د. سلمان محمد أحمد سلمان1أصدرت وزارة الزراعة والري في 16 يوليو هذا العام (2026) بياناً حول ما أسمته “الموقف المائي ومناسيب النيل” أشارت فيه إلى انخفاضٍ في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص. وعزت الوزارة ذلك الوضع (ضمن أسبابٍ أخرى) إلى “الانخفاض في تصريف سد النهضة.” وحمّل البيان إثيوبيا وسدَّ النهضة المسئولية عن هذا الانخفاض.يلاحظ أن البيان لم يشمل أيّةَ إشارةٍ من قريبٍ أو بعيد إلى أيِّ اتفاقٍ بين السودان وإثيوبيا حول مسألة ملء وتشغيل سد النهضة، أو إلى دور ذلك فيما حدث.2دفع ذلك الإغفالُ الكبير عدداً من المتابعين لمسألة سد النهضة بمطالبة الحكومة السودانية بإلزام إثيوبيا بالتوقيع فوراً على اتفاقٍ مع السودان يتضمّن تفاصيل ملء وتشغيل السد لضمان عدم تكرار ما حدث هذا العام.بل وقد جادل البعض أن ذلك الوضع هو دلالةٌ على سوء نيّة إثيوبيا وعزمها على استخدام السد كأداةٍ للإضرار بالسودان ومصر.3وقد انبرى الخبير الوطني المهندس الدكتور سيف حمد لبيان وزارة الزراعة والري بمقالٍ في غاية الدقة والوضوح من حيث المعلومات الفنية والتواريخ والتحليل. وفنّد المقال إدعاء وزارة الزراعة والري تحميلَ سدِّ النهضة الانخفاض في منسوب مياه النيل.كما جادل الدكتور سيف أن دمج وزارة الري والموارد المائية في وزارة الزراعة، والذي تم في 20 من شهر يونيو عام 2025، كان سبباً رئيسياً لسوء إدارة تداعيات ملء وتشغيل سد النهضة وما نتج عنه من انحسار لمياه النيل هذا العام.راجع مقال الدكتور سيف على الربط:https://shorturl.at/gz7tT4أشار الدكتور سيف في مقاله إلى اتفاقيةٍ حول ملء وتشغيل سد النهضة تمّ التوقيع عليها في 26 أكتوبر عام 2022. وأوضح أن بدء إثيوبيا التخزين في شهر يوليو (ليستمر هذا التخزين حتى شهر أكتوبر فقط) حدث بناءً على إصرار وطلب السودان، وتم تضمينه في اتفاقية 26 أكتوبر عام 2022. كما أوضح أن فشل السودان في التخزين في خزان الروصيرص خلال الفترة من يناير وحتى شهر يونيو من هذا العام كان السببَ الرئيسي لانخفاض منسوب النيل هذا العام في السودان.5كان غريباً أن لا يشير بيان وزارة الزراعة والري إلى هذه الاتفاقية، وأن لا يعرف عنها شيئاً الخبراءُ السودانيون والمصريون الذين طالبوا إثيوبيا بالتوقيع فوراً مع السودان على اتفاقٍ حول ملء وتشغيل سد النهضة.وكنتُ قد نشرتُ مقالاً مطوّلاً عن هذه الاتفاقية في 5 سبتمبر عام 2025 في صحيفة سودانايل. ويمكن الرجوع للمقال على الربط:https://share.google/YGApEL8UDR4uLorfLالمقال تم نشره أيضاً في صحيفة مداميك على الربط:https://www.medameek.com/?p=182859كما أن صحيفة التغيير السودانية كانت قد نشرت بدورها تحقيقاً مطوّلاً عن هذه الاتفاقية، شمل صوراً لبعض صفحات الاتفاقية، ومحضر التفاوض، بما في ذلك أسماء أعضاء الوفد السوداني المفاوض، وصفحة التوقيع على الاتفاقية.