بقلم: ترايو احمد عليفي حلقة اليوم من هذه المسرحية السودانية المفتوحة على العبث، والتي ما يزال أبطالها يصرّون على اعتلاء الخشبة رغم سقوط الديكور واحتراق المقاعد، نواصل تأمل فصول «مهزلة السياسة السودانية في مرآة مسرح اللامعقول»، لنتوقف عند ثلاثة مشاهد تكاد تختصر تاريخ النخبة السودانية بأكمله.أولها: «عقلية النخبة السودانية ومتلازمة سبلاية الشتاء»؛ تلك العقلية التي نجحت، على مدار عقود، في تحويل الانتظار إلى برنامج سياسي، والجمود إلى فضيلة وطنية.وثانيها: «الغلوطيات الثلاث في الإنكار الأعظم»؛ حيث يلتقي بعض الفاعلين من مختلف التيارات السياسية، من اليسار واليمين والتيارات الطائفية والعلمانية وحملة السلاح، عند مبدأ واحد: صعوبة الاعتراف بالمسؤولية السياسية؛ فلا أحد أخطأ، ولا أحد يتحمل وزر قراراته، ولا أحد يريد أن يكون جزءًا من قصة الخراب.أما المشهد الثالث والأخير، فهو: «خراب سوبا وعلاقته بخراب الخرطوم وأخواتها من المدن السودانية في ظل حرب الخامس عشر من أبريل»؛ لنكتشف، بعد رحلة تمتد عبر قرون، أن السياسي السوداني قد يغير شعاراته وملابسه وحلفاءه، لكنه نادرًا ما يغير هوايته المفضلة: ترك المدن خلفه أطلالًا، ثم الانشغال، بكل جدية، بالبحث عن كبش الفداء المناسب.● النخبة السودانية ومتلازمة “سبلاية الشتاء”في غرب السودان، ولا سيما في سهول كردفان ودارفور، ينتشر نبات البطيخ بكثرة خلال فصل الشتاء، مستفيدًا من الرطوبة التي تختزنها رمال السافانا. وفي هذا الموسم تظهر ثمرة صغيرة من البطيخ لا يتجاوز حجمها بيضة الدجاج، تُعرف محليًا باسم «سبلاية الشتاء» أو «صبلاية الشتاء».وبينما تمضي بقية ثمار البطيخ في النمو حتى تكتمل نضجًا وحلاوة، تتوقف «سبلاية الشتاء» عن النمو إذا تعرضت للمس خلال مراحلها الأولى. فما إن تُمس حتى تنكمش على نفسها استجابةً دفاعية، ويتوقف عن النمو، وتتصلب قشرتها، ويغدو قشرتها الخارجية لامعًا على نحو غير مألوف، بينما يتحول لبها إلى مرارة شديدة تجعلها غير صالحة للأكل.ولهذا غدت «سبلاية الشتاء» في الموروث الشعبي رمزًا لكل كائن يتوقف نموه قبل أن يكتمل، نباتًا كان أم إنسانًا. فهي تواجه الصدمة بالانكماش والتقوقع بدلًا من التكيف والنمو؛ تبدو ساكنة وهادئة في ظاهرها، لكنها تفقد قدرتها على التفاعل الإيجابي مع محيطها، وعلى الدخول في حوار يسمح لها بالتجدد والتطور.وكما يوحي عنوان المقال، لسنا بصدد تفسير ظاهرة نباتية، وإنما نستعيرها بوصفها رمزًا لحالة إنسانية وسياسية. فكما تتوقف هذه الثمرة عن النمو عندما تتعرض لصدمة لمس، قد يتوقف الإنسان أو المجتمع أو النخبة السياسية عن التطور لمواجهة تحدياته التاريخية.وحينئذٍ يصبح الانكفاء على الذات، والتصلب في المواقف، والانغلاق على الأفكار، آليات دفاعية تحل محل المراجعة والنقد والتجدد. وهذا، في تقديري، ما أصاب جانبًا من طرائق تفكير النخبة السياسية السودانية؛ حيث تحولت التجارب الفاشلة إلى قناعات ثابتة، وتحولت الأخطاء التاريخية إلى مواقف دفاعية لا تقبل المراجعة.