ملاحقات متزايدة.. كيف يعمل مؤشر الحريات الصحفية في السودان؟

Wait 5 sec.

أوامر قبض بحق عشرات الصحفيين تعيد الجدل حول واقع الحريات الإعلامية في ظل الحرب وتراجع المؤشرات الدولية لحرية الصحافةتقرير – رندا عليأعادت أوامر القبض التي أصدرتها النيابة العامة المختصة بجرائم المعلوماتية بولاية البحر الأحمر بحق عشرات الصحفيين والإعلاميين ملف حرية الصحافة في السودان إلى واجهة النقاش من جديد، وسط انتقادات متصاعدة لاستخدام قانون جرائم المعلوماتية في قضايا تتعلق بالنشر الصحفي وفي وقت تشير فيه المؤشرات الدولية والتقارير الحقوقية إلى تراجع متواصل في واقع الحريات الإعلامية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م.وتعكس المؤشرات الدولية حجم هذا التراجع إذ هبط السودان من المرتبة 151 إلى المرتبة 161 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود وهو ما يعكس تدهور البيئة الإعلامية واتساع التحديات التي تواجه الصحفيين ومؤسساتهم خلال السنوات الأخيرة.ورغم أن الحرب مثلت نقطة تحول حادة في مسار الحريات فإن جذور الأزمة تعود إلى ما بعد انقلاب أكتوبر 2021 حين بدأت مساحة حرية التعبير تتقلص تدريجياً عقب فترة انتقالية شهدت هامشاً غير مسبوق من الانفتاح الإعلامي بين عامي 2019 و2021 ومع اندلاع الحرب دخلت الصحافة السودانية مرحلة أكثر تعقيداً اتسمت بتدمير المؤسسات الإعلامية ونزوح الصحفيين وتصاعد الملاحقات والانتهاكات إلى جانب تضييق الوصول إلى المعلومات.من الانفتاح إلى الانكماشبحسب تقرير صادر عن مؤسسة دعم القانون والديمقراطية شهدت الفترة الانتقالية خطوات هدفت إلى تعزيز حرية التعبير وإعادة بناء المؤسسات الإعلامية وإحياء العمل النقابي المستقل إلا أن هذا المسار تعرض لانتكاسة عقب التغيرات السياسية في أكتوبر 2021.ويشير التقرير إلى عودة إجراءات تقييد الحريات شملت قطع خدمات الإنترنت وحجب وسائل الإعلام وملاحقة الصحفيين والاعتداء عليهم أثناء أداء مهامهم قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها مع اندلاع الحرب التي وصفها التقرير بأنها المرحلة الأكثر قسوة في تاريخ الصحافة السودانية الحديث.كما يؤكد التقرير أن الحرب لم تؤد فقط إلى توقف مؤسسات إعلامية بل فرضت واقعاً جديداً اتسم باستهداف الصحفيين وتقييد تدفق المعلومات وإجبار أعداد كبيرة من الإعلاميين على مغادرة البلاد.تراجع ترصده المؤشرات الدوليةكانت منظمة مراسلون بلا حدود قد صنفت السودان في المرتبة 151 عالمياً عام 2022 ووصفت واقع الصحافة حينها بأنه يبعث على القلق الشديد قبل أن يتراجع إلى المرتبة 161 في أحدث تصنيف.وأرجعت المنظمة هذا التراجع إلى استمرار الحرب وما خلفته من انهيار في البيئة الإعلامية وتصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين وتراجع الضمانات المتعلقة بحرية التعبير واستقلالية وسائل الإعلام.وفي السياق ذاته توثق تقارير حقوقية تصاعد الانتهاكات منذ أكتوبر 2021 وحتى اندلاع الحرب وتشمل الاعتقالات والاستدعاءات ومنع التغطيات الصحفية والتهديدات وإيقاف الصحفيين عن العمل إلى جانب الاعتداءات أثناء ممارسة المهنة.كما وثقت تقارير رسمية 51 حالة انتهاك خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2022 وحتى 14 أبريل 2023 وهو ما اعتبر مؤشراً واضحاً على تضييق المساحة المتاحة للعمل الصحفي.وفي تقرير مشترك قالت نقابة الصحفيين السودانيين ولجنة حماية الصحفيين إن السودان لم ينفذ معظم التوصيات الدولية المتعلقة بحماية حرية التعبير وسلامة الصحفيين مشيرتين إلى أن الحرب شهدت حالات قتل واعتقال واختفاء قسري وتعذيب وعنف ضد الصحفيات فضلاً عن تدمير البنية الإعلامية واستخدام الإجراءات القانونية لتقييد العمل الصحفي.