يوسف الغوثالدولة، في جوهرها الفلسفي والقانوني، ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات بيروقراطية، بل هي عقد اجتماعي أخلاقي يقوم على تبادل الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم،تكمن شرعية الدولة في قدرتها على حماية المواطنين وتوزيع الموارد بعدالة، غير أن هذه الصيغة تتعرض في العديد من السياقات وبصورة مأساوية في السودان لعملية ممنهجة يمكن وصفها باختطاف الدولة،ان آلية اختطاف الدولة تتكامل عبر ثلاث قنوات رئيسة هي المال، والمنهج التعليمي، والنسيج الاجتماعي، لتتحول الدولة من حاضن للحياة إلى أداة حرب، ومن ثم تصبح الحرب نفسها هي النظام الطبيعي لاستمرار الاختطاف بدلاً من أن تكون حالة استثنائية،تتمثل الآلية الأولى في النهب الممنهج للمال العام وتحويله من شريان للتنمية إلى وقود للحرب، فحين تتحول مؤسسات الدولة المالية والثروات الوطنية كالنفط والذهب إلى صناديق خاصة لتمويل الميليشيات وشراء ولاءات القبائل، بدلاً من تمويل التعليم والصحة ومكافحة الفقر، فإن ذلك يمثل انتهاكاً صارخاً للعقد الاجتماعي، فالمال المسروق يتحول إلى بارود، والسلطة التي تسيطر عليه لا تتركه إلا تحت وطأة الرصاص، مما يحول الاقتصاد الوطني من أداة نمو إلى نظام مقاولات حرب يعيد إنتاج الفقر ويُعمّق الاستقطاب، لأن كل الأطراف المتنازعة تدرك أن البقاء مرهون بالسيطرة على هذا المال لا برضا الشعب، وتأتي الآلية الثانية، وهي الأكثر خطورة لأنها تمتد إلى سرقة العقول، وتتمثل في اختطاف المنهج التعليمي، فالمناهج المختطفة لا تعلّم الأجيال التفكير النقدي، بل تُلقّنهم ما يجب أن يعتقدوه ومَا يجب أن يكرهوا، حيث يُحوّر التاريخ إلى سردية بطولية لفصيل وهزائم الآخر، ويُصبح الأدب أداة لترسيخ الهوية الضيقة، ومن ثم تحوّر الجغرافيا إلى خريطة للعداوات،ينتج عن هذا التزوير مواطن تابع مختزل الوعي، يرى في المختلف عدوّا يستحق الإقصاء، لا شريكاً في الوطن يستحق الحوار، وهذا النمط البشري هو الوقود الذي تحتاجه الحروب، لأنه يفتقر إلى أدوات النقد التي تجعله يسأل عن شرعية من يقاتل لأجله، مكتفياً بأن الآخر مختلف قبليا أو دينياً ليبرر قتله وتهجيره،أما الآلية الثالثة والأكثر تعقيداً فهي تفكيك النسيج الاجتماعي، إذ لا يمكن لسلطة مختطفة أن تستمر في مجتمع متماسك تقوم علاقاته على التكافل والمؤسسات المدنية القوية، لذا تُضطر إلى إحياء العصبيات القبلية والإثنية والتي كانت في طريقها إلى الذوبان في المواطنة، وذلك عبر تغذية الخطاب الطائفي وإفراغ المؤسسات المدنية من صلاحياتها أو استيعاب قادتها بالمال والتهديد،عندما ينهار النسيج الاجتماعي وتصبح الهوية الفرعية هي المرجعية الأولى في توزيع المكاسب، تتبدد فكرة الوطن الواحد وتحل محلها جماعات متحاربة، فتصبح الحرب هي الحالة الطبيعية التي ينظم بها المختطفون علاقات المجتمع، قد شهد السودان، خلال عقود تراكم الاختطاف، تحولاً صارخاً تجلى في توجيه عائدات الذهب والنفط لتمويل الميليشيات مباشرة بينما تُرك الملايين يواجهون المجاعة، وفي إعادة إنتاج الخطاب القبلي والإثني داخل المناهج والإعلام الرسمي لتبرير التهجير تحت غطاء الصراع العرقي، وفي تفكيك النسيج الاجتماعي حتى صار الجار يخشى جاره والتاجر يخاف على متجره، فكانت الحرب هي المرآة الأكثر صدقاً لهذا المثلث المتراص،من اللافت للنظر أن الحرب في سياق الدولة المختطفة ليست عرضاً مرضياً يمكن تجاوزه بالتفاوض، بل هي نظام البقاء الأوحد للفصائل المختطفة، لأنها تؤدي وظيفة مزدوجة فهي اولا، تكرس شرعيتها تحت شعار الدفاع عن الوطن، وثانياً، تلهي المواطن عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بسرقة ثرواته وتزوير عقله، مستبدلة إياه بسؤال البقاء اليومي المحدق،في السودان راهناً، نعاين هذه الحلقات بأبشع صورها، حيث أسفرت الحرب عن نزوح أكثر من عشرة ملايين شخص وسقوط عدد هائل من الضحايا المدنيين، في مشهد يعيد إنتاج نموذج الخراب الذي سبق أن عايناه في حروب المنطقة ذاتها، ويبقى السؤال الإشكالي الذي تفرضه هذه المعاينة، كيف يمكن بناء فاعل مدني قادر على تفكيك هذا المثلث المتراص، في زمن صارت فيه الحرب هي النظام الطبيعي لاستمرار الاختطاف، والمواطن أسير معادلة البقاء التي تحجب عنه جوهر المأساة؟؟؟The post اختطاف الدولة وانعكاسه علي الحرب appeared first on صحيفة مداميك.