عينات "تشانغ آه-6" تكشف سرا عمره مليارات السنين.. كيف رسمت الأرض ملامح وجهي القمر؟

Wait 5 sec.

من المعروف أن القمر يتعرض لقصف مستمر من الرياح الشمسية (تيار الجسيمات المشحونة المنبعثة من نجمنا)، لكن هذا القصف ليس متجانسا، حيث يتعرض نصفي القمر لهذه الرياح بسرعات وطاقات مختلفة. وهذا الاختلاف ظل لغزا محيرا للعلماء لعقود، لكن الإجابة جاءت مؤخرا من عينات قمرية نادرة أعادتها مهمة "تشانغ آه-6" الصينية من الجانب البعيد للقمر، لتكشف أن الغلاف المغناطيسي للأرض هو المسؤول عن تشكيل هذا الفارق. ما هي الرياح الشمسية؟الرياح الشمسية هي تيار مستمر من الجسيمات المشحونة عالية السرعة التي تنطلق من الشمس وتقصف سطح القمر مباشرة. وعلى مدى مليارات السنين، حفظت التربة القمرية سجلا لهذا القصف في صورة غازات نبيلة (مجموعة من العناصر الكيميائية الخاملة التي تشكل المجموعة 18 في الجدول الدوري)، مثل الهيليوم والنيون والأرغون والكريبتون والزينون. وهذه الغازات، لأنها خاملة كيميائيا، تعمل كمؤشرات دقيقة على اندماج الرياح الشمسية في التربة، وتقدم للعلماء أدلة ثمينة عن تاريخ هذا القصف.ما الجديد في هذه الدراسة؟قبل هذه الدراسة، كانت عينات القمر المتاحة للعلماء تأتي جميعها من الجانب القريب المواجه للأرض، ما منع إجراء مقارنات مباشرة بين الجانبين. لكن مهمة "تشانغ آه-6" الصينية غيرت المعادلة، عندما أعادت 1.935 غراما من تربة الجانب البعيد، وتحديدا من حوض أيتكين- القطب الجنوبي (South Pole–Aitken basin)، ما وفر الفرصة الأولى لإجراء مقارنة علمية مباشرة. وقام فريق بحثي من معهد الجيولوجيا والجيوفيزياء التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، بقيادة الباحث تشانغ شو هانغ والأستاذ هي هواي يو، بتحليل نظائر الغازات النبيلة في العينات، ومقارنتها بعينات من الجانب القريب أعادتها مهمة "تشانغ آه-5" سابقاوكانت النتائج مفاجئة وكاشفة في آن واحد. فقد وجد الباحثون أن نسبة النظائر في النيون بتربة الجانب البعيد (20Ne/22Ne) كانت أقل بكثير من جميع عينات الجانب القريب التي حللت سابقا، ما يعني أن الجانب البعيد تعرض لعملية تجزئة نظائرية أقوى، أدت إلى تركيز النظير الأثقل. وهذا دليل على تعرض الجانب البعيد لرياح شمسية مختلفة.كما كشفت تجارب التسخين التدريجي أن الزينون المشتق من الرياح الشمسية في عينات الجانب البعيد انبعث عند درجات حرارة عالية فقط، بينما في عينات الجانب القريب انبعث عند درجات حرارة منخفضة وعالية معا. وهذا يعني أن أيونات الرياح الشمسية اخترقت عمقا أكبر بكثير في تربة الجانب البعيد مقارنة بالجانب القريب، ما يؤكد أن الجانب البعيد تعرض لجسيمات ذات طاقة أعلى. لماذا هذا الاختلاف بين الجانبين؟يعزو الباحثون السبب إلى تأثير "التحكم بالسرعة" للغلاف المغناطيسي للأرض. فعندما يدور القمر حول الأرض، يمر بشكل دوري عبر منطقة عازلة حول الغلاف المغناطيسي تعرف بالغلاف المغناطيسي المؤقت. وفي هذه المنطقة، تبطئ الرياح الشمسية من سرعتها الطبيعية البالغة 400 كم في الثانية إلى نحو 200 كم في الثانية.وهذه الرياح المتباطئة تصيب بشكل أساسي الجانب القريب من القمر، ما يؤدي إلى اندماجها في التربة على أعماق أقل. أما الجانب البعيد، الذي لا يواجه الأرض إطلاقا، فيظل معرضا للرياح الشمسية السريعة غير المضطربة، ما يسمح للأيونات بالاختراق لأعماق أكبر.ويقدر الباحثون أن نحو 25% من إجمالي تعرض الرياح الشمسية في موقع هبوط "تشانغ آه-5" (الجانب القريب) تأثر بهذا التباطؤ، بينما موقع "تشانغ آه-6" (الجانب البعيد) لم يشهد أي تأثير حماية من هذا القبيل. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تقدم دليلا تجريبيا مباشرا من عينات الجانب البعيد على تأثير الغلاف المغناطيسي للأرض في تشكيل اندماج الرياح الشمسية على سطح القمر. وهذا التأثير محفوظ بشكل دائم في التربة القمرية، سواء في أعماق الاندماج أو في التوقيعات النظائرية للغازات النبيلة.والأكثر إثارة أن الباحثين يشيرون إلى أن الغازات النبيلة الثقيلة في التربة القمرية قد تكون بمثابة "سجلات أحفورية" للتفاعلات السابقة بين الغلاف المغناطيسي للأرض والرياح الشمسية. وهذا يفتح بابا جديدا لإعادة بناء التطور طويل المدى للغلاف المغناطيسي للأرض، عند دمجه مع السجلات المغناطيسية القديمة.وتكشف هذه الدراسة أن التفاعلات داخل نظام الشمس-الأرض-القمر أكثر تعقيدا مما كنا نعتقد. فالقمر، أقرب جيراننا في الفضاء، لم يكن مجرد شاهد صامت على مليارات السنين من القصف الشمسي، بل احتفظ في تربته بسجلات دقيقة لتأثير الأرض نفسه على هذه العملية. ومن خلال قراءة هذه السجلات، يمكننا الآن فهم كيف شكل الغلاف المغناطيسي للأرض الفروق بين وجهي القمر، وكيف تطور هذا الغلاف الواقي على مدى العصور. المصدر: eurekalert