من أجل تحقيق صحيفة التغيير يمكن مراجعة الربط:https://shorturl.at/6s2786عليه، وبسبب تواصل عدم العلم بوجود ومضمون هذه الاتفاقية، فقد رأينا ضرورة إعادة كتابة ونشر هذا المقال عن اتفاقية 26 أكتوبر 2022 بين السودان وإثيوبيا حول ملء وتشغيل سد النهضة. وسيشمل المقال نقاشاً موجزاً عن الاتفاقيات حول سد النهضة بين السودان ومصر وإثيوبيا التي سبقت اتفاقية عام 2022، ويوضح أن اتفاقية عام 2022 قد انبنت، في حقيقة الأمر، على مواد بعض هذه الاتفاقيات.7كما ذكرنا أعلاه فقد وقّع السودان مع إثيوبيا اتفاقيةً حول ملء وتشغيل سد النهضة في 26 أكتوبر عام 2022، بعد اجتماعاتٍ بدأت يوم 24 أكتوبر وتواصلت حتى يوم 26 منه، وتمّ توقيع الاتفاقية في الخرطوم ،(وليس في أديس أبابا أو نيروبي أو جنيف). عنوان الاتفاقية “القواعد الفنية والإرشادية للملء الأول وللتشغيل السنوي لسد النهضة الإثيوبي العظيم.”وقد سبق التوقيع على الاتفاقية اجتماعٌ موسّعٌ لممثلي عددٍ من الوزارات السودانية المعنيّة بمسألة سد النهضة (وزارات الري والخارجية والزراعة والطاقة)، وعددٍ من خبراء السدود والمياه في السودان (من داخل وخارج وزارة الري)، وقادة بعض الأحزاب السياسية، والأكاديميين والدبلوماسيين والخبراء الأمنيين الذين يعملون في هذا المجال. تمت خلال ذلك الاجتماع المطوّل مناقشة والموافقة على الاتفاقية بالإجماع، بعد أن قام الحاضرون بالإشادة بالوفد المفاوض وما أنجزه للسودان من خلال تلك الاتفاقية.8تلى تلك الموافقة التوقيعُ على الاتفاقية في يوم 26 أكتوبر عام 2022 بواسطة الدكتور سيف الدين حمد عبد الله ممثلاً للسودان، والدكتور سليشي بقلي ممثلاً لإثيوبيا.ثم تم تأييد الاتفاقية والتوقيع عليها في نفس اليوم بواسطة المهندس ضو البيت عبد الرحمن منصور الوزير المكلف بشئون وزارة الري والموارد المائية مُمثلاً للسودان، والدكتور المهندس هابتامو ايتيفا وزير المياه والكهرباء الإثيوبي.وبعد يومٍ واحدٍ من التوقيع (في 27 أكتوبر عام 2022) تمّ التصديق على الاتفاقية بواسطة مجلس السيادة السوداني ورئيسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان.ثم قام مجلس الوزراء الإثيوبي بالتصديق على الاتفاقية في 28 أكتوبر 2022، بعد أن تأكّد لهم أن السودان قد صادق على الاتفاقية في اليوم السابق. ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في ذلك اليوم.نورد أدناه إشارةً موجزةً لمضمون كل مادةٍ من مواد اتفاقية 26 أكتوبر عام 2022.9كما ذكرنا أعلاه تختصُّ الاتفاقيةُ بمسألتي الملء الأول والتشغيل لسد النهضة الإثيوبي. وتتكون الاتفاقية من ديباجةٍ مطولةٍ، وستِّ موادٍ، وملحق.أشارت الديباجة إلى الأهداف العامة للجنة الإثيوبية السودانية الفنية المشتركة (نشير إليها في هذا المقال باللجنة المشتركة). وتتمثّل هذه الأهداف في تعزيز التعاون وبناء الثقة بين البلدين فيما يختصُّ بسد النهضة.كما أكدت الديباجة الترابط المتكامل في التشغيل والصيانة بين سدّي النهضة والروصيرص، والحاجة إلى التنسيق التام والعمل المشترك لمواجهة الظروف العادية والطارئة لتشغيل السدّين.10تناولت المادة الأولى من الاتفاقية الملء الأول لسد النهضة، وكمية المياه وتاريخ بدء ونهاية الملء، وأشارت إلى أن الملء سوف يتم بناءً على ما ورد في ملحق الاتفاقية. كما أوضحت هذه المادة أنه إذا كان هناك توقّعٌ لجفافٍ في ذلك العام، فإن اللجنة المشتركة ستناقش هذه المسألة وتقدم التوصيات اللازمة حولها للمسئولين في الدولتين.11وأوضحت الفقرة الثالثة من هذه المادة أن الملء الأول للسد سيتم خلال فترة الفيضان في شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوير. وقد أكدت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الاتفاقية أن إعادة الملء ستكون في نفس هذه الأشهر الأربعة. وهذه الأشهر الأربعة هي فترة الفيضان للنيل الأزرق، لذا لا يُتوّقع في الظروق العادية أي ضررٍ للسودان أو مصر بسبب الملء لسد النهضة خلال هذه الفترة.