د. أماني الطويلعندما تصدر الأمم المتحدة تقريراً يربط بين مورد مدني بامتياز كالصمغ العربي واستمرار آلة الحرب في السودان، فإن ذلك يكشف عن حقيقة أعمق من مجرد رصد سلعي، فحرب السودان التي دخلت عامها الثالث، لم تعُد صراعاً على السلطة وحسب، بل تحولت إلى اقتصاد حرب متكامل، تمول فيه الثروات الطبيعية سهلة الاستخراج والتداول استمرارية القتال، وتمنح أطرافه حوافز مادية لمواصلته بدلاً من إنهائه. التقرير الأممي الأخير الذي وضع الصمغ العربي إضافة إلى الذهب في خانة الموارد التي تغذي اقتصاد الحرب، يستحق قراءة متأنية، ليس فقط لما يكشفه عن آليات التمويل، بل أيضاً لما يفضحه من محدودية أدوات الحصار الدولي المفترض أنها تحاصر هذه الموارد.منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” في أبريل (نيسان) عام 2023، برز الذهب بوصفه الشريان المالي الأهم لطرفي الصراع، تحديداً لقوات “الدعم السريع” التي تسيطر على مساحات واسعة من مناطق التعدين التقليدي في دارفور، وفي مقدمتها منطقة جبل عامر التي كانت تعرف قبل الحرب بأنها من أكبر مواقع التعدين الأهلي في أفريقيا، ومكّنت هذه السيطرة قوات “الدعم السريع” من تمويل تسليحها وتجنيدها ومرتباتها عبر شبكة تهريب تمتد من دارفور إلى ليبيا وتشاد، وصولاً إلى أسواق التكرير والتداول الدولية.وتقدّر أبحاث “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية” التي تابعت اقتصاد الذهب السوداني عبر تقارير عدة بين عامي 2019 و2023، بأن الغالبية العظمى من الإنتاج السوداني من الذهب، بما يتجاوز 80 في المئة بحسب بعض أرقامها، كانت تخرج من البلاد عبر قنوات غير رسمية حتى قبل اندلاع الحرب الحالية، مما يعني أن الحرب لم تخلق هذه الشبكات من فراغ، بل استثمرت في بنية تهريب قائمة أصلاً وضخمتها لتمويل المجهود العسكري.المفارقة أن الذهب، خلافاً لسلع الصراع الأخرى كالماس الذي خضع لآلية عملية كيمبرلي الدولية التي انطلقت عام 2003 لمنع تداول ماس الدم، لا يزال حتى اليوم بلا نظام تتبع إلزامي ملزم على مستوى عالمي، مما يجعل مساره من موقع الاستخراج غير الرسمي في دارفور إلى مصافي التكرير مساراً شبه شفاف من حيث الحركة الفعلية على الأرض، لكنه معتم تماماً من ناحية المساءلة القانونية، إذ يُعاد تصدير المعدن بعد الصهر بصورة تمحو أي أثر لمصدره الأصلي.وإذا كان الذهب سلعة تهرّب، فإن الصمغ العربي سلعة تصدّر رسمياً في الغالب، وهنا تكمن خطورة إدراج الأمم المتحدة له ضمن اقتصادات الحرب، إذ يورد تقرير منظمة الأغذية والزراعة الدولية ومصادر مركز التجارة الدولية أن السودان يزوّد الأسواق العالمية بما يراوح ما بين 70 و80 في المئة من إنتاج الصمغ العربي عالمياً، وهو مادة أساسية لا غنى عنها في صناعات المشروبات الغازية والحلويات والأدوية ومستحضرات التجميل، تحديداً في منتجات شركات كبرى، وهذه المكانة الاستراتيجية للسلعة جعلتها تاريخياً تحظى باستثناءات من العقوبات الأميركية التي فرضت على السودان خلال تسعينيات القرن الماضي، بحجة أنها سلعة إنسانية لا ترتبط بتمويل السلاح، وهو استثناء ظل قائماً فعلياً حتى مع تغير طبيعة النظام الحاكم في الخرطوم.لكن ما يكشف عنه التقرير الأممي الجديد أن مناطق إنتاج الصمغ العربي الرئيسة، الواقعة في كردفان ودارفور، أصبحت اليوم إما مناطق نفوذ مباشر لأحد طرفي الصراع، أو مناطق عبور تُفرض عليها إتاوات وضرائب حماية من جانب القوات المسيطرة ميدانياً، وبذلك تتحول عائدات هذه الصناعة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في سلع استهلاكية يومية، إلى مصدر تمويل غير مباشر، لكنه فاعل لاستمرار العمليات العسكرية عبر ما يشبه ضريبة حرب مفروضة على سلسلة الإمداد بأكملها، من المزارع إلى نقاط التصدير.ولا يقتصر الأمر على الذهب والصمغ العربي، فالتقارير الدولية المتلاحقة تشير إلى أن الماشية التي يُعدّ السودان من أكبر مصدريها في المنطقة، تخضع هي الأخرى لعمليات نهب وفرض إتاوات على طرق الترحيل، كما أن قطاع الكروم والمعادن الأخرى في مناطق النزاع بات محل تنافس بين الأطراف المسلحة، وتضاف إلى ذلك ظاهرة الاستيلاء على الأراضي الزراعية في الجزيرة وسنار التي تحولت من سلة غذاء إلى ساحة نزاع على الموارد الزراعية ذاتها.