحكومة المدنية. فلو نجح المجتمع الدولي في إجبار الطرفين على الهدنة ووقف إطلاق النار فسيبقى منهما جسدان عسكريان لم تتفق لهذا المجتمع بعد خطة للتعامل معهما. فلربما ساغت للمجتمع الدولي خطة “صمود” التي انتهت إليها وهي قيام جيش واحد قومي مهني ينهي ظاهرة “تعدد الجيوش” من قوات مسلحة و”دعم سريع” وميليشيات. وهذه صيغة معدلة لتلك التي كانت من وراء الاتفاق الإطاري خلال عام 2023. فلم تكن القوات المسلحة معدودة ضمن مفردات “تعدد الجيوش”، بل كانت هي الحاضنة التي تصب فيها قوات “الدعم السريع” والميليشيات. واندلعت الحرب، ومهما كان من أسبابها ومن أشعلها فغير خاف أنه من دون بلوغ الجيش المهني الواحد عسر عظيم. ومما يزيده عسراً اتفاق “صمود” و”الدعم السريع” معاً على أن القوات المسلحة لم تعد جيشاً حتى بل مطية للكيزان تدور يمنياً متى أمرت ويساراً متى شاءت.ولا تخشى القوى المدنية على الفترة الانتقالية المدنية من شيء مثل خشيتها من الكيزان عليها. فلن يألوا الكيزان، في قولهم، في التربص بها وحصارها وكسرها كما فعلوا مع الحكومة المدنية للعودة لسدة الحكم حد إشعال الحرب كلف ما كلف. وكانت القوات المسلحة مخلب قطهم، وستكون إلى يوم الدين.وللقوى المدنية مع ذلك ثقافة غبينة عن هذه القوات تتجمل دون الصدع بها في مواثيقها الرسمية. فمن رأي الصحافية رشا عوض أن “المؤسسة العسكرية معول هدم الدولة السودانية واداة تفكيكها وتعذيب شعبها وأكبر ثغرة للتدخلات الخارجية الخبيثة، فهي أهم وكر للعمالة والخيانة الوطنية وسرقة الموارد الاقتصادية”. ولو صدق الآباء المؤسسون للدولة السودانية، في قولها، لحلوا هذا الجيش غير المهني أو الوطني في يوم استقلالنا لأنه صمم على “حراسة سلطة المستعمر وقمع الشعب، والشروع في بناء جيش السودان المستقل بمواصفات منسجمة مع توجه دولة وطنية مستقلة”. وعليه فحل القوات المسلحة واجب وطني تأخر كثيراً.ومن الصعب تصديق حياد دعوة الداعي “لا الحرب”، وله مثل سوء الظن التاريخي هذا في طرف منها كمؤسسة مثل القوات المسلحة ويعتقد بتأخر حلها لسبعة عقود. ولا يعرف المرء لم تواثقت القوى المدنية في وقت متأخر عن جيل الآباء المؤسسين خلال عام 2023 على أن ينحل “الدعم السريع” والميليشيات في الجيش على رغم سجله الأسود كما رأينا عند رشا.وهذا الانفراط في التقديرات السياسية ما يدفع المرء للسؤال عن المتانة السياسية للقوى المدنية المنتظر منها قيادة فترة انتقالية ثانية بعد حرب زؤام.لو توقف المجتمع الدولي ليسأل عن الصحة السياسية للقوى المدنية التي يراهن عليها لإدارة الفترة الانتقالية المقبلة لرتب بيت القوى المسلحة بأفضل مما فعل حرصاً على سلامة هذه الفترة في دورتها الثانية.فالقوى المدنية جماعة قليلة براها (بمفردها) النضال الطويل الفادح ضد الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت السودان لأكثر من نحو سبعة عقود منذ استقلاله عام 1956. وإذا كانت لها من مأثرة في وجه شانئها لضعفها فحجتها أنها وجدت في يومنا على رغم ما تعاور عليها لنحو نصف قرن من ديكتاتوريات محض قررت التخلص منها في بيان انقلابها الأول. ولعل أبلغ ما قيل عن ضعفها هو ما جاء على لسان فولكر بيرتس مندوب الأمم المتحدة الراعية للفترة الانتقالية حتى اندلاع الحرب. فقال إنها جاءت لمفهوم وإجراءات الاتفاق الإطاري على وهن لم تعد به إلا صورة شبحية من نفسها. فنزفت طاقتها نزفاً خلال أعوامها الثلاثة في الحكومة الانتقالية. وتفرقت شَذَرَ مَذَر. فلم يعتزل الحزب الشيوعي حكومتها الانتقالية فحسب، بل كان دعا لإسقاطها إسقاطاً سبقه إليه انقلاب الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021 ولم يسعد به بالطبع. وافترق عنها حزب البعث عند عتبة الإطاري.