وهاتان الفقرتان من الاتفاقية تشيران وتؤكدان بوضوح قبول إثيوبيا طلب وإصرار السودان على أن يتم الملء وإعادة الملء لسد النهضة خلال هذه الشهور الأربعة فقط، مما يترك إنسياب النيل الأزرق طوال الأشهر الثمانية الباقية حكراً على استخدامات السودان ومصر.وهذا ما عناه الدكتور سيف عندما أشار إلى أن السودان كان يجب أن يقوم بالتخزين كاملاً في خزان الروصيرص خلال الفترة من شهر يناير وحتى شهر يونيو، وأن لا يُفاجأ ببدء إثيوبيا التخزين للمياه في بحيرة سد النهضة في شهر يوليو، لأن هذا ما تم الإصرار عليه من جانب السودان خلال عملية التفاوض، وما تم الاتفاق والتوقيع عليه في اتفاقية 26 أكتوبر عام 2022، وما هو معروفٌ لخبراء ومهندسي وزارة الري.12تناولت المادة الثانية من الاتفاقية النواحي الفنية لعملية تشغيل السد على مدى العام، وشملت هذه المادة الأرقام التي أعاد تضمينها الدكتور سيف في مقاله.واحتلت حيز المادة الثالثة من الاتفاقية مسألة نوعية المعلومات والبيانات المتعلّقة بالملء والتشغيل التي تلتزم إثيوبيا بتقديمها للسودان، وأوقات تقديم تلك المعلومات (يومياً وشهرياً).وغطّت المادة الرابعة مسألة سلامة السدود في كلٍ من البلدين، والالتزام بتطبيق ما تم الاتفاق عليه في هذا المجال، وكذلك خطط التشغيل والطوارئ للسد، والتزام إثيوبيا بإخطار السودان فوراً بأية حالة طوارئ قد تنتج من تشغيل سد النهضة، وبالتدابير العلاجية لتلك الحالة.13تناولت المادة الخامسة القيام بدراستي التقييم البيئي والاجتماعي ومطالبة الطرفين بتطبيق التوصيات الواردة في هاتين الدراستين.أما المادة السادسة والأخيرة من الاتفاقية فهي عن آليات التنسيق حول تطبيق بنود الاتفاقية. وتشمل الآلية المستويين – الوزاري (وزيري الري في البلدين)، والفني. وربطت الاتفاقية جانب التنسيق الفني باللجنة المشتركة التي أشرنا إليها في بداية المقال. وفصّلت هذه المادة صلاحيات ومسئوليات كلٍ من الآليتين.14توسّع ملحق الاتفاقية في مسألة الملء الأول من حيث كميات المياه التي سيتم حجزها وتواريخ البدء والانتهاء من الملء، والبيانات والمعلومات التي سيتم إمداد السودان بها وتواريخ الإمداد. وأوكل الملحق القيام بهذه المهام للجنة المشتركة.15لا بد من الإشارة هنا إلى أن اللجنة المشتركة كان قد تم تشكيلها ( بدايةً باسم اللجنة الإثيوبية السودانية للموارد المائية المشتركة) بمقتضى اتفاق عن التعاون في حوض النيل تم التوقيع عليه بين السودان وإثيوبيا في 23 ديسمبر عام 1991، تحت مُسمّى “إعلان الخرطوم.”