يوسف الغوثفي متاهات اللهجة السودانية، وُلدت عبارة سقط لقط كأحد التعبيرات الشعبية المعبىرة عن التهكم المرير؛ان تلك الكلمة العجائبية التي كانت بمثابة وسادة هوائية ينفث فيها السوداني ضيقه اليومي، فيصف بها مكانا مجهولا لا تعرفه الخرائط، او هروباً مؤقتاً من زحمة الحياة تحولت اليوم، تحت وطأة حرب أبريل 2023، إلى جرح لغوي مفتوح ،يعكس أعظم أزمة نزوح في العالم.لم يعد الذهاب إلى سقط لقط اختيارا للخلوة أو الهروب العابر، بل صار وصفاً دقيقاً لحالة كونية يعيشها الملايين من اختفاء قسري، وتيه جغرافي، اومحو ممنهج للذاكرة.الأدهى والامر أن العبارة لم تعد تقتصر على وصف اللامكان، بل تجاوزته إلى وصف لحظة زمنية معلقة، حيث يعلق السودانيون بين ماضٍ احترق ومستقبل غامض، وكأن الزمان نفسه قد ألقي في تلك الهاوية المجهولة.ان هذا التحول من المجاز الفكاهي إلى الواقع المأساوي لم تعد تستخدم فيهتلك الكلمة من مجرد سردية عاطفية، بل تحولت الي جرح في نسيج اللغة ذاتها، يحمل في طيّاتها خطراً دقيقاًفقد اصبح هذا المصطلح أداة لتطبيع الفاجعة، وأن يفقد الجميع، مع مرور الأيام، القدرة على استشعار فداحة ما جرى.لكن في المقابل، فإن بقاء هذه العبارة على الألسنة يومياً هو دليل على أن الذاكرة لم تقبر بعد، وأن الشعب يكتب، برغم كل شيء، شهادة تاريخية بلغته الجريحة، لعلها تكون يوما ما منارة تعيد السودان من اللامكان إلى خريطة الوجود.لقد انقلبت الأحوال، فلم تعد سقط لقط مجرد كلمة تقال لغاضب يريد الابتعاد، بل صارت عنواناً يومياً لعائلة سودانية بأكملها، اقتلعت من جذورها في حيّها، وقذف بها في رمال النسيان في تحولٌ مأساوي من المجاز إلى المعاش، ومن الفكاهة إلى الرثاء.أن اول ما يسقط في هذا اللامكان هو البوصلة. فالنازح السوداني اليوم، الذي يرزح تحت وطأة القصف والجوع، لم يعد يعرف وجهته،،إذ يهيم على وجهه في دروب موحلة، متجهاً إلى قرى حدودية لم يسمع بها من قبل، أو إلى مخيمات مؤقتة أقيمت في العراء، وكأن الأرض التي كانت مألوفة قد انطوت عليه وطوَت معه كل معالمها.هذا التيه الجغرافي ليس مجرد فقدان للعنوان، بل هو شعور وجودي بالانخلاع، حيث تحلّ الخيام الهشة مكان البيوت العريقة، ويُصبح الإحساس بالاستقرار ذكرى بعيدة كالسراب.غير أن الخسارة الأكبر تتجلى في اختفاء الأثر، ذلك المعنى الآخر الذي تحمله العبارة. فآلاف المفقودين الذين ابتلعتهم غياهب الحرب، والذين انقطعت أخبارهم وكأن الأرض قد انشقت فجأة وابتلعتهم، هم تجسيد حقيقي لسقط لقط البشري. فالاختفاء لم يقتصر على الأجساد، بل امتد إلى موروثات البلاد ،،كالمتاحف التي كانت تحكي تاريخا عريقاً، والأرشيفات التي كانت تحفظ ذاكرة الأمة، والجامعات التي كانت تصنع المستقبل، فجميعها ذهبت في طيّ النسيان أو تحت أنقاض الدمار، وكأن هوية السودان ذاتها قد ألقيت في تلك الهاوية المجهولة التي لا يمكن استعادتها…وهنا تكمن المفارقة الأعظم؛ فالدلالة الاستنكارية التي كانت تلفظ بها العبارة بسخرية خفيفة، صارت اليوم تعبيراً عن قلق وجودي عميق.فالسودانيون اليوم معلقون بين أمسٍ محترق وغدٍ غائم، لا يملكون إجابة عن سؤال متى تنتهي الحرب، ولا كيف تُبنى البيوت، ولا بأي طريق يُلملم شمل الأسر الممزقة.لقد أصبح الغد مجهولاً كتلك البلاد المحترقة وأصبح التساؤل عن المصير يضيع في دهاليز سقط لقط بلا جواب.إن عبارة سقط لقط والتي كانت منذ عقود مجرد نكتة شعبية، تحولت اليوم إلى مرثاة وطن؛ فما كان يُستعمل للهروب من ضيق عابر، صار يُستعمل لوصف شتات شعب بأكمله.ان السودان اليوم يبحث عن طريقه للخروج من هذا اللامكان، وعن خيط رفيع يعيده في خريطة الوجود، إلى وطن له ملامح، وله تاريخ، وله عنوان. فهل يأتي يوم وتعود سقط لقط إلى مجرد حكاية في قصص الجدات والاجداد ، بدلا أن تكون عنواناً لمأساة جيل؟The post سقط لقط appeared first on صحيفة مداميك.