فالقوى المدنية ليست بالعافية التي تزعم، أو يزعمها لها، المجتمع الدولي. وكانت سبلها خلال مقاومتها المستميتة للديكتاتوريات تقطعت شيئاً فشيئاً مع المجتمع المدني الذي أحسنت قديماً قيادته في النقابات والاتحادات الشعبية. وتقطعت هذه السبل، خصوصاً خلال فترة “الإنقاذ” التي لم تعسر على القوى المدنية المعارضة مثل ذلك النشاط بين الجمهرة فحسب، بل اقتنع كادرها نفسه أيضاً باستحالته في ظل دولة للإخوان المسلمين أتقنت كحركة سياسية اجتماعية، إدارة مثل هذا النشاط.وكان خيار الصفوة المدنية المعارضة إما أن تضرب في اللجوء في بلاد الدنيا، وإما المسارعة للعمل تحت مظلة حركة مسلحة. ومن فرط خدمة هذه القوى تحت المظلات العسكرية بدا أنها فقدت ملكتها في العمل السياسي المدني. فلم تنجح خلال الفترة الانتقالية خلال عام 2019 في بناء أي كيان نقابي بين العمال والمزارعين والطلاب ولم تبلغ حتى بالنقابة بين المهنيين واكتفت بما عرف بـ”التنسيقية” التي هي قريباً من قولنا “بمن حضر”. واكتفت من غنيمة تجديد جسورها مع مجتمعها بالإياب: بنقد قانون النقابات الذي صدر عن الحكومة لمطاعن أخذته عليه.وكانت ثورة ديسمبر (كانون الأول) عام 2018 سانحة لتسترد عافيتها بين جماهيرها التي نهضت بمتانة وفدائية واستقلالية في لجان المقاومة خلال الثورة. غير أن “قحت” سرعان ما اعتزلت تلك اللجان وهي في الدولة. فما احتلت كراسي الحكم حتى افترقت سبلهما. فكان للشارع مطالبه التي رفضت صيغة المساومة بين المدنيين والمجلس العسكري بينما لحكومته عقيدتها في أنه بالوسع العبور لبر السلامة بحلف سوداني استثنائي بينها والعسكريين. علاوة على أن صفوة الرموز المدنيين لم تبذل أي جهد مؤسسي للتعامل مع تلك اللجان وعن قرب كما في دعوة صدرت عن السيد الإمام الصادق المهدي وعدها الحزب الشيوعي وصاية.ولما لم تنم القيادة المدنية تلك العلاقة المؤسسية مع المقاومة انتهت أحزابها إلى سباق تتخطف فيه لجان الشباب في أحلاف مصنوعة، بل رأى شباب المقاومة خذلاناً صريحاً يوم خرج أعضاء مجلس السيادة المدنيين، قادتهم، ببيان يشجبون مخاشنة بين لجنة مقاومة بمدينة أم درمان والفريق ركن شمس الدين الكباشي عضو مجلس السيادة العسكري بغير توقف لسؤالهم حتى عما جرى. وهكذا دقا بينهما عِطرَ مَنشم. وهتف شباب المقاومة في وجهها “قحاطة (هي قحت على لسان خصومها) باعوا الدم”. أي إن قحت استنامت لحلفها مع العسكريين وطيبات الحكم وفرطت في دم الشهداء الذين مكنوا لها فيه.وهكذا حلت قحت جيشها السياسي بنفسها.وكان بوسع قيادة المجتمع المدني أن ترُمَّ بالحرب ما تقطع بينها والناس لو جعلت من “لا للحرب” جسراً لهم. فكان مما يعززها ويخرجها من نحولها المشاهد إلى السعة والجماهيرية التزامها تنفيذ ما التزمته في إعلان أديس أبابا المنعقد بينهم وقوات “الدعم السريع” خلال يناير (كانون الثاني) عام 2024. وكانت تعهدت تشكيل إدارات مدنية تهيئ الأجواء لعودة المواطنين في المناطق التي تأثرت بالحرب إلى منازلهم، وتكليف لجنة وطنية حماية المدنيين تقف على إجراءات عودتهم للحياة الطبيعية، وتخصيص لجنة وطنية مستقلة برصد كافة الانتهاكات في جميع الميادين وتحديد المسؤولين عن ارتكابها بما يضمن محاسبتهم، بل انتداب لجنة ذات صدقية لكشف الحقائق حول من أشعل الحرب. ولم تصبر على الأخيرة وقررت كفاحاً أن الكيزان وميليشياتهم والقوات المسلحة من أشعل الحرب. وصارت شعيرة في خطابهم السياسي. ولم يحدث شيء ممن هذا البتة.