تقرير – إدريس عبد اللهلم تكن قفزة التضخم السنوي في السودان لتصل إلى 51.28% في شهر يونيو، مجرد انحراف روتيني في المؤشرات البيانية للجهاز المركزي للإحصاء، بل كانت في عمقها إعلاناً رسمياً عن دخول البلاد مرحلة “التداعي الهيكلي الشامل”. فبين قراءة مايو التي تقاطعت عند 44.50%، وقفزة يونيو القاسية، يتكشف واقع معيشي كابوسي يعيشه المواطن وفق معادلة القاسية : “رزق اليوم باليوم”.لم تعد الأرقام هنا صماء؛ إنها لغة شارحة لأجساد تُستنزف حتى رمقها الأخير. تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من نصف دخل الأسرة السودانية (52.89%) يُنفق فقط على الأغذية والمشروبات—أي لمجرد إبقاء الجسد على قيد الحياة. أما الخدمات الأساسية فقد تحولت إلى أمنيات بعيدة المنال: قفزة خيالية في قطاع التعليم بلغت 184.81%، وارتفاع في كلفة الصحة بـ 14.62%، في وقت يقتطع فيه السكن والوقود والنقل ما تبقى من رماد الدخل الشحيح. لكن هذه الأرقام الظاهرة ليست سوى أعراض سطحية لمرض أعمق يضرب قلب الجسد السوداني: “اقتصاد الحرب وتفتيت السيادة”.تشريح الميدان.. وطن بعملتين وسيلان نقدي خارج السيطرةفي محاولة لتفكيك هذا الانهيار، يغوص الباحث الاقتصادي عمر علي في التفاصيل الميدانية، مشيراً إلى أن التضخم الراهن تجاوز معادلات العرض والطلب التقليدية، ليصبح الابن الشرعي للصراع العسكري والانقسام الجغرافي والسياسي بين مناطق السيطرة المتباينة.لقد أدت الحرب إلى تفكيك السيادة المالية وتفتيت وحدة النظام النقدي. أثمر هذا الانقسام عن ظاهرة خطيرة تُعرف بـ “تقسيم العملة”، مع تداول فئات نقدية مختلفة وأسعار صرف موازية ومستقلة داخل الدولة الواحدة. أدى هذا التشظي إلى سلب البنك المركزي وظيفته الجوهرية في التحكم بالمعروض النقدي أو تنظيم مستويات السيولة.وفي قلب هذا الفراغ الورقي، بزغت المعاملات الرقمية عبر التطبيقات المصرفية وعلى رأسها تطبيق “بنكك”. وعلى الرغم من أن التطبيق شكل شريان حياة حقيقي لترتيب معاملات المواطنين والنازحين المحاصرين، إلا أنه أطلق في الوقت ذاته كتلة نقدية ضخمة تسبح بحرية خارج رقابة البنك المركزي الرسمية. هذا “السيلان النقدي”، بالتوازي مع اتساع شبكات التهريب عبر المنافذ العسكرية، خلق بيئة مثالية للمضاربات اليومية ودفعت بالأسعار نحو قمم قياسية.هذه الجغرافيا المتشظية تفسر التباين الحاد في نسب التضخم بين الولايات؛ حيث سجلت ولاية شمال كردفان أعلى قفزة بـ 29.09% جراء الحصار وتعطل سلاسل الإمداد، بينما شهدت ولايات أخرى انكماشاً وتراجعاً صورياً في معدلات التضخم (كنهر النيل بـ 38.20%- وشمال دارفور)، لا لتعافٍ اقتصادي، بل بسبب الموات الكامل للنشاط الاقتصادي وانعدام السيولة وتوقف قدرة المواطنين على الشراء.شبكات الإتاوات وتضخم الجباية المسلحةوإذا كان الانقسام النقدي يمثل الوجه الأولي للأزمة، فإن جانبها المالي الميداني يتغذى على ظاهرة أكثر قسوة يتناولها المحلل الاقتصادي محمد زين: “التضخم المندفع بالتكلفة”.