علاقة العمل النقابي بالسياسة: الجدل الذي يحجب الازمة

Wait 5 sec.

عمار الباقريشغل الساحة النقابية منذ فترة ليست بالقصيرة نقاشٌ كثيف حول علاقة العمل النقابي بالسياسة، وما إذا كان ثمة حبل سري يربط بين المسارين، وما إذا كان من الأفضل للحركة النقابية الاعتراف بوجود هذا الحبل ومحاولة توظيفه لصالح العمل النقابي، أم أن الأفضل هو فصمه نهائياً.من يتابع هذا النقاش عن كثب، يلحظ أنه قد أطل برأسه عشية نشوب الأزمة داخل تجمع المهنيين السودانيين على خلفية الموقف من توقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية. وقد ذهب كثيرون في تحليلهم إلى أن السبب وراء ذلك يعود إلى انشغال قادة التجمع بالسياسة، ليقفزوا بعد ذلك إلى نتيجة مفادها أنه من الواجب إبعاد السياسة نهائياً عن العمل النقابي.إلا أن هؤلاء، ونتيجة استعجالهم في التوصل إلى هذا الاستنتاج، يغفلون قضية في غاية الأهمية، وهي فشل تجمع المهنيين، عقب السادس من أبريل، في توسيع قاعدته النقابية، سواء على مستوى الأجسام النقابية المنضوية تحت مظلته، أو على مستوى عضوية هذه الأجسام. وهو ما حوّل قيادات التجمع إلى نخب، أكثر من كونهم قادة نقابيين يتمتعون بصلات ونفوذ وسط قواعدهم المهنية.فالقائد النقابي الحقيقي، أو القائدة النقابية الحقيقية، هو أو هي ذلك الشخص الذي يمتلك معرفة دقيقة بمواقع وجود قواعده، ولديه تصور واضح عن الظروف التي تعيشها هذه القواعد والمشكلات التي تعاني منها، وفق أولوياتها، وداخل مواقع عملها المختلفة. وهو شرط نجده متوافراً لدى عدد قليل جداً من القادة النقابيين والقائدات النقابيات المتصدرة للمشهد النقابي الحالي. فالغالبية العظمى هم، في حقيقة الأمر، نخب نقابية أكثر من كونهم قادة نقابيين.بالتالي فمن يتابع هذا الجدل، يلحظ أنه في جوهره انما يدور بين مجموعة نقابية غير منتمية حزبياً ومجموعة أخري منتمية حزبيا، ولكن الجميع في حقيقة الأمر هم عبارة عن نخب ضعيفة الصلة بقواعد العاملين علي الأرض كما أن جميعهم مسيسون، فهناك فرق بين تعاطي السياسة والانتماء الحزبي. فكم من السياسيين يتصدرون المشهد السياسي في بلادنا وليست لديهم احزاب سياسية ينتمون اليها. كذلك، يكاد المرء يلمس أن هذا الجدل يعبر وبصورة مستترة، وأحياناً بصورة معلنة، عن صراع مكتوم داخل أوساط النخب النقابية حول أحقية قيادة الحركة النقابية. فالنخب النقابية غير المنتمية حزبياً تعتقد أن إقصاء نظرائها المنتمين حزبياً سوف يزيد من فرصها في قيادة الحركة النقابية، بينما تعتقد النخب النقابية المنتمية حزبياً أن لها الحق في قيادة الحركة النقابية السودانية، طالما أن أداءها يؤهلها لذلك، بل إن بعضهم يعتقد أن انتماءهم الحزبي يمثل ميزة تفضيلية في هذا المجال.إن مطلوبات القيادة في العمل النقابي في تقديري المتواضع، ليست معنية بهذا الجدل، من قريب أو بعيد. فجماهير العاملين غير معنية بالانتماءات السياسية لقادتها بقدر ما تبحث عن ذلك القائد الذي يمتلك القدرة علي امتلاك توصيف دقيق لقواعده الجماهيرية: أين تتواجد، وكيف تفكر، وما هي أولوياتها. كما تبحث عن القائد الذي يمتلك المقدرة على التواصل مع هذه الجماهير، والتوصل معها، وبصورة جماعية، إلى برامج عمل قادرة على التصدي للقضايا والمشكلات العملية التي تواجهها بصورة يومية.وللأسف، فإن من يشهد واقع الحركة النقابية السودانية اليوم يكتشف أننا إزاء نخب نقابية معنية بتصوراتها الشخصية عن الحركة النقابية، وطموحاتها إزاءها، أكثر من اهتمامها بالواقع النقابي الموضوعي القائم على الأرض. وبالتالي، فإننا في حاجة إلى التعرف على الواقع النقابي الحالي كما هو، لا كما نتمناه، حتى نتمكن من استعادة الموقع المتقدم للحركة النقابية في خارطة العمل العام في السودان.The post علاقة العمل النقابي بالسياسة: الجدل الذي يحجب الازمة appeared first on صحيفة مداميك.