عبد المجيد قرشيفي خضم الحروب والنزاعات المسلحة، وبينما تتعثر المبادرات السياسية وتتباين مواقف الأطراف المتصارعة، غالبًا ما تبرز القضايا الإنسانية باعتبارها المساحة المشتركة التي يمكن أن تلتقي عندها الإرادات المتصارعة. ومن هذا المنطلق، تكتسب مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة المتعلقة بتبادل الأسرى أهمية استثنائية، ليس فقط باعتبارها استجابة إنسانية لمعاناة آلاف الأسرى والمحتجزين وعائلاتهم، وإنما أيضًا باعتبارها مدخلًا عمليًا يمكن أن يفتح الباب أمام مسار تفاوضي أوسع وأكثر جدية.لقد أثبتت تجارب النزاعات المسلحة عبر العالم أن القضايا الإنسانية كثيرًا ما تكون نقطة البداية لأي عملية سياسية ناجحة. ففي الوقت الذي تفشل فيه الأطراف المتحاربة في الاتفاق على القضايا السياسية والعسكرية الكبرى، فإنها قد تجد أرضية مشتركة للتفاهم حول الملفات الإنسانية التي لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها ملف الأسرى والمعتقلين والمفقودين. لذلك، فإن طرح الأمم المتحدة لقضية تبادل الأسرى يأتي في إطار رؤية تدرك أن بناء السلام يبدأ أحيانًا بخطوات صغيرة لكنها ذات دلالات إنسانية وسياسية كبيرة.يمثل ملف الأسرى أحد أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا في أي حرب. فالأسرى ليسوا مجرد أرقام أو أوراق تفاوضية، بل هم أفراد لهم أسر وعائلات تعيش يوميًا حالة من القلق والترقب والمعاناة النفسية. وتزداد هذه المعاناة عندما تطول فترة الاحتجاز أو يغيب التواصل أو تتضارب المعلومات حول مصير المحتجزين. لذلك، فإن أي تقدم في هذا الملف يحمل معه أملًا إنسانيًا كبيرًا، ويبعث برسالة مفادها أن هناك إمكانية لتغليب الاعتبارات الإنسانية على منطق الحرب.وفي الحالة السودانية، حيث دخلت الحرب عامها الرابع، وتفاقمت الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، فإن الاهتمام بملف الأسرى والمحتجزين ينبغي أن يكون من أولويات أي جهد دولي أو إقليمي لوقف الحرب. فقد خلف النزاع آلاف المحتجزين والمفقودين، وأدى إلى تشريد الملايين، بينما تعثرت معظم المبادرات السياسية بسبب انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة وتضارب المصالح الإقليمية والدولية.إن نجاح أي عملية لتبادل الأسرى يمكن أن يسهم في بناء الحد الأدنى من الثقة بين أطراف الصراع، وهي الثقة التي تشكل حجر الأساس لأي عملية تفاوضية مستقبلية. فالتفاوض لا يبدأ عادة بالقضايا الكبرى والمعقدة، وإنما يبدأ بخطوات تدريجية تبني الثقة وتخلق مناخًا أكثر إيجابية للحوار. ومن هنا، فإن التوصل إلى اتفاق بشأن تبادل الأسرى قد يشكل نقطة تحول مهمة، تفتح المجال لمناقشة قضايا أخرى مثل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات للمتضررين.كما أن البعد الأخلاقي والإنساني لهذا الملف لا يقل أهمية عن بعده السياسي. فالحروب، مهما كانت أسبابها ودوافعها، لا ينبغي أن تؤدي إلى تجريد الإنسان من حقوقه الأساسية وكرامته الإنسانية. ويظل احترام القانون الدولي الإنساني، وضمان معاملة الأسرى وفقًا للمعايير الإنسانية، أحد المؤشرات المهمة على وجود إرادة سياسية للانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية.لقد شهد العالم العديد من التجارب التي شكلت فيها عمليات تبادل الأسرى بداية لمسارات سلام أوسع. ففي كثير من النزاعات، كانت المبادرات الإنسانية بمثابة الجسر الذي عبرت من خلاله الأطراف المتحاربة نحو التفاوض السياسي. ويرجع ذلك إلى أن النجاح في إدارة الملفات الإنسانية يخلق شعورًا بإمكانية الوصول إلى حلول وسط، ويكسر حالة الجمود والعداء المطلق التي تفرضها الحروب.وفي السودان، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى تبني مقاربة إنسانية شاملة، تضع حياة الإنسان السوداني وكرامته فوق الحسابات السياسية والعسكرية. فاستمرار الحرب لم يؤدِ فقط إلى تدمير البنية التحتية والاقتصاد، بل أدى أيضًا إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتعميق الانقسامات، وإضعاف فرص التعايش والاستقرار في المستقبل.ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تبادل الأسرى ينبغي ألا تُنظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إنساني محدود، وإنما باعتبارها فرصة سياسية وأخلاقية يجب البناء عليها. كما ينبغي أن تحظى بدعم جميع الأطراف الوطنية والإقليمية والدولية، وأن يتم التعامل معها باعتبارها خطوة أولى ضمن مسار أوسع يهدف إلى وقف الحرب واستعادة السلام.إن السودان اليوم بحاجة إلى مبادرات تعيد الاعتبار للإنسان قبل السياسة، وللقيم الإنسانية قبل الحسابات العسكرية. وقد يكون ملف الأسرى، بما يحمله من أبعاد إنسانية وأخلاقية وسياسية، أحد أهم المفاتيح الممكنة لكسر حالة الجمود الحالية، وفتح نافذة أمل أمام شعب أنهكته الحرب، ويتطلع إلى يوم يعود فيه السلام والاستقرار إلى وطنه.وفي النهاية، فإن السلام لا يبدأ دائمًا بالاتفاقات السياسية الكبرى، بل قد يبدأ بخطوة إنسانية صغيرة تعيد الثقة، وتخفف المعاناة، وتفتح الباب أمام مستقبل مختلف. ولعل مبادرة تبادل الأسرى تمثل اليوم واحدة من أهم هذه الخطوات التي تستحق الاهتمام والدعم، ليس فقط من أجل الأسرى وعائلاتهم، بل من أجل مستقبل السودان كله.The post تبادل الأسرى: المدخل الإنساني الذي قد يفتح أبواب السلام appeared first on صحيفة مداميك.