وقد تم تحديث هذا الاتفاق مرتين: الأولى في 3 نوفمبر عام 2013 لتتم إضافة سد النهضة لمهام اللجنة المشتركة، والثانية في 30 أبريل عام 2014 للتوسّع في متطلّبات التعاون حول سد النهضة.16بدأت اللجنة المشتركة أعمالها فور توقيع اتفاقية 2022، وواصلت إثيوبيا مدّ السودان بالبيانات والمعلومات التي نصّت عليها الاتفاقية بدقةٍ وانتظام. وقد تواصلت اجتماعات اللجنة المشتركة كل ثلاثة أشهر في أديس أبابا حتى شهر نوفمبر عام 2024 عندما قرر السودان فجأةً وقف مشاركته في الاجتماعات.وعلى الرغم من أن السودان لم يحضر اجتماعات اللجنة المشتركة منذ شهر فبراير عام 2025، إلا أن إثيوبيا ظلت (حسب إفادات الجانب السوداني للجنة المشتركة) تواصل مدِّ السودان بالبيانات والمعلومات التي نصت عليها اتفاقية 2022.17لا بد من إضافة عدة ملاحظات هامة حول هذه الاتفاقية:أولاً: إن السودان هو الذي سعى وطالب إثيوبيا منذ فترةٍ طويلةٍ بالتفاوض وتوقيع هذه الاتفاقية.ثانياً: إن هذه الاتفاقية تخلق وتضع الالتزامات الأساسية على جانبٍ واحد من طرفي الاتفاقية، وهو إثيوبيا.ثالثاً: كما ذكرنا أعلاه فقد تواصلت اجتماعات اللجنة المشتركة كل ثلاثة أشهر في أديس أبابا حتى شهر نوفمبر عام 2024 عندما قرر السودان فجأةً وقف مشاركته في الاجتماعات دون إبداء أي أسبابٍ لإثيوبيا.رابعاً: الاتفاقية ظلت سرية ولم يعلم العالم شيئاً عنها حتى تداولت وسائل التواصل الاجتماعي والصحف الإلكترونية يوم الخميس 4 سبتمبر عام 2025 خبراً منسوباً إلى شبكة الجزيرة الأخبارية مفاده أن السودان وإثيوبيا وقّعا على اتفاقيةٍ ثنائيةٍ فنيةٍ بشأن عملية ملء وتشغيل سد النهضة. وقد تم إثر ذلك نشر صورة الاتفاقية.18لا بد من التساؤل عن الأسباب التي قادت إلى هذا الارتباك السوداني الكبير والذي تمثّل في سرية الاتفاقية، وإلى قرار السودان وقف المشاركة في اجتماعات اللجنة المشتركة، ثم إلى توجيه أصابع الاتهام إلى إثيوبيا وسد النهضة في مسألة انحسار مياه نهر النيل في يوليو عام 2026، وأخبراً إلى عدم الإشارة إلى الاتفاقية في بيان وزارة الزراعة والري الذي أشرنا إليه أعلاه.19لم تكن اتفاقية 26 أكتوبر 2022 الاتفاقية الأولى بين السودان وإثيوبيا حول سد النهضة. فقد وقّعت مصر وإثيوبيا والسودان على “اتفاقية حول إعلان مبادئ بين السودان ومصر وإثيوبياحول مشروع سد النهضة.”تم التوقيع على تلك الاتفاقية في 23 مارس عام 2015 بواسطة كلٍ من السادة عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر، وعمر البشير رئيس جمهورية السودان، وهايلاماريام ديسالين رئيس وزراء إثيوبيا وقتها.نصّت تلك الاتفاقية في المادة الأولى منها على مبدأ التعاون “على أساس التفاهم المشترك، المنفعة المشتركة، حسن النوايا، المكاسب للجميع، ومبادئ القانون الدولي، وكذلك التعاون في تفهّم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف نواحيها.”أما المادة الثانية فقد أوضحت أن “الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة، المساهمة في التنمية الاقتصادية، الترويج للتعاون عبر الحدود، والتكامل الإقليمي من خلال توليد طاقة نظيفة ومستدامة يعتمد عليها.”20ونصّت المادة الثالثة من الاتفاقية على الالتزام باتخاذ الإجراءات المناسبة لتجنّب التسبّب في ضررٍ ذي شأن لأيّةٍ من الدول الثلاثة.