هذا التنوع في الموارد المستغلة يفسر لماذا بات من الصعب على أي طرف في الحرب أن يجد حافزاً اقتصادياً للجلوس إلى طاولة تفاوض جادة، ما دام أن الموارد الطبيعية ظلت تمول الاستمرار في القتال بلا حاجة ملحة إلى دعم خارجي مباشر، ويضاعف من خطورة هذا المشهد أن الحرب أنتجت، بحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2024، أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، إذ تجاوز عدد النازحين داخلياً 10 ملايين شخص، إضافة إلى نحو مليونين لجأوا إلى دول الجوار، مما يعني أن اقتصاد الحرب لا يمول القتال وحسب، بل يعمق أيضاً الأزمة الإنسانية التي تجعل السيطرة على مناطق الإنتاج والتصدير هدفاً استراتيجياً بحد ذاته لطرفي الصراع.في هذا السياق، تتعدد الأدوات الدولية التي يفترض أنها تسعى إلى محاصرة اقتصاد الحرب هذا، لكن تقييم فاعليتها يكشف عن فجوة واسعة بين النوايا المعلنة والنتائج الميدانية، فلجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان التي تعمل بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591 الصادر عام 2005، وتتبع لجنة العقوبات الخاصة بالسودان، تصدر تقارير دورية توثق شبكات تهريب الذهب وتمويل السلاح، لكنها تفتقر إلى صلاحيات تنفيذية، وتبقى توصياتها رهينة إرادة مجلس الأمن الذي ينقسم أعضاؤه الدائمون حيال الملف السوداني.وعلى المستوى الثنائي، استهدفت العقوبات الأميركية والأوروبية شخصيات وكيانات بعينها مرتبطة بقوات “الدعم السريع” وشبكاتها الاقتصادية، ومن أبرز الأمثلة الموثقة قرار وزارة الخزانة الأميركية في يونيو (حزيران) 2023 فرض عقوبات على “شركة الجنيد للأنشطة المتعددة”، وهي الذراع الاقتصادية الرئيسة لقوات “الدعم السريع”، إضافة إلى شركات وسيطة أخرى ساعدت في تصريف عائدات الذهب. لكن هذه العقوبات تصطدم بمحدودية قدرتها على ملاحقة الأموال بعد دخولها مصافي التكرير والأسواق الإقليمية، إذ إن العقوبة على كيان بعينه لا توقف تدفق المعدن ذاته عبر وسطاء وشبكات بديلة تنشأ بسرعة لتعويض الكيانات المدرجة على قوائم العقوبات.وتكمل هذا المشهد جهود الشفافية والتتبع الطوعي التي تقودها بعض المؤسسات الدولية ومبادرات القطاع الخاص، على غرار إرشادات العناية الواجبة في شأن سلاسل التوريد المسؤولة للمعادن من المناطق المتأثرة بالنزاعات التي أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2011 وحدّثتها لاحقاً، لكن هذه المعايير تبقى طوعية غير ملزمة قانوناً، وتعتمد على التزام الشركات المستوردة نفسها تطبيقها، وهو التزام يتفاوت بشدة بين الأسواق، خصوصاً في مراكز التكرير التي لا تلزم نفسها معايير تتبع صارمة.في المقابل، بدأت بعض الشركات العالمية الكبرى في صناعة الأغذية والمشروبات تبدي اهتماماً بمراجعة مصادر توريدها من الصمغ العربي بعد تقرير الأمم المتحدة الأخير. لكن هذا التحرك لا يزال في طور المبادرات المحدودة، ولم يتحول بعد إلى آلية شهادات إلزامية على غرار ما هو معمول به في قطاعات أخرى كالخشب أو زيت النخيل.ويمكن تفسير محدودية تأثير هذه الأدوات مجتمعة بأن الحدود السودانية الطويلة والهشة مع ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان توفر منافذ تهريب متعددة يصعب ضبطها بالكامل، خصوصاً في ظل غياب سلطة مركزية موحدة قادرة على فرض الرقابة على هذه المعابر، فضلاً عن أن العقوبات الانتقائية على أفراد أو كيانات بعينها تشبه محاولة سد ثقب في شبكة واسعة، إذ سرعان ما تستبدل الكيانات المعاقَبة بأخرى جديدة، مع غياب نهج شامل يستهدف البنية الاقتصادية للتهريب ذاتها بدلاً من أفراده.إن إدراج الأمم المتحدة الصمغ العربي إضافة إلى الذهب ضمن تقريرها الأخير يمثل تطوراً مهماً في فهم اقتصاد الحرب السودانية، لأنه ينقل النقاش من التركيز الحصري على الموارد الاستخراجية التقليدية كالذهب إلى الاعتراف بأن حتى السلع الزراعية المرتبطة بصناعات مدنية عالمية يمكن أن تتحول إلى وقود لصراع مسلح حين تقع مناطق إنتاجها تحت سيطرة أطراف متحاربة.لكن هذا الاعتراف وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى آليات إلزامية للتتبع والمساءلة، تشمل مصافي التكرير ومستوردي الصمغ العربي على حد سواء، وتُقرن بضغط سياسي دولي منسق يغلق منافذ التمويل بدلاً من الاكتفاء بتوثيقها، وإلى أن يحدث ذلك، سيظل اقتصاد الحرب في السودان أحد أهم العوامل التي تبقي البلاد رهينة صراع طويل الأمد، تدفع فيه الموارد الوطنية ثمن استمرار القتال بدلاً من أن تكون رافعة لإعادة الإعمار والاستقرار.The post الذهب والصمغ: كيف تطيل موارد السودان أمد حربه؟ appeared first on صحيفة مداميك.