أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوكارتبط شهر سبتمبر (أيلول) في أذهان كثيرين بالمآسي والأحزان. ففيه وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر على مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 2001، ومجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982، وأحداث “أيلول الأسود” في الأردن عام 1970. وفي السودان، شهد الثاني من سبتمبر 1898 معركة كرري بين قوات الدولة المهدية والجيش الإنجليزي المصري الغازي؛ تلك المعركة التي بقيت جراحها حاضرة في الذاكرة السودانية. وعلى المستوى الشخصي، زاد هذا الشهر حزنًا برحيل علمين من أعلام الفكر والأكاديميا السودانية: الأستاذ الدكتور التيجاني عبد القادر حامد في 16 سبتمبر 2026، والدكتور حيدر إبراهيم علي في 25 سبتمبر 2026.كان حيدر إبراهيم إنسانًا نادرًا على طريقته. ولذلك نعته البروفيسور مهدي أمين التوم بوصفٍ يستحضر حيدر “بكل طموحاته، وكبريائه، وإقدامه، وقلقه، بل بكل صراحته الصادمة، وعنفوانه الذي لا يشيخ، وعبقريته التي لا تخطئها عين فاحصة، أو عقل متوازن، سليم الطويَّة”. لأن حيدر لم يفصل بين أفكاره ومواقفه؛ فحين رأى أن مبادئه الفكرية وقيمه السياسية لا تتفق مع توجهات حكومة الإنقاذ (1989-2019)، عارضها بقلمه، وجعل من الكلمة المكتوبة وسيلة لإيقاظ الوعي العام. وحين ضاق المجال أمام صوته، مضى إلى القاهرة، حيث أسس مركز الدراسات السودانية عام 1992.انطلق المركز من مناهضة “سلطة البياض وعقل المشافهة”، ومن الدعوة إلى إعادة التفكير النقدي في الواقع والفكر السودانيين، وفتح المجال للجديد والمختلف، وكتابة تاريخ السودان وتوثيق ثقافته في تنوعها. ولم يبقَ ذلك الشعار أمنية معلّقة على جدار؛ فقد تجسّد في مجلة كتابات سودانية، والتقارير الاستراتيجية، والكتب والترجمات، والندوات التي جمعت باحثين وكتّابًا من مشارب شتى. وبعطاء حيدر المتواصل بين القاهرة والخرطوم، صار المركز بيتًا من بيوت الفكر السوداني، وفضاءً لحفظ ما كان مهددًا بالتبدد في الذاكرة الشفاهية.لقد آمن حيدر بأن السودان ظل، زمنًا طويلًا، أقلَّ كتابةً وتوثيقًا مما يستحق؛ وأن الخبرات التي لا تُدوَّن قد تضيع بانفضاض مجالس “الونسة”، بدل أن تتراكم لتعين الأجيال على فهم أخطائها واستشراف مستقبلها. ولعل هذا ما يمنح مشروعه معناه الأعمق: لم يكن يصدر الكتب لمجرد زيادة عددها، بل كان يسعى إلى أن يترك للسودانيين ذاكرةً مكتوبةً يستطيعون أن يعودوا إليها، ويحاوروها، ويختلفوا معها.وحينما أحِسَّ حيدر أن هناك مساحة متاحة للعمل الفكري في السُّودان نقل مركز الدراسات السُّودانية إلى الخرطوم في مطلع الألفية الثالثة. انتقده بعض أصدقائه الذين اعتبروا قرار الانتقال من القاهرة إلى الخرطوم قفزة في الظلام، ليست مدروسة العواقب بعناية في ظل نظام يرفض الحوار مع الآخر، وبعضهم الآخر ظن أنَّ حيدراً قد عقد صفقة سياسية مع زبانية الانقاذ. لكن حيدر بطبعه ميالٌ للمغامرة والتجديد، ومفارقة المألوف. ولذلك عندما حط رحاله بالخرطوم شرع قلمه في الدعوة إلى سودان ديمقراطي تعددي، وعلماني بالمعنى الإيجابي الذي يحفظ للدين قدسيته بعيداً عن الصراع السياسي، كما واصل نقده للسلطة الحاكمة وسدنتها؛ لكن أهل السلطان ضاقوا به زرعاً، فاتهموا الرجل بالعمالة واستلام أموال من جهات أجنبية لإسقاط النظام. وبهذه الفِرْيَةُ أغلقوا مركز الدراسات السُّودانية في الخرطوم عام 2012م، وأجبروا مؤسسه على الرحيل إلى القاهرة، كأنهم ستجاروا بالرمضاء من النار. وفي ظل هذه الظروف القاسية باع حيدر منزله الخاص بالخرطوم، وأقفل عائداً إلى القاهرة؛ ليمارس هواية التنوير التي نذر نفسه إليها. وخلال إقامته القصيرة بالقاهرة (2012-2018م) أنجز العديد من المؤلفات، وحرر أخيراً عملين نفيسين، هما “خمسون عاماً على ثورة أكتوبر السُّودانية، 1964-2014: نهوض السُّودان الباكر”؛ و”استقلال السُّودان ستون عاماً من التجربة والخطأ، 1956-2016”.واثناء عودة الأولى إلى القاهرة أرسل إليَّ رسالة إلكترونية في 28 أكتوبر 2015م، قائلاً: “تحية عطرة ومنى طيبة بكل خير وعافية ورضا. عساك بخير؟ لقد انقطعتْ قليلاً عن التواصل. أم التربال [يعني حيدر نفسه] فقد كان غارقاً في الشغل، فاليوم مثلاً سلمتُ العدد 57 من المجلة، وكان عن الفيتوري. كتاب الاستقلال كان ومازال مرهقاً، ولكن سار بصورة مُرضيَّة، وكانت الاستجابة رائعة. وصلت 27 ورقة مميزة ومتنوعة من أكاديميين وكُتّاب رصينين وجادين. الآن لدى الناشر للتوضيبات الفنية الأولى، خطتنا أن يصدر أول يناير. رغم بعض المعاكسات التي صرتُ اعتبرها من توابل العمل. انتهت دار ورد من كتاب “الدين والمجتمع: مقدمة في علم اجتماع الدين” وسيُعرض في الشارقة. واحتمال كبير يكون معاه كتاب “الفتوى والسياسة”. احتفي المصريون- للمفارقة- بكتاب السيرة الذاتية، ونظموا عدداً من الفعاليات، أمس كنت في قناة النيل الثقافية 45 دقيقة عن الكتاب. كنت متشائماً من سنة 2015؛ ولكنها مش بطالة.”