وهنا تأتي استعارة “متلازمة سبلاية الشتاء” لتصف حالة سياسية تتوقف فيها قابلية النمو عند لحظة معينة، فتظل النخبة تدور حول نفسها، تتمسك بالأفكار و الادوات الفاشلة ذاتها التي انتجت الفشل سابقا وتنتظر نتائج مختلفة.● الغلوطيات الثلاثة.ولعل أكثر ما يثير الدهشة في مهزلة السياسة السودانية أن أبطالها لا يكتفون بارتكاب الأخطاء، بل يطمحون دائمًا إلى تحطيم الأرقام القياسية فيها، حتى غدت بعض أفعالهم تستحق أن تُدرَّس تحت عنوان: «الغلوطيات الكبرى في التاريخ السوداني المعاصر»؛ تلك التي تجاوزت حدود الذنب السياسي إلى مرتبة الإثم الوطني.فهناك ثلاث وقائع تقف في ذاكرة السودانيين كالأهرامات؛ لا تهزها الخطب العصماء، ولا تنقلها بيانات النفي، ولا تمحوها لجان العلاقات العامة.أولها: إنكار الحزب الشيوعي السوداني، أو بعض دوائره، لدوره أو مشاركته في انقلاب الرائد هاشم العطا.وثانيها: إصرار الجبهة القومية الإسلامية على التنصل من حقيقة تخطيطها وتنظيمها لانقلاب عام 1989؛ ذلك الانقلاب الذي لم يكتفِ باختطاف السلطة، بل اختطف الدولة نفسها، وأخذها رهينة لثلاثة عقود، ثم تركها على قارعة الطريق.وثالثها: ذلك السؤال الذي يتجول اليوم بين أنقاض الخرطوم، ويبيت في خيام النازحين، ويعبر الحدود مع اللاجئين: من الذي أشعل حرب الخامس عشر من أبريل، تلك الحرب التي نجحت ــ في إنجاز وطني نادر ــ في جمع السودانيين لأول مرة على شيء واحد: معسكرات النزوح وملاذات اللجوء؟والمفارقة المضحكة، أو المبكية، أن جميع هؤلاء الفاعلين يمارسون ما يعرف سودانيًا بـ«نكران الحطب» بكفاءة عالية، وكأن الشعب السوداني يعاني من فقدان ذاكرة جماعي، أو كأن التاريخ مجرد سبورة في فصل ابتدائي يمكن مسحها بالإسفنجة كلما تبدلت موازين القوى.بل إن الإصرار على ممارسة «الكذب الصراح» يكاد يكون السمة الأكثر رسوخًا في سيكولوجية الفاعل السياسي السوداني الحديث؛ حتى ليخيل للمرء أن هناك أكاديمية سرية لتدريس هذا الفن، يتخرج منها السياسيون بامتياز مع مرتبة الشرف.ولعل لقطة واحدة تختزل هذا “الثالوث الغلوطي”. ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، جلس الراحل الدكتور حسن الترابي أمام الكونغرس الأمريكي، متحدثًا بإسهاب كعادته، تتخلل حديثه تلك الضحكات الهادئة التي حيّرت خصومه قبل أصدقائه، متنقلًا بين الشرح والتفسير وإعادة هندسة الوقائع. وبينما كان يجيب عن أسئلة أعضاء الكونغرس، بدا أن أحدهم قد وصل إلى ما يمكن تسميته بـ«مرحلة التشبع من البلاغة السياسية»؛ فقاطعه فجأة، وقال بنبرة لا تخلو من السخرية والامتعاض:«”This man is just a liar.”(هذا الرجل مجرد كذّاب).»ثم غادر القاعة.وربما لم يكن ذلك العضو يدرك أنه لم يكن يصف رجلًا بعينه، بل كان ــ على نحو غير مقصود ــ يقدم تعريفًا مختصرًا لأحد أهم فصول التراجيديا السودانية. فطبقتنا السياسية، بمختلف ألوانها، تتعامل مع الحقيقة كما يتعامل لاعب السيرك مع الكرات الملونة؛ تُلقي بها في الهواء، وتلتقط منها ما تشاء، ثم تنظر إلى الجمهور بثقة من يعتقد أنه قد أتى بما لم تأتِ به الأوائل.وهكذا، تستمر المسرحية.