عند الارتكازات المسلحة والمعابر العسكرية المنتشرة بين الولايات، تفرض القوات الميدانية إتاوات وجبايات عشوائية خارجة عن أي نظام ضريبي قانوني. هذه المبالغ القسرية لا تجد طريقها نحو الخزينة العامة، بل تتسرب مباشرة إلى جيوب العناصر والشبكات المسلحة. وأمام هذا الواقع، لا يجد التجار والموردون خياراً سوى تحميل هذه الرسوم الإضافية فوراً على التكلفة الكلية للسلعة، ليدفع المستهلك النهائي الفاتورة في نهاية المطاف عبر قفزات متتالية في الأسعار.يدخل الاقتصاد هنا في دويرة خبيثة: يلتهم التضخم المندفع بالجباية الدخل الحقيقي، فتتراجع القدرة الشرائية وينخفض الاستهلاك. هذا التراجع يجبر المصانع والمزارعين على انكماش إنتاجهم، ليترنح الناتج المحلي الإجمالي. ولعل المأساة الكبرى تكمن في أن الضرائب في ظروف الدولة الطبيعية تعود كخدمات صحية وتعليمية، بينما تحولت الإتاوات في زمن الحرب إلى وقود يُضخ مباشرة لتمويل الآلة العسكرية واستدامة الصراع.لعبة “أُمراء الحرب” وحرب التجويعيتجاوز المحلل السياسي عثمان أحمد البعد الرقمي ليعلن أن الاقتصاد السوداني لم يعد مجرد ضحية للحرب، بل تحول في حد ذاته إلى “ساحة مواجهة وسلاح استنزاف متبادل”.تظهر ظاهرة التضخم وتعدد الجبايات كناتج طبيعي لـ “تفتيت السيادة”؛ إذ يعكف كل طرف في الصراع على تأسيس “دويلة داخل الدولة”، وهو ما يتطلب موارد مالية ضخمة لتمويل الحشد العسكري. ومع جفاف الموارد الرسمية، لجأت هذه الأطراف إلى اقتطاع الموارد عبر الإتاوات، والسيطرة على شبكات التهريب، بل واستخدام أدوات السياسة النقدية — كطباعة الفئات الجديدة، أو حظر التطبيقات المصرفية، أو فرض الحصار الاقتصادي — كتكتيكات تجويع وحرب اقتصادية ضارية أثرها المباشر يقع على المواطن الأعزل.هذا التشرذم أفرز طبقة “أُمراء الحرب”؛ وهي شبكة من المستفيدين والوسطاء الميدانيين التي باتت تملك مصلحة مباشرة في استمرار الصراع وتغييب القانون، إذ تسيطر على سلاسل توريد الوقود والسلع والعملة، وتفرض أسعاراً احتكارية تُذكي جذوة التضخم وتضمن تراكم ثرواتها ونفوذها السياسي.غياب “شرط الدولة” والحل الوحيدأمام هذا المشهد المعقد، يضع المحلل الاقتصادي د. عادل عبد العزيز يده على الحقيقة المطلقة: إن كل المحاولات النقدية والمالية، وروشتات التعويم أو الضبط الشكلي، ستظل أدوات عاجزة ما لم يتحقق الشرط الهيكلي الأول: “وجود دولة موحدة ومستقرة تنعم بالسلام”.فالحديث عن حلول تقنية كالإيصال الإلكتروني، أو سن قوانين صارمة لمكافحة التحصيل غير القانوني، يظل محض خيال نظري في ظل بيئة متشرذمة أمنياً تغيب فيها سيادة القانون والبنية الرقمية الآمنة.ويضيف إن التضخم المتصاعد في السودان ليس اختلالاً عابراً بين العرض والطلب، بل هو المظهر الأكثر قسوة لتفكك الدولة واستقطاب السلطة. ولن يتسنى لروشتات الاقتصاديين إيقاف هذه الطاحونة التي تطحن أجساد الملايين، إلا عبر بوابة واحدة لا بديل لها: الإيقاف الفوري للحرب، واستعادة وحدة الدولة بسيادة كاملة على خزينتها وأسواقها وعملتها الوطنية.The post طاحونة الصفر: كيف يحيل “اقتصاد الحرب” الجنيه السوداني إلى رماد؟ appeared first on صحيفة مداميك.