ملاحقات متزايدةخلال الأيام الماضية تعرض عدد من الصحفيين لإجراءات أثارت مخاوف داخل الأوساط الإعلامية من بينهم الصحفية مها التلب التي احتجزت لأكثر من 10 ساعات داخل مقر جهاز المخابرات بمدينة بورتسودان، والصحفي نادر عطا الذي تم ترحيله إلى المدينة للتحقيق معه على خلفية نشاطه الصحفي.وفي تطور آخر أفادت شبكة دارفور 24 بأن عدداً من مراسليها تلقوا تهديدات بالقتل من عناصر تتبع لحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، الى جانب تهديدات أخرى من قوات الدعم السريع، وهو ما أعاد المخاوف بشأن سلامة الصحفيين العاملين في مناطق النزاع.وتزامنت هذه التطورات مع استمرار الجدل بشأن استخدام قانون جرائم المعلوماتية في قضايا النشر وهو القانون الذي سبق أن استخدم في ملاحقة الصحفية رشان أوشي التي صدر بحقها حكم بالسجن خلال الفترة الماضية.أوامر قبض تفتح باب الجدلوأثارت أوامر القبض الصادرة عن نيابة جرائم المعلوماتية بولاية البحر الأحمر بحق عشرات الصحفيين والإعلاميين موجة واسعة من ردود الفعل بعد إدراج أسمائهم ضمن قوائم المطلوبين واعتبارهم متغيبين عن إجراءات الدعوى.وطالبت النيابة المشمولين بالإعلان بالمثول أمام أقرب قسم شرطة خلال أسبوع لاستكمال الإجراءات القانونية، وضمت القائمة الأولى 18 صحفياً وكاتباً وإعلامياً من بينهم مزدلفة محمد عثمان ومحمد عبد القادر وأحمد يوسف التاي والوليد فايت محمد أحمد وغادة عبد الهادي والسماني عوض الله وخضر مسعود، فيما تشير معلومات إلى احتمال صدور قوائم إضافية خلال الأيام المقبلة.وقال الصحفي آدم محمد أحمد إن أوامر قبض صدرت بحقه ووصفته بأنه متهم هارب، معتبراً أن اللجوء إلى قانون جرائم المعلوماتية في قضايا النشر يأتي في ظل تعطيل قانون الصحافة والمطبوعات والاعتماد على تشريعات أخرى لملاحقة الصحفيين.قانون يثير تساؤلاتولم يتسن الحصول على تعليق رسمي من نيابة جرائم المعلوماتية بشأن هذه الإجراءات غير أن تبريرات متداولة تشير إلى أن توقف عدد كبير من المؤسسات الإعلامية منذ اندلاع الحرب أوجد واقعاً مختلفاً بات معه بعض الصحفيين يخضعون لقانون جرائم المعلوماتية بدلاً من القوانين المنظمة للعمل الصحفي.ويرى منتقدون أن هذا التوجه يثير أسئلة قانونية بشأن مدى توافقه مع الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير وحق الصحفيين في ممارسة مهنتهم وفق التشريعات الخاصة بالعمل الصحفي.هل تتسع دائرة القيوديرى الصحفي والمحلل السياسي عبدالله رزق أن أوامر القبض الأخيرة تعكس طبيعة المناخ السياسي الراهن وابتعاده عن قيم الديمقراطية والحريات، ويقول في حديث لـ”مداميك” إن الصحافة في مثل هذه الأوضاع تتحول من سلطة رقابية إلى طرف يواجه الاتهامات في ظل غياب تشريعات توفر الحماية القانونية للعاملين في المهنة، وهو ما يفاقم حالة التوتر بين الدور الرقابي للإعلام ومحاولات الحد من قدرته على كشف التجاوزات والانتهاكات.ويضيف أن وصف الصحفيين بأنهم هاربون من العدالة قبل توضيح طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم يطرح تساؤلات حول ضمانات العدالة وسيادة القانون، وأشار رزق، إلى أن الحرب وفرت بيئة مواتية لتوسع الانتهاكات وأن استعادة حرية الصحافة تظل رهينة بإنهاء الحرب وعودة المسار الديمقراطي وإعادة بناء منظومة قانونية تكفل استقلالية الصحافة وتحمي حرية التعبير باعتبارها أحد أهم ركائز الدولة الحديثة.The post ملاحقات متزايدة.. كيف يعمل مؤشر الحريات الصحفية في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.