وكان لقحت مع “الدعم السريع” دالة منذ إعلانهما المشترك خلال يناير 2024 لو أحسنت توظيفها لخففت من أذى الحرب على الكثيرين. فكان بوسعها دعوة “الدعم السريع” لوقف التصعيد في مثل ما يجري في يومنا في الأبيض، والذي تتداعى له الدول لوقفه بلا طائل. ووقف التصعيد أصل في كل دعوة لوقف أي حرب. ولربما التمست من “الدعم السريع” باسم أسر الأسرى والمعتقلين الإحسان لمن بيدهم منهم بدلاً من أن خروجهم الأخير علينا رهين قبور جماعية وأشباحاً من الهزال. وكانت القوى المدنية في “تقدم” بدأت بداية صحيحة حين التزم “حميدتي” لها في أديس أبابا إطلاق سراح المئات من أسرى الجيش والمعتقلين. ولا يعرف أحد إن أوفى الرجل بما وعد.لا يعرف المرء إن لم تكن القوى المدنية في صمود والحزب الشيوعي وأحزاب البعث، قحت سابقاً، قد حملت خسرانها الثورة محملاً بعيداً. فلما اتفق لها أن الكيزان هم من وراء انتكاسة ثورتهم ناصبوا القوات المسلحة العداء لأنها قبلت اصطفافهم معها في هذه الحرب. وطلبوا، حلاً لما سموها ظاهرة “تعدد الجيوش”، حلها إسوة بقوات “الدعم السريع” في جيش قومي مهني. وللغرابة، لم يكن هذا مطلبهم منذ ثلاثة أعوام كما تقدم حين قضى اتفاقهم الإطاري، الذي اختلفوا حوله، بدمج “الدعم السريع” في الجيش الذي لم يطلب منه سوى مغادرة الساحة السياسية والعودة للثكنات والامتناع في الاستثمار التجاري إلا في الصناعات الحربية. ومع ذلك فهذه القوى المدنية، طالما خشوا أن يأتيهم الكيزان من جهته، بيتوا في دخيلة أنفسهم التخلص منه لأنه مباءة كيزان أبداً لا مجرد حله في جيش قومي.مؤكد أنه من الصعب الدفاع عن القوات المسلحة التي لا بد أنها عرفت من هذه الحرب أنها ضلت في الحكم عن وظيفتها في حماية الأرض والعرض، ولكن أن يجري حسابها برد الفعل ووزر غيرها في منعطف حرج في تاريخ الوطن فارتجال لا يجدر بسياسي حاق الاسم. فلم تكسب خيراً لا العراق ولا هايتي من حل جيش مسيس حتى أخمص قدميه في العراق، أو فاسد حتى سبيبة رأسه في هايتي. فانتهت العراق إلى ميليشيات قرارها عند غير الدولة وصارت هايتي تحت حكم العصابات في يومنا ولا مغيث. فليست المئة عام في عمر مؤسسة مثل قوات السودان المسلحة بالأمر الطفيف مهما ضاق المدنيون بها ذرعاً. وقيل إنك لا تهدم ما لم تعرف لم قام أول مرة.ود المرء لو تصالحت القوى المدنية مع حقيقة أنها مرهقة إرهاقاً سياسياً فت عضدها لتعيد ترتيب أوراقها عن حال الحرب جميعها بما يعين حتى المجتمع الدولي لقراءة هذه الحالة بواقعية. فقد أخذ عليها كثيرون مثلاً أنها تُعبِّئ قواها والعالم لحجب الإسلاميين عن الحوار الوطني في حين تعتقد أن أمر القوات المسلحة بيد “علي كرتي”، الزعيم الإسلامي البارز، يأمرها فتمتثل. فامتلاك هذه القوى لإرهاقها هو سبيلها لرؤية تنفذ بها لحالة الحرب بقوة لا بالقوة. وهذا أو الثأرية لآخر حد.The post القوى المدنية في قبضة الإرهاق السياسي: إما الرؤية وإما الثأر appeared first on صحيفة مداميك.