أما المادة الرابعة فقد تضمّنت نصوصاً عن الاستخدام المنصف والمناسب (أو المعقول)، شملت العناصر الاسترشادية ذات الصلة لتحديد الانتفاع المنصف.الجدير بالذكر أن هذه المادة تشمل جميع العوامل التي تضمنتها اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية التي دخلت حيز النفاذ في 17 أغسطس عام 2014.من الغريب أن كلاً من مصر وإثيوبيا والسودان ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية، رغم أن السودان من الدول التي صوّتت لصالح الاتفاقية (مع 102 دولة أخرى) في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الاتفاقية في 21 مايو عام 1997، ورغم مطالبة مصر والسودان المتواصلة لإثيوبيا بالالتزام بالقانون الدولي للمياه.21أضافت المادة الرابعة من اتفاقية إعلان المبادئ عاملين آخرين للعوامل التي شملتها اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية، يتعلق الأول بمدى مساهمة كل دولة من دول الحوض في نظام نهر النيل، أما العامل الثاني فيتناول امتداد ونسبة مساحة الحوض داخل إقليم كل دولة من دول الحوض.يجب إضافة أن هذه هي نفس العوامل التي تضمّنتها اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل التي رفضتها وترفضها مصر والسودان بشدّة. وقد دخلت اتفاقية الإطار التعاوني حيز النفاذ في 13 أكتوبر عام 2024، بعد مصادقة ستِّ دولٍ عليها، رغم رفض مصر والسودان لها. وهذه الدول الستة هي إثيوبيا، وتنزانيا ويوغندا وجنوب السودان وبورندي ورواندا.22اختصّت المادة الخامسة من اتفاقية إعلان المبادئ بمبدأ التعاون في الملء الأول وإدارة السد. وتنصُّ هذه المادة على الآتي:“الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة بالتوازي مع عملية بناء السد.”كما نصت نفس المادة على:“الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقتٍ لآخر.”وقد تم تفعيل هذه المادة من اتفاقية إعلان المبادئ لعام 2015 في اتفاقية عام 2022، وأخذت اتفاقية 2022 عنوانها من مضمون هذه المادة نفسه.23أشارت المادة السادسة من اتفاقية إعلان المبادئ إلى أنه “سيتم إعطاء دول المصب الأولوية في شراء الطاقة المولّدة من سد النهضة. ويُتوقّع أن تبلغ كمية تلك الكهرباء أكثر من 5,000 ميقاواط، بتكلفةٍ تقلُّ كثيراً من التكلفة الحالية للتوليد المائي في السودان ومصر.وكان خط الربط الكهربائي الأول بين إثيوبيا والسودان قد اكتمل وتم افتتاجه عام 2013، لنقل حوالي 300 ميقاواط من الكهرباء الإثيوبية إلى السودان، من المتمّة الإثيوبية، عبر القلابات، إلى القضارف. وتم تمويل تكلفة هذا الخط بمنحة قاد العمل فيها البنك الدولي.غير أن هذا الخط يعاني في الوقت الحاضر من مشاكل حادة نتجت من توقف الصيانة منذ بداية الحرب في أبريل عام 2023. وقد أدت تلك المشاكل إلى توقّفٍ شبه تام لعمل هذا الخط.وقد اكتملت في عام 2020 دراسةٌ لخطٍ ناقلٍ ثاني يبدأ من سد النهضة حتى ربك ثم الخرطوم بسعة 500 كيلو فولت أمبير (كى في أي) لنقل حوالي ألف ميقاواط من كهرباء سد النهضة إلى السودان، كمرحلةٍ أولى. وقد بدأ البنك الدولي في إجراءات تمويل هذا الخط عن طريق منحة في عام 2021. غير أن انقلاب 25 أكتوبر عام 2021 أوقف العمل في هذا المشروع.