يتغير الممثلون، وتتبدل الأزياء، وتتغير الشعارات: من اليسار إلى اليمين، ومن الثورة إلى الشريعة، ومن الديمقراطية إلى البندقية، لكن النص المسرحي يظل كما هو، حتى كأنه مكتوب بحبر لا يمحوه الزمن:لا أحد مسؤول. لا أحد أخطأ. لا أحد انقلب. لا أحد أشعل الحرب. ولا أحد أوصل البلاد إلى هذه الهاوية.الجميع أبرياء! بل إن السودان، وفقًا لهذه الرواية المدهشة، يبدو وكأنه البلد الوحيد في العالم الذي يتعرض، كل بضعة عقود، لهجمات ينفذها كائن غامض مجهول الهوية؛ يظهر فجأة، ينفذ انقلابًا أو يشعل حربًا، ثم يختفي قبل أن يترك بصماته على مسرح الجريمة.وربما آن الأوان لأن نضيف هذا الكائن إلى الموروث الشعبي السوداني، إلى جانب الغول والسعلوة وأم الصبيان.غير أن للتاريخ عادة سيئة لا يستطيع السياسي السوداني التعايش معها: إنه لا ينسى.قد يمنح الجميع فرصة للمراوغة، وقد يصبر طويلًا على الخطباء وأصحاب البيانات، لكنه لا يمنح أحدًا حق احتكار الحقيقة أو إعادة كتابة الوقائع على مقاس المصالح الآنية. وكما في قوله تعالى:﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾● خراب سوبا وخراب الخرطوم. التاريخ يعيد أحداثه في عقول من يجهلونهومن أعجب ما في السياسة السودانية أن أهلها يظنون أنهم يستطيعون التلاعب بالتاريخ، بينما الحقيقة أن التاريخ هو الذي يلعب بهم كلما أساؤوا استخدام حاضرهم.فالتاريخ السوداني ليس دفترًا أبيض، بل سجل طويل من المدن التي شُيدت بالأحلام ثم هُدمت بالصراعات والأطماع وسوء إدارة السلطة. وخراب المدن، على فداحته، ليس أمرًا طارئًا في هذه البلاد؛ إذ يبدو أن السودان قد ورث عبر القرون نمطًا سياسيًا متكررًا: عندما تستعصي معالجة الأزمة، يكون الخيار الأسهل هو ترك المدينة تدفع الثمن، ثم البحث لاحقًا عن رواية تبرئ الفاعلين.ومن هذه الزاوية، فإن خراب الخرطوم اليوم ليس حدثًا منفصلًا عن الذاكرة السودانية، بل هو فصل جديد في رواية قديمة.فإذا كانت الخرطوم والجنينة والفاشر والنهود قد شهدت مستويات مروعة من الخراب والدمار خلال حرب الخامس عشر من أبريل، وكان لقوات الدعم السريع والجنجويد دور رئيسي في جانب كبير من هذه المآسي، فإن سلسلة الخراب السوداني، في بعدها التاريخي الأوسع، تعود إلى خراب سوبا.لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح:من الذي خرب سوبا، أيها السادة والسيدات؟إن سوبا، لمن لا يعرفها من أبناء هذا الجيل، كانت آخر عاصمة للممالك المسيحية في السودان الوسيط؛ مدينة عامرة بالسكان والعمران والسلطة، ومركزًا حضاريًا مهمًا في وادي النيل.لكنها، مثل الخرطوم والجنينة والفاشر والنهود بعد قرون طويلة، لم تسقط بسبب لعنة غامضة أو قدر مجهول، وإنما نتيجة صراعات سياسية وعسكرية كانت أكبر من المدينة نفسها.غير أن ساسة ذلك الزمان، شأنهم شأن ساسة هذا الزمان، لم يكونوا أقل براعة في صناعة الأزمات ولا أقل قدرة على الهروب من المسؤولية.وحين أصبحت سوبا خرابًا، وتحولت أنقاضها إلى شاهد ثقيل على فشل القوى المتصارعة، كان لا بد من إنتاج رواية أكثر راحة للضمير الشعبي: تحميل المسؤولية لامرأة واحدة اسمها “عجوبة”.وهكذا استقرت في الذاكرة الشعبية المقولة الشهيرة:“عجوبة خربت سوبا.”يا لها من صيغة مريحة للهروب من التاريخ!