بعد ثورة ديسمبر 2018، عاد حيدر إبراهيم علي إلى الخرطوم، ساعيًا إلى أن يؤدي مركز الدراسات السودانية دورًا فاعلًا في مرحلة الانتقال الديمقراطي. وفي هذا السياق، انتقد انخراط بعض المتعلمين والمثقفين في العمل الحزبي وفق الشروط التي أرستها الفئات المهيمنة؛ إذ رأى أن هذا الانخراط حدّ من قدرتهم على التأثير في مسار الأحداث، وحوّل اهتمامهم إلى مقتضيات العمل السياسي اليومي. ولمعالجة هذا الوضع، دعا حيدر إلى تحويل مجلة كتابات سودانية إلى منبر وطني مفتوح للمثقفين السودانيين، يتولون إدارته وتنفيذه والإشراف عليه “بدون قيود أو حدود”. وأقرّ بصعوبات العمل الجماعي بينهم، لكنه طرح الفكرة للنقاش، أملًا في الاتفاق على صيغة عملية تتيح تنفيذها. وكان هذا النداء من أواخر مبادراته الثقافية؛ فقد حالت التطورات السياسية، ثم اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، دون المضي في المشروع، واضطر إلى العودة إلى القاهرة لمتابعة أحواله الصحية وترتيب شؤون حياته.وزبدة القول إن حيدر قد جسّد، من خلال مركز الدراسات السودانية ومجلة كتابات سودانية، إيمانه بما سمّاه “العلاج بالقراءة”. فكان يرى في الكتابة والتوثيق والنشر وسائل لإثراء المعرفة وإتاحة المجال للأجيال الجديدة من الباحثين والقراء. واهتمّ على وجه الخصوص بالشباب الذين وصفهم بأنهم “جيل بلا آباء”، مشيرًا بذلك إلى ضعف صلتهم بالأجيال السابقة ومحدودية معرفتهم بتاريخ السودان الحديث والمعاصر. ومن هذه الزاوية، تكتسب مؤلفاته أهميتها؛ إذ تصل بين تجارب الأجيال، وتفحص مواطن الخلل في التاريخ السياسي والاجتماعي السوداني. ومن أبرز مؤلفاته:التغيير الاجتماعي والتنمية. القاهرة: دار الثقافة، 1981.مقدمة في علم الاجتماع. العين: مكتبة العين، 1982.السكان والتنمية: حالة دولة الإمارات العربية المتحدة. تونس: جامعة الدول العربية، 1985لاهوت التحرير: الدين والثورة في العالم الثالث. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1992.التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان. القاهرة: دار الأمين، 1996.مواقف فكرية. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1999.المثقفون: التكوين في السودان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2000.العولمة وجدل الهوية. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2001.المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2001.التعليم وحقوق الإنسان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2002.سقوط المشروع الحضاري. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2004.سوسيولوجية الفتوى: المرأة والفنون نموذجًا. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2010.السودان: الوطن المضيّع. القاهرة: دار ميريت، 2011.مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب الدنيا وخسارة الدين. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2011.الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان. القاهرة: دار الحضارة للنشر، 2012.التجديد عند الصادق المهدي: الإشكاليات والاختلالات. القاهرة: دار أوراق للنشر والتوزيع، 2013.الديمقراطية السودانية: المفهوم، التاريخ، الممارسة. القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2013.السودان: الحكم الإسلامي وتحديات الدولة الحديثة. القاهرة: دار جزيرة الورد، 2013.أزمنة الريح والقلق والحرية: سيرة ذاتية. القاهرة: دار الحضارة للنشر، 2015.الفتوى والسياسة. عمّان: دار ورد، 2016.علم اجتماع الدين. عمّان: دار ورد، 2016.أنثروبولوجيا الشعر والحجاب. القاهرة: دار الحضارة للنشر، 2017.رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي رحمةً واسعة، بقدر ما قدّم لوطنه وأعطى لأجياله من علمٍ وفكر. ونرجو أن يظل مركز الدراسات السودانية حاملًا رسالته، أمينًا على إرثه؛ فالعاملون فيه يحملون اليوم شعلةً أوقدها حيدر، ونأمل ألّا تسقط من أيديهم، وأن يبقى نورها هاديًا لكل من يبحث عن السودان في تاريخه وحاضره ومستقبله.The post رحيل الدكتور حيدر إبراهيم علي (1943-2026) ومآسي أيلول الأسود وأحزانه appeared first on صحيفة مداميك.