لا بد من إضافة أن الخطين قابلين للتوسّع والتقوية لنقل قدرٍ أكبر من الكهرباء الإثيوبية إلى السودان، إن أراد السودان ذلك.24تناولت المادة الثامنة من اتفاقية إعلان المبادئ مسألة أمان السد، وتضمّنت تقدير “الدول الثلاثة للجهود التي بذلتها إثيوبيا لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية المتعلّقة بأمان السد.”كما تضمّنت التزام إثيوبيا بالتنفيذ الكامل بحسن نية “للتوصيات الخاصة بأمان السد الواردة في تقرير لجنة الخبراء الدولية عن سد النهضة الإثيوبي.”وكان تقرير لجنة الخبراء قد صدر في 31 مايو عام 2013 بعد توقيع الخبراء العشرة عليه (خبيرين من كلٍ من مصر وإثيوبيا والسودان، وأربعة خبراء عالميين من خارج دول حوض النيل).لا بد من إضافة أن هذا التقرير يُمثّل اتفاقاً ووثيقةً قانونيةً أخرى عن سد النهضة، وقّعتها مصر وإثيوبيا والسودان، تُضاف إلى الاتفاقيات الثلاثة التي ناقشناها أعلاه.25اختُتمت اتفاقية إعلان المبادئ بمسألة التسوية السلمية للمنازعات، وحدّدت المشاورات والمفاوضات والتوفيق والوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة كوسائل متدرّجة لحل النزاعات.26بعد تسعة أشهرٍ من توقيع اتفاقية إعلان المبادئ (في 23 مارس عام 2015) وقّعت الأطراف الثلاثة في 28 ديسمبر عام 2015 على اتفاقية تمّت تسميتها “وثيقة الخرطوم”، والتي أكد الأطراف الثلاثة فيها التزامهم التام باتفاقية إعلان المبادئ.كما اتفق الأطراف الثلاثة بمقتضى تلك الوثيقة على الدخول في اتفاق مع بيتي خبرة عالميين للقيام بدراستين حول سد النهضة تتعلقان بالتقييم البيئي والاجتماعي للسد.غير أن خلافاتٍ بين الأطراف الثلاثة حول المعيار لقياس أي ضررٍ قد ينتج من سد النهضة (مع أسباب أخرى خاصة بالتعاقدات) حالت دون بدء الدراسة.فقد أصرّت مصر على أن المعيار للضرر هو استخداماتها القائمة، بينما أصر السودان على حقوقه بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وكان معيار إثيوبيا هو عدم التسبب في ضررٍ ذي شأن والانتفاع المنصف والمعقول بمقتضى القانون الدولي. لهذا السبب، ولأسباب أخرى، لم يتم القيام بهاتين الدراستين.27من هذا العرض السريع يتضح أن السودان قد وقّع على ثلاث اتفاقيات مع إثيوبيا بخصوص سد النهضة، يثمّن فيها قيام السد كمشروعٍ تنمويٍ يساهم في التعاون الإقليمي، ويقدّر جهود إثيوبيا في تطبيق مستلزمات سلامة السد التي تضمّنها تقرير الخبراء. وتلتزم إثيوبيا من خلال هذه الاتفاقيات بتقديم البيانات والمعلومات حول ملء وتشغيل سد النهضة.28كما يوضّح العرض ويؤكد توقيع السودان لاتفاقيةٍ في 26 أكتوبر عام 2022، تشرح وتناقش التفاصيل الكاملة لعملية ملء وتشغيل سد النهضة (بما في ذلك الأرقام والتواريخ) التي وافقت والتزمت بها إثيوبيا مع السودان، وتضمّنتها تلك الاتفاقية.ويوضح العرض أيضا من أين أتت مشكلة انحسار مياه نهر النيل عام 2026، ومن تسبّب فيها، كما شرحها بالتفصيل من النواحي الهندسية والفنية الدكتور سيف حمد في مقاله المشار إليه أعلاه، والذي يقوم هذا المقال بتكملته من النواحي القانونية.The post سدُّ النهضةِ الإثيوبي: قراءةٌ في اتفاقيةِ عام 2022 وانحسارِ مياه النيل عام 2026 appeared first on صحيفة مداميك.