فلا قادة أخطأوا الحسابات، ولا جيوش تحركت، ولا صراعات على السلطة أحرقت المدينة؛ بل إن امرأة واحدة، بكل بساطة، أصبحت مسؤولة عن سقوط عاصمة بأكملها.ولو قبلنا بهذا المنطق، فربما ستكتب الأجيال القادمة بعد مائة عام: “الجنجويد خربوا الخرطوم.”وقد تكون العبارة صحيحة، لكنها لن تكون الحقيقة كلها. لأن المدن لا تخربها الأيدي التي تحمل السلاح فقط، بل تخربها أيضًا البيئات السياسية التي تسمح للسلاح بأن يصبح حَكَمًا، والممولون الذين يوفرون القدرة على الاستمرار، والقادة الذين يحولون الوطن إلى ساحة صراع.إن سوبا لم تخربها “الحكامة عجوبة” وحدها، كما أن الخرطوم لم تخربها البنادق وحدها. ففي كل حالة تاريخية، هناك رجال يقفون بعيدًا عن ألسنة اللهب؛ يأمرون ولا يقاتلون، ويمولون ولا يُحاسَبون، ثم يتركون الآخرين يواجهون نتائج الكارثة.كانت وراء خراب سوبا جيوش وقادة ومصالح سياسية، ووراء خراب الخرطوم والجنينة والفاشر شبكات من المصالح والسلاح والتمويل والكفلاء الإقليميين الذين يجعلون الحرب ممكنة، ثم يتركون الشعوب تدفع الثمن.وما أكثر الكفلاء في التاريخ السوداني، وما أقل الذين امتلكوا شجاعة قول: لا.● ختامًا، نتساءل: كيف استطاعت النخبة السودانية، عبر عقود طويلة، أن تتقن ثلاث خصال في آنٍ واحد: خصلة التوقف عن النمو الفكري، وخصلة إنكار ما لا يمكن إنكاره، وخصلة تحويل إرثها الحضاري إلى أطلال، ثم التظاهر بالدهشة أمام نتائج أفعالها؟فمن «متلازمة سبلاية الشتاء» التي أصابت العقل السياسي السوداني، فحوّلت الصدمات إلى جمود، والمراجعة إلى تهمة، إلى خصلة الإنكار المطلق المتمثلة في «الغلوطيات الثلاث الكبرى»، حيث لا أحد يعترف بدوره في انقلاب، ولا أحد يقر بمسؤوليته عن إشعال حرب، ولا أحد يقبل أن يتحمل نصيبه من الخراب؛ وكأن هذه البلاد تبتليها، كل بضعة عقود، أشباح مجهولة تهبط عليها ليلًا، تنفذ الانقلابات، وتشعل الحروب والحرائق، وتدمر المدن، ثم تتوارى عن الأنظار قبل أن يطلع الصباح.هكذا، نكتشف أن التاريخ السوداني يملك حسًا ساخرًا خاصًا به؛ فالوجوه تتبدل، والشعارات تتغير، والأزياء السياسية تتلون، لكن المسرحية تستمر بالنص ذاته، وكأن قدر السودان أن يعيد المشهد نفسه إلى ما لا نهاية.كل ذلك في مواجهة خصمٍ واحد ظل عصيًا على الجميع: التاريخ نفسه. ذلك الشاهد العنيد الجالس في الصف الأخير؛ لا يصفق، ولا ينسى، ولا يقتنع بالروايات الرسمية. إنه يكتفي، بين الحين والآخر، بأن ينهض من مقعده، ويتقدم نحو جدران الخرائب، ثم يكتب عبارته الأثيرة، بأسماء مختلفة في كل مرة: «هنا كانت مدينة، وهنا مرّ السياسي السوداني.»وإذا كان إبليس قد علّم أبانا آدم مفارقة الجنان، فمن يا تُرى علّم ساسة السودان مفارقة وصايا بعانخي، وزهد ترهاقا، وحكمة معابد جبل البركل، وهيبة الإله أبادماك؟ ومن الذي أقنعهم بأن الطريق إلى الخلود لا يمر عبر تشييد المدن، بل عبر توريث الخراب للأجيال؟ذلك سؤال نتركه معلقًا بين أطلال سوبا وأنقاض الخرطوم و الفاشر و الجنينة، علّ التاريخ يجد له جوابًا قبل أن يضيف مدينةً سودانيةً أخرى إلى قائمته الطويThe post مهزلة السياسة السودانية في مرآة مسرح اللامعقول الحلقة (2-5) appeared first on صحيفة مداميك.